في معنى  الاختزالية المعمارية ... ومبناها

في معنى الاختزالية المعمارية ... ومبناها

د. خالد السلطاني
معمار وأكاديمي

ارتبط اسم المعمار الياباني ذو الشهرة العالمية "تاداو آندو" (1941) Tadao Ando ، بالمقاربة المعمارية المسماة بـ "الاختزالية" Minimalism ، التي ظهرت، كما ظهرت غيرها من المقاربات، غداة "الانقلاب" المعماري والثقافي الذي بدأ تظهر إرهاصاته اعتبارا من منتصف الستينات، والذي افضى الى تيارات ما يعرف "بعمارة ما بعد الحداثة" Post- Modern Architecture.

لايتيح المجال المخصص لطبيعة هذه الحلقة، الاستطراد كثيرا في تبيان المفاهيم والقيم التى ارتبطت "بالاختزالية" Minimalism، لكننا، مع هذا، سنسعى وراء الاشارة الى تلك الخصائص، وان كان في صيغة الحديث المختصر والسريع. يوظف مصطلح "الاختزالية" في العمارة والتصميم، كما يوظف ذلك الاستخدام في الموسيقى والفن ايضاً. ويسعى هذا المصطلح، وراء ارجاع "الاشياء" الى عناصرها الاساسية. بمعنى محاولة النفاذ الى "جوهر" خاصيتها، وادراك ماهيتها، لإجتراح نوع من "البساطة" المتناهية. والامر، هنا، لايتعلق بالنأي عن استخدام الزخرف او التزيينات في التصميم المجترح، وإنما بلوغ حالة من الكمال والاتقان، بحيث لا يمكن لاحد ان يضيف او يعدل شيئا ما لتحسينه او تطويره. ويراعى في ادراك هذا "الجوهر" والكشف عنه من خلال التعرف على: اللون، والشكل، والتفصيل الانشائي، والفضاء والتأكيد على "الظروف" الانسانية. ولا يكترث معماريو "الاختزالية" بالخصائص الفيزياوية للمبنى فحسب، وانما يولون اهمية خاصة وعميقة للجوانب الروحية غير المنظورة، عبر الاصغاء الى "بُنية" الموضوع، آخذين في نظر الاعتبار النواحي الخاصة بالتفاصيل، والناس، والامكنة، والبيئة والمواد. انهم ، ايضا، يسعون وراء التعرف على نوعية الاشياء المجردة غير المرئية، مثل الضوء الطبيعي، والسماء والارض، والهواء، والانطلاق منها للبحث عن "ماهية" مزايا غير منظورة! وإضافة الى ذلك، فانهم يتطلعون لفتح حوار مع البيئة المحيطة، لتحديد جوهر المواد التى يمكن لها ان تدخل في البناء، مبتدعين علاقات جديدة ما بين المبنى والموقع!. يتوق المعماريون "الاختزاليون"، ايصال رسالة معينة، عبر تصاميم عناصر محددة، توحي بالبساطة المتناهية. انهم مولعون، بالاشكال الهندسية الصافية، واستخدام عناصر غير تزيينية، مع نزوع لاستعمال المواد الانشائية البسيطة، ومن خلال تكرار الاسلوب الانشائي، يسعون لبلوغ الاحساس بالنظام، والاقتراب من "الجوهر" الجواني المحدد للجودة! كما انهم يهتمون كثيرا في حركة الضوء الطبيعي في المبنى، معتقدين، بانه بمقدوره خلق فضاءات "طاهرة" ونظيفة!
