بين اسلاميي طهران وبغداد تتراكم الفوارق

آراء وأفكار 2019/05/13 12:00:00 ص

بين اسلاميي طهران وبغداد تتراكم الفوارق

د. حيدر نزار السيد سلمان

في شباط من عام ١٩٧٩ سيطر خليط غير متجانس فكرياً وسلوكياً من الحركات والأحزاب والمنظمات والشخصيات الممتدة طولياً وافقياً على خرائط أيديولوجية من اقصى اليمين الى اقصى اليسار ( علماء دين ، أحزاب اسلامية الاتجاه، شيوعيون، يسار اسلامي، قوميون وآخرين) سيطر هذا الخليط على إدارة السلطة في ايران خلفاً لنظام ملكي امبراطوري ذي عقيدة تاريخية قومية ، حقق هذا الخليط الانتصار ببلوغ السلطة بقيادة رمزية معنوية ذات كاريزما طاغية مثّلها المرجع الديني السيد الخميني ( أنظر ماكتبه الشاعر أدونيس والباحث المؤرخ الفرنسي اوليفيه روا والمفكر ميشيل فوكو وآخرين) تمكن فيما بعد التيار الاسلامي بقيادة رجال الدين وبمساندة جماهيرية من التربع منفرداًعلى قيادة الدولة الآيرانية بعد إزاحة حلفائهم المتعاونين معهم في أحداث الثورة .
ترك الشاه محمد رضا بهلوي مؤسسات عسكرية ومدنية متعددة وعريقة في أنظمتها وأنماطها الوظيفية وهنا عمل الماسكون الجُدد بالسلطة من رجال الدين على ابقاء هذه المؤسسات الدولتية بعدتعريضها لحملات تطهير مبرمجة ومخطط لها جيداً بعقلية تستوعب معنى إدارة الدولة وقيادتها وأضاف الجدد تبعاً لفلسفتهم بالحكم مؤسسات أخرى رديفة وتكاملية مع المؤسسات التي ورثوها ليشكلوا منها دولة مؤسسات جديدة بنظام وأيدلوجيا جديدة، لاسيما إن المؤسسات المستحدثة اخذت على عاتقها مهام تحقيق الاهداف الايدلوجية والثقافية لسلطة رجال الدين .
بزمن صعب وظروف قاسية تمكنت السلطة الجديدة من تجاوز مشكلات ومصاعب داخلية وخارجية واضفت على نفسها خواص الثورة الكبرى بطبيعة إسلامية (الاثارة في مايذكره محمد جواد ظريف في لقاءات مطولة مع شبكة اخبارالart( اذ نجح رجال الدين والثوريين الاسلاميين الحديثي العهد بادارة دولة كأيران من عبور مراحل تاريخية حرجة مستفيدين من الجهاز الاداري القديم والمؤسسة العسكرية العريقة المطعمتان بافراد نشطين من رجال الثورة المخلصين لعقيدتهم وقد تمكن النظام الثوري الجديد التخلص من المعارضة وحركات التمرد العنفية الداخلية وكذا الحال بتجاوزها مرحلة الحرب العراقية - الايرانية، ومن ثم توطيد سيطرة سلطتها بقوة وصلابة ، بيد ان الملاحظات الأهم في سردية الثورة الايرانية ذات القيادة والصبغة الاسلامية هي : ان رجال العهد الجديد لم يقفوا متفرجين باهتين امام ماموجود من خدمات وبنى تحتية وقطاعات صناعية وتجارية وزراعية بل انطلقوا بحماس كبير لتحقيق تراكم خدماتي وبنى تحتية وحافظوا على ممتلكات الدولة وعقاراتها من النهب والسلب وتمت حماية الآثار والقصور الخاصة بالعائلة البهلوية وشمل ذلك حتى ملابس الشاه محمد رضا بهلوي وملاعق الطعام والسجاد وغيرها من الأغراض الشخصية التي يمكن الاطلاع عليها بمجموعة قصور سعد أباد حيث تحولت الى متاحف ومعارض دالة على حقب تاريخية منتهية يفخر الايرانيون بكونها تمثل تراثاً تراكمياً لدولتهم ، ولعل النظام الجديد باضافاته الخدماتية والبنوية وعمليات التحديث بكافة مجالات الحياة قفز قفزات تنموية في التعليم والاقتصاد والزراعة والصناعة وحتى بالمجال العسكري اذ يمكن لزائر مدن إيرانية كطهران واصفهان ومشهد وغيرها من ملاحظة مدى فرض القانون والنظام والانضباط الواضح في هذا الاطار، فكل شيء خاصع لحكم القانون من مكبرات الصوت الخاصة بالجوامع والحسينيات والنشاطات الاجتماعية والدينية الى وجود قوى أمنية وعسكرية رسمية حكومية خاضعة للضوابط والقوانين المعمول بها بعيداً عن الفوضوية في السلاح والمواقف ، ورغم العقيدة الدينية للدولة ونظامها السياسي، غير أن ذلك لايضفي على حياة الناس وحركتهم فروضاً من التشدد فالانفتاح والعيش بحريات شخصية مكفولة بادية لايمكن التجاوز عليها من اأية جهة (في قرار هام منع المرشد الراحل الخميني اقتحام الدور السكنية والتدخل بحياة الناس الشخصية الا بأمر قضائي)، كما يمكن ملاحظة الدقة في عمل المؤسسات الحكومية ومثابرة الموظفين والعمال في اداء واجباتهم ووظائفهم وباختصار يمكن القول ؛ كل شيء منظم بشكل جيد والخدمات تقدم بسهولة وبدقة عالية .
