الفجوة بين المتحف والمواطن.. ماضٍ مشرق وحاضرٌ غائب عن الوعي

الفجوة بين المتحف والمواطن.. ماضٍ مشرق وحاضرٌ غائب عن الوعي

ماس القيسي
تصوير: محمود رؤوف

الحضارة الإنسانية بصمة يتركها الانسان، في مرحلة زمنية معينة، نتيجة تراكم تجاربه، ومحاولاته للتأقلم مع محيطه، وتطوير أسلوب حياته، لأجيال متعاقبة تأخذ على عاتقها مسؤولية مواصلة الدرب، والمضي قدماً لتنهض بالمجتمعات مستفيدة مما سبق. هذه الحضارة تتمثل بقطع ومنحوتات، تحفظ في متاحف و مواقع ، يرتادها الناس للاطلاع والتنور بالتاريخ الإنساني المرتبط بارضهم.

اليوم؛ في العراق حيث حضارة الميزوبوتاميا هناك مواقع ومباني أثرية تعني لنا الكثير، قد لاتبعد عنا مكانياً سوى بضع اميال، لكنها تبعد عن وعينا و إدراكنا ما يجعلنا في موضع تساؤل، من المسؤول عن هذه الحلقة المفقودة في ثقافة الانسان العراقي ؟!.
الأمر الذي دفع بنا لنتوجه صوب الجهة المعنية في المتحف العراقي الوطني، حيث التقينا الدكتورة لما الدوري المديرة العامة للمتاحف والتراث
، التي نوهت عن الركود الإعلامي والثقافي للمتحف العراقي بقولها:" عدم وجود صيغة للتواصل بين المتحف والجهات الاعلامية والثقافية، نتيجة لسياسة التكتيم المتبعة في الفترة السابقة ما خلق فجوة بيننا وبين الشارع العراقي بكل أطيافه".
وقد ربطت ذلك بغلق المتحف العراقي لفترات طويلة منذ الثمانينيات قائلة : "أجيال تلك الحقبة ومابعدها حتى التسعينيات، يكادون لايعرفون شيئاً عن المتحف, وهذه كارثة حقيقية, مما ادى الى نسيان وجوده، حتى تم اثارة انتباه المواطن، بعد الكارثة التي حصلت في2003، عندما سرقت بعض القطع، التي أعيدت فيما بعد، مما عزز الشعور لدى المواطن العراقي، بانه لم يتبقى هناك اثار في المتحف رغم إعادة افتتاحه بعد تأهيله في 2016مع بداية تحسن الوضع الأمني في بغداد".
وأضافت :" لاجل مد جسور التواصل، تم إتاحة افتتاح المتحف يوم السبت، لاستقبال الموظف العراقي الذي لا يستطيع الحضور في الأيام الأخرى"، وعند سؤالها عن إمكانية اتاحة الفترة المسائية أجابت:" من الصعب جداً تأمينها من الناحية الأمنية في الوقت الراهن".
ومن أجل توعية طلاب المدارس أخبرتنا قائلة:" سوف نطلق مشروع، بعنوان outreach وهو ان نصل نحن للطالب بدلا من احضاره. وسنوفر ذلك من خلال إرسال كوادر شبابية، تزور مدارس الطلاب، وتشرح لهم باسلوب مبسط، يناسب ادراكهم الطفولي، عن المتحف ومقتنياته وأهمية زيارته، وهو مشروع مكتمل قابل للتطبيق لكن ينقصنا الدعم المالي ".
أما بالنسبة لتحديث طريقة العرض في المتحف، فأكدت على وجود هذه الفكرة لكنها مقيد بالدعم المادي بقولها:" لدينا الكوادر المختصة والأفكار الجديدة، لجعل طرق العرض مواكبة للحداثة، ولكن نحتاج لمبالغ مالية، فنحن نواجه هنا مشكلة ترتبط بوزارة الثقافة، التي لا يُصرف لها تخصيصات مالية كافية لتلبية مايلزم. من المفترض أن تُسن قوانين، من قبل مجلس النواب، لتخصيص الريع المالي الوارد للمتحف، من قبل الزوار والسواح لخدمة اعمال المتحف، بدلا من تحويله لوزراة المالية".
بالتعقيب على موضوع توظيف المتحف بما يخدم المجال الثقافي قالت :" نحن نرحب بكل مبادرة ثقافية، فقد بدانا منذ 2018 بسياسة مختلفة منفتحة على الاخر، نستقبل اي نشاط فكري ثقافي و معارض فن تشكيلي و امسيات موسيقية، نقوم عادة بدعوة الكوادر الجامعية، لالقاء المحاضرات داخل صالات المتحف".
وختمت حديثها :"إن المتحف العالمي كان في السابق مؤسسة ثقافية، وتحول تدريجيا لمؤسسة ثقافية ترفيهية تكسر الملل، بينما لازال المتحف العراقي مؤسسة ثقافية، فلا يجذب سوى المختصين والمهتمين".
