الامبريالية التجارية الصينية، والامبريالية الأميركية -الماركنتيلية- الجديدة

آراء وأفكار 2019/05/22 12:00:00 ص

الامبريالية التجارية الصينية، والامبريالية الأميركية -الماركنتيلية- الجديدة

د. عماد عبد اللطيف سالم

ماهو الفرق بين الامبريالية التجارية الصينية ، بنسختها "الشيوعية" المُعَوْلَمة ، وبين الامبريالية الأميركية "الماركنتيلية" الجديدة ، بنسختها "الترامبيّة" ؟
يبدو أنّ لا فرق بين "النموذجين" .. بقدر تعلق الأمر بالدفاع الشرس عن المصالح الاقتصادية العُليا للصين والولايات المتحدة على مستوى العالم.
في الصين نظام "أيديولوجي" استبدادي ، ينزع فائض القيمة من العامل الصيني"داخليّا" ، و يعمل بشراهة ، على نزع فائض القيمة على الصعيد العالمي ، من خلال عمليات الإغراق و "الاستعمار" السلعي للأسواق الخارجية.
بعد نزع هذا الفائض(داخلياً وخارجياً) ، وتحويله إلى فائض صيني خالص (فائض التجارة وفائض رأس المال) ، تقوم الدولة الصينية بإعادة استثمار جزء منه ، لتمويل إقامة مشاريع إمبريالية - تجارية جديدة (مثل مشروع "طريق الحرير" الجديد ، الشبيه بـمشروع حماية طرق التجارة لشركة الهند الشرقية – البريطانية القديم) ، وتدوير الجزء المتبقي من هذا الفائض ، ليصبح "تراكماً رأسمالياً" صِرفاً ، ولكن على الطريقة الصينية هذه المرّة.
وقد أفضتْ آلية نزع الفائض "الصينيّة" هذه ، إلى ارتفاع وتيرة التراكم الرأسمالي للإمبريالية التجارية الصينية إلى معدلات غير مسبوقة . واستناداً إلى بيانات إدارة الجمارك الصينيّة ، فقد بلغ حجم الفائض التجاري الصيني "السلعي" مع العالم 422 مليار دولار(في عام2017) ، و تراجع قليلاً (في عام (2018 ، ليصل الى 351.8مليار دولار (بفعل واردات صينية ضخمة) . أمّا الحجم الإجمالي للمبادلات التجارية الصينية مع العالم فقد بلغ 4620 مليار دولار (في عام 2018 ) ، منها 2480 مليار دولار للصادرات ، و 2140 دولار للواردات .
وأرتفع حجم الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة الأميركية ، من 276 مليار دولار (في عام 2017 ) ، إلى 323.32 مليار دولار (في عام 2018 ) ، مع تزايد الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بنسبة 11.3% ، وتراجع الواردات بنسبة 0.7 % .
واستناداَ الى بيانات البنك المركزي الصيني(7 نيسان/أبريل 2019 ) ، فقد بلغت إحتياطيات النقد الأجنبي في الصين (وهي الأكبر في العالم) 3.099 ترليون دولار . أمّا احتياطيات الصين من الذهب فقد بلغت 78.525 مليار دولار.
مقابل ذلك ، وفي الولايات المتحدة الأميركية بالتحديد ، يعمل نموذج آخر بنفس الآلية(ولكن بإتجاهٍ مُعاكسٍ ، ومُضاد) ، من أجل تحقيق الهيمنة الاقتصادية والسياسية ذاتها(وبالذات على الصعيد العالمي) ، وهو الهدف الرئيس (المُعلَن ، وغير المُعلَن) لأيّ دولةٍ ، أو قوّةٍ "عُظمى"، في هذا العالم.
في الولايات المتحدة الأميركية الآن نظام رأسمالي إمبريالي - "ماركنتيلي" جديد ، لا يسمح لأحد أن يتقاسم معه مكاسب التجارة الخارجية ، إلاّ من خلال الإذعان لشروطه ، أو القبول بالتفاوض بشأنها (بشروطه) ، أو السماح للآخرين بقدرٍ معلومٍ من "التواطؤ" معه ، وتوزيع حصص الأسواق ، الوطنية والعالمية على حدٍّ سواء ، (وبشروطه أيضاً).
والسماح بـ "التواطؤ" هنا ليس تعبيراً عن ضعف في الموقف ، أو عدم وضوح في السياسة ، أو هشاشة في الستراتيجية ، بل هو جزء من "التكتيك" الذي لا يُكلّف الولايات المتحدّة الأميركيّة شيئاً ، ولكنّهُ يحفِظُ ماء وجه الزعامات "الشعبوية" في بلدانها من جهة ، ويُعزّزُ المكانة الدولية للقوة الرئيسة المهيمنة ، من جهة اخرى.
