المتمردون..الأنذال فقط هم الذين يفكرون بأنهم هم الرابحون فقط

المتمردون..الأنذال فقط هم الذين يفكرون بأنهم هم الرابحون فقط

 علــي حســـين

|   الحلقة الثالثة   |

حاوِل أنْ لاتجعل للخوف سلطاناً عليك . وليست الظلمة في كثافتها تماماً ككل تلك الظلمة . أنت تعلم إن أبي كان له ابن وكان عليه أن يتعلم درساً قاسياً هو أن الكائن البشري حيوان صغير لا حول له "
جون أوزبورن

 

كانت في الثامنة والثلاثين من عمرها عندما شاركت عدداً من المسرحيين والروائيين إصدار كتاب يمثل وجهة نظرهم الغاضبة تجاه ما يجري في المجتمع وآرائهم عن الأدب والحياة ، تضمن الكتاب مقالات لـ" جون أوزبورن ، كولن ويلسون ، دوريس ليسنغ ، جون واين ، كينيث تينان وآيريس مردوخ التي كانت قد تركت الحزب الشيوعي بعد شعورها بالخيبة ، لكنها ظلّت سنوات بعد ذلك تؤمن بقوة ومهابة أفكار كارل ماركس ،

وقد تضمن الكتاب آراء هؤلاء الكتاب بما يجري حولهم من أحداث وحدّدوا أهدافهم بعدد من النقاط أبرزها : رفض الجمود العقائدي والحواجز الاجتماعية ، ويؤكدون على ضياع الهوية في مجتمع لايشعرون بالانتماء الحقيقي إليه ، يرى هؤلاء الغاضبون إن عدم الاطمئنان تجاه الوضع الاقتصادي وغياب العدالة الاجتماعية ، أصبح الماضي بالنسبة لهم يشكّل عائقاً أمام الانطلاق نحو المستقبل ، ولهذا أعلنوا القطيعة مع الماضي بكل أشكاله وقد ظهر ذلك واضحاً في العنوان الذي اختاره جون أوزبورن لمسرحيته " انظر الى الماضي بغضب " وقد جاء على لسان بطل المسرحية " جيمي بورتر " إنه لم يعد لديهم قضايا يحاربون من أجلها ..وسيكتب كولن ويلسون إن " العقل يقود الى الطريق المسدود ، ولكن إذا كان هناك حل فإنه يجب أن يوجد ، لا في العقل ، وإنما في تفحّص التجربة " ، دخلت آيريس مردوخ عالم التأليف عندما أصدرت عام 1953 كتاباً عن جان بول سارتر بعنوان " سارتر المفكر العقلاني الرومانسي " ، قبل هذا التاريخ بتسعة أعوام التقت سارتر للمرة الوحيدة والأخيرة عام 1945 في بروكس ، لم تصدق إنها تقف أمام نجمها المحبوب ، تعاملت معه مثلما يتعامل عشاق موسيقى البوب مع نجومهم ، كان سارتر آنذاك قد أنتج صورة جديدة ملائمة للإنسان المسؤول عن اختياراته في الحياة :"
: "كانت شعبية سارتر لا تصدق بعد الحرب العالمية الثانية ، حتى أن الناس الذين لم يكن لديهم أدنى اهتمام بالفلسفة شعروا بفضل سارتر إن الفلسفة إنما خلقت من أجلهم حيث جاءت فلسفة سارتر الوجودية بمفهوم الحرية الكاملة و بفكرة أن تأخذ نفسك إلى حيث يمكنك الاختيار الحر الذي يتجاوز المسلـّمات و الشعور البليد بأنك " محتوى" و غاطس في مستنقع وقد عكست رواياته هذه الأفكار كلها مضافاً لها مُسحة بطولية و بسببها ابتهجت أرواح الناس " ،
ولدت آيريس مردوخ في مدينة دبلن عام 1919 ، من عائلة نصفها آيرلندي ونصفها إنكليزي ، أنهت تعليمها في مدرسة داخلية ، كانت والدتها تريد أن تعلمها الغناء فهي :" عضوة في الجوقة الكنسية وكانت تملك صوتاً أوبرالياً ساحرًا من طبقة ( السوبرانو ) و كانت تطمح أن تكون مغنية أوبرالية " . إلا أن والدها الموظف الحكومي كان يعشق الكتب ، وفي سن مبكرة شجعها على القراءة تتذكر الكتب التي كانت تحتويها مكتبة البيت :" هوميروس ، شكسبير ، تولستوي ، دوستويفسكي وبروست " ، في الخامسة عشرة من عمرها تكتشف جيميس جويس ، ومعه الهوس بالشخصية الآيرلندية ، في تلك السنوات تتذكر إنها ذهبت الى دائرة البريد تريد أن ترسل برقية الى مواطنها جيميس جويس ، كانت قد انتهت من قراءة مجموعته القصصية "ناس من دبلن :" لقد تمكن من الوصول الى قلب دبلن ، وهذا الذي مكّنه أن يصل الى قلوب جميع الناس " ، لم تكن تعرف عنوان الكاتب الكبير فعادت تحمل آثار الخيبة الى البيت .
