آلان تورنغ.. سيرة عبقري

آلان تورنغ.. سيرة عبقري

ترجمة : لطفية الدليمي

القسم الثالث عشر

14

أعداد فيبوناتشي والنظام في الكون
إذا كان آلان قد تسبّب في تعكير مزاج البعض من صفوة القادة الدينيين الأصوليين بزعمه أنّ ذكاء حاسوبياً مصطنعاً مناظراً لذكاء الكائنات البشرية يمكن تخليقه من قبل علماء على شاكلته ؛ فقد جاء الطور اللاحق من نظرياته الرياضياتية ليتسبّب - ربما - في شيوع حيرة أعظم مدى بين صفوف الكثيرين من الناس وبمختلف مشاربهم المهنية وخلفياتهم المعرفية . إختصّ هذا الطور الرياضياتي البحثي من عمل آلان بفحص العلاقة الرابطة بين الرياضيات والنباتات ؛ إذ إقترح بحثه حينذاك وجود رابطة من نوعٍ ما بين النباتات من جهة ومصمّم وخالق رياضياتي من جهة أخرى على الرغم من أنّ آلان لم يصرّح بوجود هذه الرابطة بصورة مباشرة .
تركّزت بحوث آلان في هذا الشأن على الأنماط التي تتوزّع بها بذور زهرة الشمس Sunflower في رؤوس النبتة ؛ فقد لاحظ آلان أن ذلك التوزيع يتبع نمطاً رياضياتياً كان يُعرَفُ بِـ ( متتابعة فيبوناتشي Fibonacci Sequence ) .
في متتابعة فيبوناتشي يكون كلّ عدد فيها هو حاصل جمع العدديْن السابقيْن له . إذا مابدأنا بالعددين 0 ، 1 كمعطيات أولية فستكون متتابعة فيبوناتشي على الشاكلة التالية :
0 , 1 , 1 , 2 , 3 , 5 , 8 , 13 , 21 , 34 , 55 , 89 , 144 ,
233 , 377 , 610 , 987 ……………… and so on
كان ليوناردو فيبوناتشي Leonardo Fibonacci رياضياتياً إيطالياً عاش في القرن الثالث عشر ، ولم يكن هو أول من حدس وجود تتابعات رياضياتية في الطبيعة بل كان أوّل من أثار إهتمام العالم الغربي بتلك الظاهرة الفريدة . كانت الملاحظة الأولى المعروفة لظاهرة وجود تتابع رياضياتي نمطي يظهر بانتظام في الطبيعة قد سُجّلت في الهند القديمة وبلغتها السنسكريتية ، وثمة نسخ من تلك الملاحظات الدقيقة تظهر في نظام الأعداد العربي - الهندي .
كان والد ليوناردو تاجراً جوّالاً إعتاد أجواء السفر إلى العالم العربي ، وكان يصطحب ليوناردو الشاب معه في بعض الأحيان وحسب ، وهذه الجولات هي التي مكّنت ليوناردو من معرفة التتابعات العددية التي غالباً ماتظهر في النباتات وفي أشكال أخرى من موجودات الطبيعة كذلك . درس ليوناردو الرياضيات تحت توجيه بعض أفضل الرياضياتيين العرب في تلك الأزمان ، وحصل في عام 1202 أن نشر ليوناردو ، وهو لمّا يزل في الثانية والثلاثين من عمره ، كتاباً حوى كلّ ماتعلّمه حتى ذلك الحين ، وأطلق على الكتاب إسم Liber Abaci ( أي كتاب المعداد The Book of Abacus ، والذي يعرَفُ أيضاً بكتاب الحسابات The Book of Calculations ) .
لقيت النظرية الخاصة بكون النباتات ( وأوجه أخرى سواها من موجودات الطبيعة ) تُبدي أساساً رياضياتياً في هيكلها البنائي إهتماماً عظيماً وكانت على الدوام مبعث نقاشات معمّقة لاحقة . درس ليوناردو دافينشي Leonardo da Vinci ، على سبيل المثال ، هذه الظاهرة ، وشاركه في بحثه هذا العديد من الرياضياتيين والعلماء منذ أزمان قديمة . ثمة الكثير من الأشكال في الطبيعة تضمّ أنماطاً هيكلية حلزونية يمكن تعريفها بواسطة متتابعات فيبوناتسي العددية ، وتضمّ تلك الأشكال أصداف بعض الرخويات ، أشكال بعض الزهور والثمار ( منها ثمار الأناناس والخرشوف ) ، ترتيب الأوراق الرفيعة - شبيهة السعفات - في السرخسيات ، النمط التوزيعي للأغصان حول جذوع النباتات ، شكل المخروطيات الصنوبرية ،،، إلخ ؛ بل حتى لوحظ شيوع متتابعة فيبوناتشي في تركيب هيكل الحمض النووي الوراثي DNA في عصرنا الحديث .