مرّ مسار العمارة الحديثة، طبعاً، بمحطات متنوعة ومتباينة في الطرح التصميمي، بضمنها تلك المقاربات التى تميل الى الفكر "التقشفي"، هو الذي اعتمدت على بعضه "الاختزالية" المعاصرة لتكريس نهجها التصميمي في الخطاب المعماري. لنتذكر مقولة "ميس فان ير رّو" الشهيرة: "القليل يعني الكثير"! Less is More، الداعية الى تبني جمالية محددة ، تنبع من توظيف عناصر بسيطة ومختزلة، قادرة على خلق عمارة مؤثرة. وفي وقت لاحق ، تم تبني شعار آخر، وهو "قليل...لكنه أفضل"! “Less…but Better”. على ان "البساطة" او "الاختزال" لم تكنا كليهما "ميزة" ايجابية مرحب بها دائما في العمل المعماري باجمعه. لا ننسى الحملة التى قادها "روبرت فانتوري"، في منتصف الستينات، من ان "القليل...يعني الملل!" “Less is…Bore!”، مناديا بالنفور من ذلك النهج، والعزوف عن مقاربته التصميمية، بخلق عمارة تمجد "التعقيد ... والتناقض!" Complexity and Contradiction، لكن الاسهاب في هذا، هنا، سيكون، بالطبع، قصة آخرى! دعونا نظل، اذاً، في "الاختزالية"، واختزالية "صديقنا" <تاداو آندو> تحديداً، المكرسة حلقتنا هذه للاشادة به، وبمديح مقاربته المعمارية اياها.
عندما شاهدت "تاداو آندو"، لاول مرة، اثناء محاضرة له في "مدرستنا" المعمارية في كوبنهاغن، وبدعوة خاصة له منها، بخريف عام 2011، لم اكن اصدق، بان هذا الشخص الذي مرّ امامي متوجهاً نحو المنصة، ذا القامة غير الطويلة، والنحيلة و"الضعيفة" نوعا ما، هو ذاته الشخص "الملاكم" و"الحمّال" وسائق التاكسي السابق؛ وكل هذه المهن مارسها "تاداو" في مطلع حياته، قبل ان يقرر، "فجأة" ان يكون "معماراً". وتثير السيرة الذاتية الخاصة بـه، اهتماماً عالياً من قبل كثر، وقد ترتقي باثارتها واحداثها، التى تبدو، احياناً، غير واقعية وقريبة من الخيال، الى ان تكون مكافئة لاهمية الحدث التصميمي المجترح، او بالاحرى، لخصوصية المقاربة المعمارية التى اختارها، وعمل على ان تكون جزءًا من شخصيته وعنواناً لمنتجه التصميمي.
ولد "تاداو" قبل ولادة اخية التوأم بدقائق من يوم 13 ايلول سنة 1941 في مدينة اوسكا، (جنوب وسط اليابان)، وفي عمر السنتين، سعىت عائلته الى التفريق بينهما، وعاش "تاداو" عند جدته لامه. وعندما اصبح في العشرينات مارس تلك المهن المتنوعة والمتناقضة التى ذكرناها توا. وفي تلك السنين، قرر ان يضحى مهندسا معماريا رغم انه لم يدرس العمارة في اية مؤسسة تعليمة سابقا. وقد سحرته واثارت دهشته عمارة "الفندق الامبرطوري" في طوكيو، المصمم من قبل فرنك لويد رايت في العشرينات من القرن الماضي، في احدى سفراته الى العاصمة، عندما كان طالبا في السنة الثانية بمدرسته الثانوية. قرر "تاداو"، بصورة مفاجئة ان ينهي مسار حياته كملاكم، بعد سنتين من تخرجه من المدرسة الثانوية، وان يكرس حياته للعمارة. ومن اجل ذلك سجل في دوام مدارس مسائية لتعلم الرسم الهندسي، وواصل في الوقت عينه اخذ دروس في التصميم الداخلي. ثم قرر ان يزور زيارات ميدانية لابنية مصممة من قبل معماريين عالميين امثال "لو كوربوزيه"، و"ميس فان دير روّ" وطبعا مباني "فرنك لويد رايت"، بالاضافة الى زيارة مواقع تصاميم "لويس كان" وغيرهم من المعماريين المشهورين. هذا عدا زياراته الميدانية الى دول اوربية وافريقية وامريكية لفهم خصوصية النماذج المختلفة لعمارة تلك المباني وادراك فلسفتها التصميمية. معتبراً ان الزيارات الميدانية للمباني المختلفة التى قام بها، هي بمثابة "جامعاته" الحقيقية، التى منها نهل معلوماته المعمارية. ويذكر "تاداو"، بانه لكثرة اعادة تخطيطات مباني لو كوربوزيه، فان صفحات كتابه عن مبان المعمار الشهير باتت سوداء لفرط اعادة الرسوم ذاتها من قبله! عند رجوعه الى بلده، سنة 1969 اسس مكتب "تاداو آندو ومشاركوه معماريون"، وبدء في عمل تصاميم ذات لغة ساحرة ومعبرةة، تشي، بنوعية الثقافة اليابانية البنائية التقليدية الفريدة. وقد تكرس اسمه وعمارته، كاحد ممثلي "الاختزالية".