في جامعة أوكسفورد ستدرس كبار الفلاسفة وتتخصص بالفلسفة التحليلية بعد إكمالها الدراسة يتم تعينها موظفة في دائرة الخزانة البريطانية ، كرهت لغة الأرقام فقررت أن تستقيل، لتلتحق للعمل بهيئة الإغائة التابعة للأمم المتحدة ، تذهب في مهمة بلجيكا ، هناك تلتقي بسارتر ، عام 1948 ستعين معيدة في أوكسفورد ، عام 1952 ستلتقي مصادفة بمدرس الإنكليزية جون بيلي ، كان يصغرها بثمانية أعوام ، شاهدته مصادفة وهي تنظر من نافذة غرفة المكتبة في جامعة أوكسفورد ، قالت فيما بعد إنها وقعت في حبه منذ تلك النظرة الأولى ، بعد أربع سنوات سيتزوجان ، وكان شرطها الوحيد أن لاتدخل المطبخ أبداً .
في العام 1954 تصدر أولى رواياتها "تحت الشبكة " ، وتصادف نشر روايتها مع صدور رواية كنجسلي آميس " جيم المحظوظ " ، والذي كان يصغر آيريس بثلاث سنوات ودرس كلاهما بجامعة أوكسفورد ، وأحبا قراءة كتب سارتر وكامو وموسيقى الجاز، وقرر إن الكتابة يجب أن تزعج القراء وإلا فإنها ستكون من دون معنى .كان كنجسلي آميس الأب الوحيد لموظف كان يتمنى أن يصبح ابنه قاضياً ، إلا أن الولد المتمرد والمتفوق أصرّ على دراسة الأدب ، وبسبب تفوقه حصل على منحة دراسية ، سينشر قصائده الغاضبة عام 1947 ، وسينضم مثل آيريس الى الحزب الشيوعي وقد وصفها بأنها "المرحلة الماركسية التي كانت إلزامية تقريباً في أوكسفورد" ، لكنه سينتقل بعد عشرين عاماً الى مهاجمة الشيوعية فيكتب رواية " الدكتاتور الروسي " .، ويدعم سياسات الولايات المتحدة الأميركية وسيرفع شعار :" أنا رجل إنكليزي غاضب .. أمارس أي شيء" ، وسيتجلى هذا الغضب ومعه السخرية في روايته " جيم المحظوظ " ، وسيكون بطلها مدرس التاريخ " جيم ديكسون " ، الذي يعيش مرحلة السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية ، والذي سيعلن رفض الواقع الذي يعيشه ويصفه بالمزيف .
عاشت آيريس مردوخ ثمانين عاماً – توفيت عام 1999 – بعد معاناة من مرض الزهايمر ، أصدرت 25 رواية وعدداً من المسرحيات والكتب الفلسفية ، وظلت طوال حياتها تدافع عن " "حرية عقلها" ، بالإضافة الى حرية العيش على طريقتها الخاصة ، بعد أن قرأت رواية "الغثيان" لسارتر عشقت الكتابة وقالت لزملائها في الجامعة :" أريد أن أكتب، رواية طويلة، غامضة، موضوعية، عن الصراعات الغريبة التي تتولد في داخلي، وأيضاً عبر ما ألاحظه عن الشخصيات الأخرى.وأحد تلك الصراعات التي كانت تدور في داخلها، الحاجة الى الحب الملائكي والشيطاني في نفس الوقت " ، أثناء دراستها الجامعية تقع في حب أستاذ الفلسفة الذي اعارها كتاب " الوجود والعدم لسارتر " ، وستكتب :" أُصبت بحالة ارتعاش وأنا أقرأ الكتاب " ، وبعد أن تنتهي من قراءة ملحمة مارسيل بروست " البحث عن الزمن المفقود ستخبر أستاذها ، بأنها أشبه بطبق لذيذ وجميل ، تعاطفت مع الجيش الجمهوري الآيرلندي ووجدت أن قلبها ممزق بين آيرلندا وإنكلترا ، لكنها فيما بعد وجدت أن ما يجري من عنف هو محاولة لتشويه المجتمع الآيرلندي بأكمله .
*****