في العراق أطاحت القوات الاميركية وحلفائها بنظام البعث وسلطته الديكتاتورية عام ٢٠٠٣ وحل محلها خليط من الاحزاب والتنظيمات والشخصيات من اتجاهات فكرية مختلفة لكن الاتجاه الديني يشكل النسبة الاكبر من التركيبة السلطوية الجديدة فقد مُنح هؤلاء دفة الحكم وادارة البلاد على طبق من ذهب فتحولوا من معارضين منفيين ومهجرين ولاجئين الى قادة وحكام بيدهم كل المقاليد ، لكن السؤال ؛ كيف تعامل اسلاميو بغداد مع الدور الجديد وكيف تصرفوا ازاء بناء نظام سياسي على انقاض النظام السابق الذي تحطم بالفعل والقرارت الصادرة عن سلطة الاحتلال أو بالواقع المستحدث ، وماذا فعل الحكام الجدد لمواجهة تحديات منبثقة من أوضاع سياسية واقليمية جديدة وأمام بلاد تتكدس بها الثروات مثلما يتكدس بها الفقراء والمحرومين
.
بدأ الحكام الجدد حكمهم بترسيخ وتثبيت سلطتهم الخاصة والتقاتل الشرير على المكاسب والامتيازات وجروا جرياً حثيثاً للاستحواذ على عقارات واملاك الدولة والمال العام بدل الحفاظ عليها وحولوا المؤسسات القديمة والمستحدثة الى مراكز خاصة بهم ولهم حزبياً وشخصانياً منتفعين منها لمصالحهم وسبغ كل مؤسسة بلون حزبي، فتداخلت وتصارعت بعشوائية ودون تنسيق ، ولأنهم جلسوا على ميزانيات مالية وثروات ضخمة اصبحوا يبددونها كالمجانين ويهبونها الى أتباع وأنصار وأقارب في مشارق الأرض ومغاربها ضمن اصدارات تشريعية وقانونية تم تمريرها في ظل استغلال لحالة حماسة عاطفية شعبية وغيبوبة عامة انوجدت بتأثيرات البهجة بالخلاص من حكم البعث وسلطته ، ثم زقوا المؤسسة العسكرية بالانصار والاتباع بلا روية أو قيود ضابطة وبدل الجيش الواحد توزعت البلاد الى جيوش من الاقوياء من ملاكي السلاح والنفوذ ، ووقف اسلاميو بغداد صامتين ساكتين بشكل متناقض ومختلف من موقف اسلاميي طهران النشطين المثابرين ،فلم يتحركوا لتفعيل الخدمات العامة ومراكمة مشاريع البنى التحتية والصنا
والصناعة والزراعة ولم يفتحوا طرقاًمرورية جديدة وطال الفساد والاهمال والتلكؤ أغلب مشاريع. طرقاًمرورية جديدة وطال الفساد والاهمال والتلكؤ أغلب مشاريع المشافي والمدارس والكهرباء والجسور وغيرها ،وبزمنهم ساد الهرج والفوضى والارهاب فادخلوا البلاد بمصائب ومشكلات متلاحقة الواحدة تلد الاخرى دون تفكير بالمراجعة واستعادة الزمام والبدء بإصلاح يستجيب لمطالب الناس الغاضبة رغم تحول الكثير منهم الى مرحلة الغنى والإثراء الفاحش .
بينما يمكن للمرء أن يقود سيارته بمدينة طهران ذات ال٢٥ مليون نسمة بشبكة حديثة من الطرق النظيفة والشوارع الخضراء المزدانة باشجار السرو والكالبتوس وفرشات الزهور وبمراقبة لحركة السير والسرعة ، فان من يقود سيارته بالعاصمة بغداد سيجد نفسه بغابة من الطرق العتيقة الممتلئة بالحُفر والتخسفات وبشوارع مزدحمة فاقدة في اغلبها اللون الاخضر لكنها تزدان بعالم من الصور والشعارات والفوضى المرورية، وبينما يعرف المواطن الايراني إن السلطة التي تحكمه حتى وان تعارض معها أيديولوجياً، فانها تثابر للعمل لصالحه وترفع شعار الإيراني أولاًوتتشدد في منح الامتيازات والمنافع للاجانب، يقف العراقي مشدوهاً وهو يرى السلطة التي تحكمه تتعارك مكوناتها وتتصارع منذ سنين لتمتين بقائها وامتيازاتها ومكاسبها دون حساب لمصلحة البلاد العليا .
استغل النظام السياسي الإسلامي في إيران كل الوسائل والامكانات لبناء دولة حديثة قوية مؤثرة تعمل بتخطيط وعلمية وفكر، أما احزاب الإسلام السياسي في العراق فرغم كل فشلها ومافعلته مازالت تتغنى بدولة يسودها التقوى والصلاح والإيمان ليس إلا.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top