كانت هذه المكتشفات الدقيقة قبل عصر الحواسيب تحصل بفعل الفحص المادي العياني المباشر للنباتات عندما راح العلماء يتفحّصون الخصائص المميزة التي تنشأ عنها الأشكال الحلزونية المدروسة ؛ أما مكمن الجدّة الآن فيكمن في قدرة آلان على تطبيق التقنية الحاسوبية الجديدة في دراسة هذه المعضلة البحثية بعد أن صار بوسعه إستخدام الحواسيب المتاحة في تشخيص مواضع متتابعة فيبوناتشي العددية في الأشكال الحلزونية الشائعة في رؤوس زهرة الشمس .
لكن على كلّ حال ، عندما نشر آلان عام 1952 مقالته البحثية التي زعم فيها وجود رابطة بين الأشكال الحلزونية لزهرة الشمس ومتتابعة فيبوناتشي العددية لم يكن الأمر آنذاك ليرتقي أبعد من كونه محض نظرية وحسب ، ولم يحصل حتى عام 2012 ( أي بعد مائة عام عقب ولادة آلان ) أن أخضِعت نظرية آلان هذه إلى البحث الإستكشافي الدقيق والتقييم المتفحّص من جانب متحف العلم والصناعة ، وتزامنت تلك الدراسة الإستكشافية مع إطلاق مشروع تورنغ الخاص بدراسة زهرة الشمس - ذلك المشروع الذي تبرّع إليه 12,000 شخصاً من سبعة بلدان مختلفة بنماذج عديدة من زهرة الشمس لغرض إخضاعها للدراسة الفاحصة الدقيقة . أبانت النتائج المتحصلة من هذا المشروع الريادي ( حتى وقت كتابة هذه السطور في مارس 2013 ) بأنّ 82% من زهور الشمس الخاضعة للفحص والتحليل أظهرت بأنّ البذور المتوزّعة تتبع نمطاً حلزونياً إتّبع عدد الصفوف فيه تسلسلاً يتطابق مع متتابعة فيبوناتشي العددية .
إقتفت نظرية آلان خطى نظريات سابقة لبعض مفكّري العرب والهنود ، وفيبوناتشي ، وليوناردو دافنشي ، وطائفة من مفكّرين أساتيذ آخرين ، وترتّبت على تلك النظريات - قديمها والمحدّث منها - مترتّبات من أهمّها أنّ ترتيب العناصر المكوّنة لموجودات الطبيعة لم تأتِ بكيفية عشوائية بل تبعاً لنسق رياضياتي . هنا يحقّ لنا أن نتساءل : إذا كانت الحالة على هذه الشاكلة ؛ فمن أين جاء إذن هذا النسق الرياضياتي ؟ هل أنّ هذه العناصر المشكّلة لموجودات الطبيعة والتي تظهر بأنساق شبيهة بمتتابعة فيبوناتشي قد طوّرت هذه الأشكال الحلزونية المميزة تحت ضغط نوعٍ ما من القوى الدافعة للإرتقاء البيولوجي ؟ أم أنها صُمّمت من قبل قوة غامضة ما ( تدعى أحياناً قوة الحياة أو الإله ، المترجمة ) ؟
عُرِف آلان تورنغ لغالبية الناس بكونه عالماً تحليلياً صرفاً - أي رياضياتياً بكلمة أخرى - ، ورأوا في فكرة إنهماكه بتطوير نظرية قد تقود لتأكيد وجود " خالق " أمراً لايتّسق مع طبيعة عمله البحثي السابق ؛ إذ لطالما شاع إفتراضٌ راسخ بأنّ العلم الصارم والأمور الروحانية أمران لايمكن أن يتشاركا الأرضية الفكرية ذاتها ، وهنا لابدّ من التأكيد على حقيقة أن ليس ثمة شاهدة ثابتة - بالتأكيد - تشي بأنّ آلان كان مولعاً أو منافحاً عن أي دين منظّم أو تقليدي ، كما لايبدو أنّ مفهوم الإله كلي القدرة قد ظهر بوضوح في كتاباته أو في حياته ؛ لكن برغمذلك ثمة الكثير من الشواهد التي تكشف عن حقيقة ولع آلان بما يمكن تسميته بالمؤثرات الروحانية ( أو غير المادية ) في تشكيل صورة العالم الذي نعيش فيه .