وحذار .. حذار .. من الإنزلاقِ في الوهم .. لأنّ هذا المنطق يسري على السياسة ، كما يسري في الاقتصاد ، وهو القاعدة الرئيسة لتعامل الولايات المتحدة الأميركية مع العالم (مع اختلافٍ في الدرجة) ، منذ أنْ ظهر الى الوجود كيانٌ سياسيّ إسمهُ الولايات المتحدة الأميركية ، وليس في عهد ترامب وحده.
الجديد في الأمر ، هو تلك "المُقاربة" الجديدة ، أو المُفارقة التاريخية التي أحدثها ، وأثارها ، وعمل بموجبها الرئيس دونالد ترامب ، والتي عمّم بموجبها قواعده الخاصة في بناء العلاقات الاقتصادية الدولية . فهذه "القواعد" و "التقاليد" والممارسات و "المراسيم" لم تَعُدْ تُفرَض على الخصوم و "الأعداء" الأيديولوجيّين فقط (كالصين مثلاً) ، وإنّما على الخصوم التجاريين عموماً ، حتّى وإن كانت الولايات المتحدة تتشارك معهم في الأيديولوجيا ذاتها(كالخصوم الكبار في الاتحاد الأوروبي مثلاً). وفي القريب العاجل ستدخل اليابان وبعض دول جنوب شرقي آسيا ، والهند والبرازيل ، الى حلبة النزاع التجاري التي نصبها ترامب ، ويواصل نصب المزيد منها كلّ يوم ، في قلب ميدان الرأسمالية المعاصرة.
وهنا يجب التأكيد على أنّهُ لا يوجد رئيس أميركي "أحمق" أو "متهوّر" أو "ساذج".
ليس دونالد ترامب مجرد عنصري بغيض بعُنق حمراء ، (وبعضنا يكرهه بعمق لأنّهُ بنى امبراطوريته المالية من المقامرة والدعارة) . ولم يكن ريتشارد نيكسون مجردّ سكير ، ولا رونالد ريغان مجردّ ممثلٍ فاشل ، ولا بيل كلنتون كان ضعيفاً ومُتردّداً ، ولم يكن جورج دبليو بوش مجرد كيس مليء بالهراء التلمودي.
لو كان هؤلاء كذلك(فقط) لأصبحت الولايات المتحدّة دولة فاشلة منذ خمسين عاماً على الأقل.
هذه الصفات يمكن أن تكون لصيقة برؤساء آخرين في دول متخلّفة كثيرة ، وليس بدولة عظمى وقائدة ومتفوقة في جميع المجالات ، وعلى نحوٍ كاسح ، مثل الولايات الأمتحدة الأميركية.
إنّ الولايات المتحدة الأميركية تُدرِكُ جيّداً تلك الحقيقة البسيطة التي مفادها : إنّ امتلاك دولةٍ ما لقوة اقتصادية هائلة ، سيترتب عليه بالضرورة امتلاك هذه الدولة لهيمنة سياسية كاسحة، ونفوذ جيوسياسي هائل.
إنّ الولايات المتحدة الأميركية تُدرِكُ جيّداً تلك الحقيقة البسيطة التي مفادها : إنّ طريق الحرير الجديد هو "طريق" للتجارة التي ستهيمن بها الصين على العالم مُستقبلاً ، وهو بديلٌ مقلق لطرق تجارتها ، و ليس "ممرّاً" لتهريب الكوكايين من أفغانستان إلى كندا.
إنّ رئيس الولايات المتحدة الأميركية ، هو في الوقت ذاته "حامي" دستور النظام الرأسمالي العالمي ، بكل بنودهِ وأحكامه و "ألعابهِ" المثيرة للجدل. ومن يعتقد غير ذلك .. فهو واهم.
ومن يعتقد أنّ "المؤسسة" الرأسمالية ، ستسمح لرئيسها بأن يكون ضعيفاً في الدفاع عن مصالحها (على امتداد هذا العالم) .. فهو واهمٌ جدّاً .
ومن يعتقد أنّ سياسات الرئيس دونالد ترامب ستُضعِف "المنظومة" الاقتصادية الرأسمالية ، وأنّها لن "تُحَصِّنها" في الأجلين القصير والطويل ضدّ جميع "الأمراض" والأزمات ، الطارئة منها والمُستدامة .. فهو غبيّ غباءً مطلقاً ، وليس نسبيّاً.
ومن يعتقِد أنّ صعود الامبريالية التجارية الصينية ، على حساب تراجع الإمبريالية الأميركية
،سيصبُّ في صالحه في نهاية المطاف ، فإنّ عليه أن يبحثَ عن أقرب قبرٍ ، ويطمرَ عقلهُ البائسَ فيه.. لأنّهُ سيستبدِلُ إمبرياليةً بإمبريالية ، وقوّةً إمبراطورية غاشمة ، بقوّةٍ امبراطوريةٍ أكثرُ استبداداً وهيمنةً منها .. ولا شيء آخر.
وكما أن أوروبا غيرُ قادرةً على حماية نفسها "عسكرياً" خارج نطاق القوة الأميركية الضاربة ، فإنّ أوروبا هذه (موحدّةً كانت أم لم تكن) غيرُ قادرةٍ أبداً على أن تكونَ ندّاً للقوة الاقتصادية الصينية ، التي لولا الولايات المتحدة الأميركية ، لتمّ سحقها "صينيّاً" في سنواتٍ قليلة.

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top