إلى جانب ذلك يقول الاستاذ عبد الهادي فنجان امين مكتبة المتحف الوطني بهذا الخصوص :" لأي مؤسسة ثقافية هناك فيض فكري وفيض مادي، يساعد على ادامة المشروع القائم وتطويره. طالبنا بتجهيز شاشات اعلانية، للعرض على جوانب المتحف المطلة على الشارع ، لتعريف الناس عنه، ولكن دون جدوى"، مؤكداً إن الدعاية والإعلان هما العامل الاساس لنجاح أي إنجاز
ويضيف قائلاً :"إن استقطاب المواطن للسياحة، لايكون من جانب واحد. هناك جهات عدة مسؤولة عن ذلك، مايثير الاستغراب إن قسم الآثار الجامعي يزور المتحف مرة واحدة فقط كل أربع سنوات. ان الوعي الاثاري هو مسؤولية كل الجهات المعنية الثقافية والاعلامية والتربوية، على حد سواء".
المنظومة الثقافية لا يمكن أن تكتمل، وتؤدي الهدف المرجو منها، دون وجود الإنسان المتلقي لها على أرض الواقع. فما نفع حضارة، وتراث معروض في أروقة وداخل صناديق زجاجية، دون أن تروي العطش الفكري لابنائها. وكيف للإنسان أن ينهض فكرياً ومعرفياً بعيداً عن حضارته؟!
يقول د.عقيل مهدي ،ناقد ومسرحي وعميد كلية الفنون الجميلة \جامعة بغداد، : " يجب أن يفهم الإنسان إنه بدون ذاكرة حضارية لايمكن أن يتوازن في زمن معاصر مليء بالتحديات. نحن نستلهم من ذاكرتنا الإنسانية الشمولية، وما انجزناه من إبداع حضاري ما يحفزنا لننفتح على العصر ونتفاعل مع الأسرة الإنسانية في العالم. المثقف يعي أهمية هذه المتاحف، وتفعيل الأنشطة الكبرى في هذه العلاقة مابينه وبين الصرح المتحفي، ولكن تواتر الأحداث الامنية واضطراب السياسة وعدم الاستقرار الملحوظ في البلاد، كان السبب وراء تقاعس دوره. من الضروري وضع منهجيات لالقاء المحاضرات الثقافية داخل المتحف. هذه المسؤولية تتحملها المؤسسة التي تقود المتاحف إذ عليها أن تصغي لكثير من المقترحات لتيسيير التعامل الحقيقي مع كنوزنا النادرة".
ويقول الشاعر عمر السراي ،عضو اتحاد الأدباء ونقابة الفنانين: "أقام اتحاد الأدباء مهرجان ثقافي بعنوان (اكيتو)، إحدى جلساته كانت داخل أروقة المتحف، فكانت بمثابة الحجر الأول الذي يحرك هذا الأمر. على الجهات المسؤولة عن إدارة المتحف، أن تفتح بواباتها للجميع فنحن نشهد تخوفاً ملحوظاً ومشروعاً، وهذا مرتبط بتجنب حدوث أي سرقة منظمة ممنهجة، لكن نلحظ تحسن الوضع الأمني في العراق وبغداد خاصة"، مطالباً الجهات المعنية أن تبادر هي من جهتها بالتنسيق مع اتحاد الادباء ونقابة الفنانين والنقابات الأخرى.
كما يعقب على مسألة ضرورة إتاحة الاستقبال المسائي للمتحف وتغيير طرق العرض بقوله: " عدم جاذبية المتحف مرتبطة بفتحه فقط في الفترة الصباحية. كما نحتاج لعروض بانورامية ضوئية ترافق المتحف، تُعرض بشكل دوري، لتحويله من مكان بيروقراطي فوقي، الى مكان تذهب إليه العائلة العراقية، لتتلقى المعرفة والمنفعة في آن واحد".
وفي ذات الشأن يقول الاعلامي عماد الخفاجي : " بلدان بلا متاحف، هي بلدان بلا ذاكرة، و المتحف العراقي هو ذاكرة العراق، فهل نكتفي بوضع ذاكرة العراق بين أربع جدران وينتهي الأمر؟! هذه فرصة لنا لمراجعة هذا الانزواء الذي يعاني منه المتحف".
وعن ضرورة رفع تكاليف دخول المتحف عن كاهل المواطن يقول:" نلاحظ ان اغلب المتاحف العالمية التابعة للدولة تكون مجانية لتشجيع الشعوب على الاهتمام بتراثها".
ثم يتابع قائلاً : "المثقف العراقي هو نفسه الطفل العراقي قبل 40 أو 50 عاماً، عندما كان لايعرف عن المتحف سوى اجواءه الباردة صيفا هذا مايتذكره، لكن هناك جسور فردية لاشخاص التصقوا بحضارتهم، منهم من يرغب باقامة ندوات ثقافية داخل المتحف، على أن لاتكون جلسات نخبوية فحسب بل أن يشارك بها الجميع. لو أجرينا دراسة عن زوار المتحف، لوجدنا ان القليل من سكنة المناطق المحيطة به قد قاموا بزيارته، فعلينا ان نقترب من هؤلاء الناس نجذبهم كما نجذب المثقفين".
ويضيف :" هناك الكثير من المقترحات التي بامكان المتحف ان ياخذها بعين الاعتبار، خاصة في هذه المرحلة،