يمكن تتبّع الملامح الأولى لهذا التوجّه الروحاني لدى آلان في كتاباته ورسائله التي أعقبت وفاة صديقه المقرّب ( كريستوفر موركوم ) عام 1930 ؛ إذ جاء في رسالة كتبها آلان لأمّه عقب وقت قصير من وفاة كريستوفر العبارة التالية : " لديّ شعور بأنني سألقى كريستوفر ثانية في مكان ما ، وسيكون ثمة عمل يتوجّب علينا إنجازه معاً ."
في موضع آخر ، وفي الوقت ذاته ( أي عام 1930 ) ، كتب آلان في مقالة بعنوان ( طبيعة الروح ) الكلمات التالية : " الجسد ، ومن خلال التفكّر بأنه جسد حي ، يمكنه الإلتصاق بالروح والحفاظ على ماهيتها ؛ وفي الوقت الذي يكون فيه الجسد حياً ويقِظاً فإنّ الإثنين ( الروح والجسد ) مرتبطان بوثاق لاينفصم ؛ أما عندما يقع الجسد فريسة النوم فلستُ أستطيع التخمين ماعساه يحصل ؛ لكن عندما يموت الجسد فإنّ الآلية التي تشدّ وثاق الروح إلى الجسد لايعود لها وجود ، وسرعان ماتجد الروح مستقراً لها في جسد آخر إن في عاجل الحين أم في آجله ، وربما يحصل هذا الأمر على نحوٍ مباشر . "
قد يبدو هذا الرأي من جانب آلان بمثابة أطروحة مضادة للفكر العلمي ؛ لكنّ الحقيقة هي أنّ مثل الأطروحة وشاكلتها من الأطروحات كانت جزءً أصيلاً من العلوم التي راحت تنبثق في ذلك الوقت وبخاصة في ميدان الفيزياء الكمومية Quantum Physics التي صار بموجبها أي شيء أمراً ممكناً بما في ذلك فكرة العوالم المتعدّدة التي توجد في وقت واحد معاً ، وكذلك مفهوم الروح التي تغادر الجسد المادي ( وهي التجربة التي باتت تعرَفُ بِـ " تجربة مغادرة الجسد " ) .
ثمة شواهد إضافية على تزايد شغف آلان في تلك الإهتمامات الفكرية التي صارت تدعى ( العلوم البديلة ) أو ( الخارقة ) ، فضلاً عن قبوله بها ، وقد جاء شغفه وقبوله بتلك النزوعات في سياق ملاحظات تفسيرية وجّهها للفريق العامل على تنفيذ إختبار تورنغ في جامعة مانشستر عام 1950 ، وممّا كتبه آلان في تلك الملاحظات وردت العبارات التالية : " لسوء الحظّ فإنّ الشواهد الإحصائية ذات قيمة هائلة وبخاصة تجاه ظاهرة التواصل عن بُعد Telepathy في أقلّ تقدير .............. "
من كلّ ماتقدّم بشأن شغف آلان وإيمانه بالظواهر الخارقة ، فضلاً عن ولعه بالبحث عن متتابعة فيبوناتشي العددية في الطبيعة يمكن للمرء أن ينتهي إلى نتيجة حاسمة مفادها أنّ آلان إعتقد بوجود أشياء في الحياة والكون معاً أبعد بكثير من محض الكينونات التي نمتلك القدرة على رؤيتها أو التعامل معها بصورة مادية مباشرة ، ولم يكن آلان بفعلته تلك ليختلف كثيراً عن أوائل العلماء الذين آمنوا بوجود الكهربائية في الغلاف الجوي ، أو بوجود المغناطيسية ، وهاتان الإثنتان ( الكهربائية والمغناطيسية ) هما ظاهرتان تعتمدان حقائق علمية راسخة لكنهما غير مرئيتيْن من قبل المراقب العادي ، وفي عصرنا هذا يصحّ الأمر ذاته مع إكتشاف الثقوب السوداء التي عُدّت في البدء أطروحة نظرية ثم مالبثت أن صارت حقيقة علمية مثبتة تجريبياً . إنّ العديد من الحقائق العلمية التي جرى إثباتها الآن كانت في البدء عرضة للنبذ أو إعتبارها " خارقة " تقع خارج نطاق البحث العلمي في أفضل الأحوال .
إنّ رؤيتي الشخصية بشأن كلّ هذه الأمور هي أنّ آلان كان يسعى لإيجاد مسوّغات علمية لأي شيء وكلّ شيء في الكون ، وليست أعماله البحثية التي إستغرقت العديد من السنوات في موضوعة ( التفكير المنطقي ) التي يمكن أن تقوم بها آلات ذكية سوى جزءٍ أصيل من محاولته الحثيثة للإجابة عن سؤال أعظم : هل يوجد ثمة شكلٌ من النظام والتنظيم الهيكلي في الكون ؟

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top