وفي اختصار شديد، فان اختزالية "آندو" مبنية على مزج التقاليد البنائية اليابانية، مع مفهوم عمارة الحداثة وقيمها ومسارها. انها، وبالاساس، معنية، بنقل "روحية" تلك التقاليد الى جوهر اعماله، فتصاميمه تتعاطى مع خواص المواد، ومع الهندسية الصافية ومع الطبيعة. وهو، عادة، ما يستعمل الخرسانة، او الخشب الطبيعي، والاشكال الانشائية الاساسية، مبتدعا تلك الاختزالية "المتقشفة"، المترعة ببهاء الضوء ووميضه في الفضاء المصمم! انه ايضا، معني بارساء حوار ما بين الموقع والطبيعة، لاجتراح منظومة بعلاقات خاصة مع الابنية. لقد اثرت مقاربة "آندو" الاختزالية، ومسعاه في نقل وادراك "ماهية" التقاليد اليابانية التقليدية، تأثيرا قوياً على العمارة اليابانية الحداثية وعلى محمل مسار العمارة العالمية.
في زيارتي الاخيرة لمدينة "نويس" Neuss الالمانية؛ حيث موقع متحف "موزيمزينزه هامبرو" Museumsinsel Hombroich (متحف جزيرة هامبرو)، الواقع في ارض قاعدة حربية للناتو سابقاً، هي التى كانت صواريخها موجه نحو "الاتحاد السوفياتي" السابق، وباتت، الآن، "خارج الخدمة" بسبب المتغييرات السياسية الكبرى التى طرأت على اوربا والعالم بالفترة الاخيرة. في اراضي مُروج هذه القاعدة الشاسعة التى تزيد عن 62 هكتار، اقترحت مدينة "نويس" سنة 1996، فكرة استخدامها بـ "ضدها النوعي"، ومنحها لتكون موقعاً لمعرض فني فريد، ان كان لجهة نوعية اجنحة "معروضاته"، ام لناحية توقيع تلك الاجنحة في الموقع المتروك، ناهيك، ايضاً، عن رمزية المكان!
في ذلك الموقع المميز، صمم المعمار الياباني "تاداو آندو"، ضمن مقاربته الخاصة، المعروفة بـ "الاختزالية"، جناح/ غاليري "مؤسسة لانجين" Langen Foundation (اشتمل الجناح على ثلاثة اقسام، بمساحة تقدر بـ 1300 متر مربع، يقع القسم الاول منه بمستوى الطابق الارضي وبسقف خرساني، يُدعى بـ "الحجرة اليابانية"، وهي عبارة عن فضاء طويل وضيق، وهو، وفقا لتصورات المعمار، خاصىة بـ "السكون" Tranquility، ويمثل هذا القسم، <الجزء الياباني> من مجموعة "غاليري لانجين". اما القسمان ألآخران فهما موقعان تحت مستوى الارضية، وفضاءآتهما ذات السقف العالي غير العادي (يصل ارتفاعه الى حوالي ثمانية امتار!)، فهما مصممتان لايواء مقتنيات الجزء الحديث من مجموعة الغاليري. وقد تم افتتاح الغاليري في اليوم الثاني من شهر نوفمبر 2003. يعالج المعمار هيئة "الغاليري"، بكتلة واضحة المعالم، ذات "قشرة" مزدوجة، الداخلية منها مشغولة بالخرسانة المسلحة، والخارجية معمولة من الزجاج وقواطع الالمنيوم ، ويثير هذا "التراتب" القشري المختار، إنتباه متلقي العمارة ودهشتهم. ذلك لان القشرة الخارجية المعرضة للانواء المتنوعة ولظروف "الخارج" المتباينة، كانت <اولى> ان تكون قشرتها صلدة وثابتة وراسخة، لا ان تكون، بمثل مقترح المعمار، هشه وخفيفة وقابلة ...