تلويحة المدى: الأفعال الجوهرية وقدراتها على التحوُّل الاستعاريّ

شاكر لعيبي 2019/05/20 12:00:00 ص

تلويحة المدى: الأفعال الجوهرية وقدراتها على التحوُّل الاستعاريّ

 شاكر لعيبي

يبدو أن تأملاً في المعجم العربيّ، سيشير إلى أن الأفعال الكبرى، وما قد نسميه "بالأفعال الجوهرية" للنشاط الإنساني هي الأكثر عرضة للتحولات الدلالية، وبالتالي القابلية على الاستخدام المجازيّ الغادي أحياناً كثيرة نوعاً صريحاً من الاستخدام الشعريّ الخالص، هذا إذا كان مفهوم "الشعرية" في بعض مناحيه هو فعلاً انحراف عن الاستخدام الحقيقيّ للمفردة والفعل.
سأخذ على سبيل المثال، مبدئياً، الأفعال (أكل) و(شرب) .
يقال "آكلني ما لم آكل وأكلنيه"، كلاهما يعني ادعاه علي. ويقال "أكلتني ما لم آكل"، بالتشديد، و"آكلتني ما لم آكل" أيضا إذا ادعيته علي. وأكل فلان عمره إذا أفناه، والنار تأكل الحطب. والأكل هو الرعي أيضاً. وفي الحديث عن عمرو بن عبسة "ومأكول حمير خير من آكلها»; والمأكول هم الرعية، والآكلون الملوك جعلوا أموال الرعية لهم مأكلة، والأكل الرزق. وإنه لعظيم الأكل في الدنيا أي عظيم الرزق، ومنه قيل للميت "انقطع أكله"، والأكل هو الحظ من الدنيا كأنه يؤكل. ورجل ذو أكل أي رأي وعقل وحصافة. وثوب ذو أكل قوي صفيق كثير الغزل. وفي الأشعار
سألتني عن أناس هلكوا شرب الدهر عليهم وأكل
وتأكل السيف تأكلا إذا ما توهج من الحدة. وفي أسنانه أكل أي متأكلة، والإكلة والأكال هي الحكة والجرب أيا كانت. وقد أكلني رأسي. والآكال هم سادة الأحياء الذين يأخذون المرباع وغيره. والمأكل هو الكسب. وفي الحديث "أمرت بقرية تأكل القرى" وهي المدينة، أي يغلب أهلها وهم الأنصار بالإسلام على غيرها من القرى، والأكلة والإكلة، بالضم والكسر هي الغيبة. وإنه لذو أكلة للناس وإكلة وأكلة أي غيبة لهم يغتابهم.
دون شك لا أثر في ذلك كله للفعل الحقيقيّ لعملية الأكل، وفيه استخدام بعيد. صحيح أن عملية تناول الغذاء ومضغه تصير خلفية للاستخدامات المجازية، لكن من الصحيح أيضاً أن الاستخدام المجازي يُنسينا الطعام بشكل شبه حاسم.
ثم الفعل (شرب) وفيه :
أشْرَب اللون أي أشبعه، وكل لون خالط لونا آخر فقد أشربه. والصبغ يتشرّب في الثوب، والثوب يتشربه أي يتنشفه. وأشرب فلان حب فلانة أي خالط قلبه. وأشرب قلبه محبة هذا أي حل محلّ الشراب. وفي التنزيل العزيز "وأشربوا في قلوبهم العجل" أي حب العجل. وتشرب الصبغ فيه سرى. واستشربت القوس حمرة أي اشتدت حمرتها إذا كانت من الشريان. وأشرب الزرع جرى فيه الدقيق، وكذلك أشرب الزرع الدقيق. شرب الزرع الدقيق، وهو كناية عن اشتداد حب الزرع وقرب إدراكه. وشرب القربة بالشين المعجمة إذا كانت جديدة، فجعل فيها طيبا وماء ليطيب طعمها. وتقول "أشربتني ما لم أشرب" أي ادعيت علي ما لم أفعل. والشربة هي النخلة التي تنبت من النوى، والجمع الشربات والشرائب والشرابيب. وأشرب البعير والدابة الحبل وضعه في عنقها. وأشربت إبلك أي جعلت لكل جمل قرينا، ويقول أحدهم لناقته "لأشربنك الحبال والنسوع" أي لأقرننك بها. والشارب هو الضعف في جميع الحيوان، يقال "في بعيرك شارب خور" أي ضعف، و"نعم البعير هذا لولا أن فيه شارب خور" أي عرق خور. اشرأب ارتفع وعلا، وكل رافع رأسه هو مشرئب. اشرأب مأخوذ ، من المشربة وهي الغرفة، هذا إذا لم نتحدث عن الشوارب، جمع شارب، النابتة على طرف شفاه الرجال.
وهذا الفعل مثل "شعرية" ذاك. والمعترض سيقول إن لغات أخرى تستخدم أكل وشرب بدلالات مجازية مماثلة.
هذا صحيح مع فارق الجدّة الاشتقاقية النسبية في الاستخدامات المجازية للفعلين في الفرنسية والإنكليزية مثلاً مقارنة برسوخها الضارب في القدم في لغة العرب، وهو ما سنعود إليه.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top