التي تشهد فيها بغداد تحسنا امنيا واضحا. الفرصة مواتية لجعل المتحف قبلة تستقطب المثقف، والمهتم، ليكون مكانا نؤوي اليه، نلجأ اليه، ونقيم فيه فعالياتنا".
بينما عبر ناجح المعموري الناقد والباحث، في علم الميثولوجيا، عن رأيه قائلاً: " إشكالية تتحمل مسؤوليتها وزراة التربية وتنمو وتكبر حتى تصل للتعليم العالي . كان معلمنا في المدرسة الابتدائية يأخذنا في رحلة لمتحف بابل، هذه الزيارات كانت منفذاً؛ لاكتشاف خبرة أولية لتلاميذ المدرسة ".
ويعقب قائلاً:" إن طلاب النحت والفن التشكيلي، هم اكثر فئات المجتمع بحاجة لزيارة المتحف العراقي، لعقد صداقة فنية وعلمية مع المنحوتات والفن والعقل العراقي الخلاق،. مجد هائل موورث لم نستفد منه. من المفترض أن يكون لبلد بهذا العمق الحضاري العظيم، حاضراً حياً مزدهراً مستقراً ، لكن الحاضر لايعكس الماضي وكأن هناك فجوة بينهما، فحاضرنا ليس امتداداً لماضينا. يعود ذلك لكون المؤسسات الحكومية غير معنية بذلك، حيث ان وجود المثقف يعني وجود عقل نقدي، يتعامل مع التاريخ والحاضر برؤية نقدية وليس بخبرة نقلية.
ويختتم حديثه : "الثقافة هي سلاح الأفراد والجماعات للدفاع عن ماضيها ورسم أحلامها وطموحاتها. وجود قطيعة بين المتحف والمثقف هي نوع من الجهالة والتخلف".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top