للكسر! بيد ان فكرة المعمار، التى يسعى الى تكريسها في التصميم المقترح، تنبئنا باننا امام "لحظة" من التأمل والتفكير تدعونا لاستدعاء مفهوم "الطبيعة الثانية" للاشياء، كما يدعوها الفلاسفة، التى تفترض الشئ ..ونقيضه! فالتأمل والسكون والهدوء والاسترخاء والهجوع، التى يسعى وراءها المعمار، تتطلب كلها نوعا من "الحصر" و"القصر" والتحديد الصارم للفضاء المصمم. في الحل التكويني الناجز، يستعير "آندو" من معماره المفضل "لويس كان" L. Kahn "ثيمة" <مبنى..داخل مبنى>. لكنها، هنا، في غاليري لانجين، تبدو تلك الموضوعة "آندويه" بامتياز!
ما يثير في جناح "غاليري لانجين" (ما اثارني، شخصياً)، ليست العمارة ولغتها "الاختزالية" المعبرة لوحدها، ما يثير، ايضاً، هي تلك "التشاركية" ما بين "البنّاء" و"المعمار" وعملهما معاً لاجتراح عمارة مميزة. فمجموع معارفهما الاثنين، تدعم تحقيق العمارة الناجزة وتكشف ملامحها الخاصة. في غاليري لانجين تغدو مثل تلك "التشاركية" ذات اثر فعال، عندما يرى المرء اتقان ورهافة التفاصيل، التى لا يمكن تصور بلوغ كمالها الا من خلال "الدقة" الالماتية المشهورة! يذكر "تاداو آندو" بان مسعاه في عمارة جناح "غاليري لانجين" كان بلوغ هدف، يمكن به تغطية الموقع الفسيح بكتل تصميمية، بيد انها عليها ان لا تكون متعارضة و"متصادمة" مع خصوصية الفضاء الخارجي. فاختيار شكل هندسي بسيط، كان امرا ضرورياً هنا، كي يمكن ان يتألف مع مجاوراته ويتوافق معها. تشعر، وانت تشاهد عمارة "غاليري لانجين" في موقع "موزيمزينزه هامبرو"، بمفرداتها المميزة، وما يحيط بها من منظومة سلالم تربط الخارج مع الداخل، كما تربط مستوياتها المتباينة، فضلا على نظام الترتيب الحدائقي، وبركة الماء الاصطناعية الواسعة والمجاورة لها، والتى تذكر كلها، بانك امام منجز معماري غير عادي، وحدث تصميمي نادر، لكن الاهم في ذلك هو ان اسلوب العمارة المصطفاة ومقاربتها التصميمية، وكما ارادها المعمار، قادرة ان توحي لك بالتأمل، وتثير لديك التفكير، عن جدارة المنجز التصميمي المرئي، وما يمكن له ان يضفي قيم جمالية على العمارة المشيدة وعلى بيئة الفضاء المحيط!
والمعمار "تادو آندو"، الذي يبلغ من العمر 78 سنة، عمل في اعمال متنوعة، قبل ان يدرس العمارة في جامعة "أوساكا للفنون"، بالمدينة التى ولد فيها. صمم العديد من المباني، في اليابان وخارجها، وحازت تصاميمه على شهرة عالمية مثل "كنيسة النور" 1989، في اوساكا. حاصل على مديالية "الفار آلتو" عام 1985، كما نال جائزة بريتزكر سنة 1995، والميدالية الذهبية من "ريبا" (1997) بريطانياـ وكذلك الميدالية الذهبية من اتحاد المعماريين الامريكان سنة 2002. احيانا يسمي النقاد مقاربته المعمارية باسم "الاقليمية النقدية".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top