باليت المدى: حين تكون النوايا سليمة

ستار كاووش 2019/06/01 12:00:00 ص

باليت المدى: حين تكون النوايا سليمة

 ستار كاووش

يلجأ العديد من الأشخاص الى أنواع متباينة من الكذبات، لتكون حلاً مناسباً لابد منه عند إلتباس الأمور والتفاصيل في التعامل مع الكثير من الناس. وحين تُمزَجُ بعض الكذبات مع المزاح لا يكون ضررها كبيراً، بل بإستطاعتنا أن نجعلها طوق نجاة من بعض المآزق الصغيرة، أو طريق سلامة يغنينا عن الخوض في نواحٍ معينة. فنحن جميعاً نضع بعض مساحيق التجميل عند طرح مانريد قوله أو تقديمه، ونحاول أن نوضح صورنا وتصوراتنا بأفضل حال، هي عملية فوتو شوب صغيرة لابد منها احياناً، حين تكون النوايا سليمة. حتى المخترعين الكبار، كانوا في الحقيقة يَلتَفّون حول الكثير من التفاصيل ويتجاوزون الحقائق المسلم بها ليدركوا حقائق أخرى جديدة. والمسألة ذاتها في الابداع، ألم يقولوا ان أصدق الشعر أكذبه؟ وأليسَ الرسم عبارة عن كذبة بصرية؟
وبالعودة الى كذبات (المكياج) التي لا مناص منها، هناك بعض اللحظات الحرجة التي تمر بك، خاصة حين تعيش وتمضي حياتك في بلد آخر غير الذي نشأت فيه وتكونت عاداتك وثقافتك، فمهما إندمجت وتداخلت مع مجتمعك الجديد تبقى هناك ثغرات لا يمكنك شرحها أو تجاوزها إلا بالمكياج والدعابة.
الهولنديون شعب فضولي ومحب للإطلاع، والناس هنا يحاولون معرفة الكثير من التفاصيل والمعلومات عن الثقافات الأخرى، لكن هذا ايضاً بدرجات، فمنهم من يكون عميقاً في ذلك وآخر يبدو بسيطاً وسطحياً، وهم يُقَدِّرون في ذات الوقت وبشكل كبير من يهتم بثقافتهم ويعرف تقاليدهم ويحترم عاداتهم او يتفاعل معها. لذلك لا اتذمر أبداً حين يوجه لي أحدهم سؤالاً، سواء تَعَلَّقَ بأشياء شخصية، أو كان بخصوص بلدي العراق أو أية مسألة أخرى، ومرة أجيب بنوع من الدعابة والسخرية وأحياناً أجيب بطريقة دبلوماسية، وفي بعض الحالات يكون جوابي موسعاً وفيه الكثير من التفاصيل.
إشتريت في الايام الماضية حبراً ملوناً من أحد متاجر مدينتي، لكن عند وصولي الى المرسم إكتشفت انه غير مناسبة للورق الذي سأرسم عليه، فعدتُ الى المتجر لإستبداله بما يناسبني (عملية إرجاع البضاعة متاحة، حتى بدون شرح السبب، وهذا جزء من الثقافة والقانون الهولندي)، وهناك توجهتُ نحو سيدة تبدو جديدة في العمل قائلاً : إشتريتُ هذا الحبر قبل أيام من زميلك هنا في المتجر، وأريد استبداله بآخر، فأجابتني متعجبة ( هل أنت متأكد من انه (زميلي) ويعمل هنا؟! فأنا والسيدة فان دايك فقط من يعمل هنا!) فأجبتها مندهشاً: نعم، لم أخطئ بالمحل، وأنا متأكد بأني اشتريتها من رجل. وفجأة رفعت رأسها نحوي ، قائلة بطريقة ودودة كأنها تذكرت شيئاً (أووو نعم، كلامك صحيح ياسيدي، فشريكي في العمل السيد فان دايك قد تحول قبل بضعة أيام الى إمرأة) : هاي العايزة إلتمت، هكذا تمتمت مع نفسي قبل أن أقول لها، وأنا أيضاً أود القيام ببعض التغيير ياسيدتي، لكن الأمر يتعلق بالحبر الذي اشتريته وليس بشخصيتي، فخفضت رأسها الى الاسفل ونظرت إليَّ من فوق نظارتها وكأنها تقلد ميريل ستريب حين تكون ماكرة، لتناولني بعدها الحبر الذي أريده، فشكرتها عليه وعلى الخبر الجديد، وَوَدَّعتُ عندها تحيات للسيدة (السيد) فان دايك، الذي رأيته مصادفة بعد يومين وهو يركن سيارته ويتجه نحو المتجر بملابس نسائية فضفاضة وشعر مستعار، متمتع ومتصالح مع هيئته الجديدة، فشعرت بنوع من التعاطف معه، ربما لأنه كان صادقاً بشكل حقيقي، لم يضر أحداً ولم يكذب ويخفي ما يشعر به ويريده، والمهم هو انه استطاع ان يعبّر عن ذلك في المكان المناسب. أليس هذا أفضل وأكثر طمأنينة وسلام من أقنعة التخاصم والسرقة والوهم وخداع الناس والسيطرة على عقولهم، في هذه الحياة التي هي أيضاً عبارة عن كذبة كبيرة، أو كما نعتها عمنا شكسبير بالظل العابر، حيث تمضي بنا سريعاً نحو المجهول، نكتب ونرسم ونحب ونتخاصم ونتحارب... لنترك كل شيء خلفنا في لحظة حاسمة ونمضي، ويأتي آخرون لإكمال كذباتنا وحروبنا بالطريقة ذاتها، وكأن هذه الكذبات هي الحقيقة الوحيدة الراسخة علـى هذه الأرض!!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top