الحياة مشكلة لها عدة حلول كل منها صحيح
آيريس مردوخ

إنها باريس صيف عام عام 1937 ، سارتر يتمشى مزهواً في الشارع ، فأخيراً قررت دار غاليمار نشر روايته "الغثيان :" اليوم أتمشى مثل كاتب " ، كل شيء بدا يبتسم له ، الآن وبعد أن استطاع الحصول على غرفة في فندق ميسترال وسط باريس : " غرفة واسعة ونظيفة ومفروشة جيداً ، ورفوف كتب على الجدران " ، يستطيع أن يرتب كتبه التي تجاوزت الخمسمئة كتاب :" لقد اهتديت الى عقيدتي ، لم يبد لي أي شيء أهم من كتاب " ، يتذكر سارتر غرفة جده التي قضى طفولته بين جدرانها : في حجرة جدي كانت الكتب في كل مكان ، وكنت لا أعرف القراءة بعد ، ومع ذلك كنت احترمها هذه الحجارة المرفوعة .وسواء كانت قائمة أم مائلة ، متزاحمة كقطع الطوب على أرفف المكتبة أم منفصلة بعضها عن بعض ، فإني كنت أشعر إن ازدهار عائلتي موقوف عليها " ، وسيتذكر ولعه بالكتب وكيف انتبه الجد الى أن حفيده مغرم بشيء اسمه القراءة ويسترجع سارتر في سيرته " الكلمات " كيف أجلسه جده أمامه وكان في السابعة من عمره ليقول له بكل صرامة :" من المفهوم بالطبع إن الولد سيصبح كاتباً " ، ثم نبهه الجد الى أن الأدب لن يملأ معدته في يوم من الأيام .
في بلجيكا التي ذهب إليها في زيارة استجمام عام 1942 سيلتقي بفتاة آيرلندية ، كانت في مهمة عمل ، لكنها ما أن سمعت إن الفيلسوف الفرنسي في بروكسل حتى قررت البحث عنه ، ، في اللقاء الوحيد تحاورا حول هيدغر ، كانت آيريس مردوخ قد قرأت كتاب هيدغر الوجود والزمان باهتمام بالغ رغم إنها كانت ناقدة لكثير من فرضياته ، إلا أن الكتاب أثّر عليها وأصبحت آراء هيدغر عن التفسخ الذي يعانيه الغرب تتلاءم مع نظرتها لما يجري في بلدها بريطانيا حيث الحضارة العقلانية حطّمت مكان الإنسان في الطبيعة وإحساسه بذاته .
في عام 1953 بعد عودته الى باريس من إقامته المؤقتة في المانيا ، أعلن سارتر إن هيدغر قد ألقى بالإنسان مرة أخرى في خضم العالم ، إذ إنه " أعطى القياس الصحيح لآلام ومعاناة الإنسان وأيضاً لتمرده " ، كان أهم ما توصل إليه سارتر آنذاك إن العالم هو المكان " الذي تكتشف فيه الحقيقة الإنسانية لنفسها عن هويتها ، ليس تأملاً وإنما حكمة وبطولة ، ولهذا أعلن سارتر إن الرواية الوجودية يجب أن تنتج أخلاقيات إيجابية تماماً ، في مقابل الرواية التقليدية التي ظلّت تقدم العالم السلبي البرجوازي المتمثل في أوروبا .
في نيسان من عام 1938 ستصدر رواية سارتر "الغثيان" وسيصفها النقاد بانها واحدة من الأعمال المتميزة ، وسيكتب أندريه جيد مشيداً :" من هو هذا الـ جان بول الجديد ، يبدو لي بإمكاننا أن نتوقع الكثير منه " ، بطل رواية الغثيان " أنطوان روكتان" يكتشف في القلق إنه ليس في حياته شيء معلل ومبرر ، وإن هذه المجّانية مع ذلك لاتحرره مطلقاً من حريته ومسؤوليته ، وإنه يَعْنيه هو وحده أن يخلق المبررات ، إنه نموذج لإنسان العصر الحديث ، الذي يسعى لأن يصبح في طريق مختلف .. ورغم أن سارتر لايقدم في "الغثيان" إجابة واضحة للمشاكل الأخلاقية والوجودية التي يعيشها روكتان ، لكنه يجد خلاصه في الاشتباك مع الوجود ، هكذا تكتب آيريس مردوخ في الفصل المعنون "اكتشاف الأشياء " من كتابها سارتر المفكر العقلاني الرومانسي إن :" هذه الرواية تعبير عن الشك الميتافيزيقي النقي ، كما إنها تحلل هذا الشك على ضوء المفاهيم المعاصرة ، كما إنها عبارة عن مقال في علم الأخلاق يحلل طبيعة ( سوء الطوية ) ، وترى مردوخ أن الشك الذي يعاني منه بطل سارتر في الغثيان هو شك قديم ومألوف إنه :" شك في مشكلة الغرابة ومشكلة الاستناج القائمة " ، وترى آيريس أن بطل رواية الغثيان " روكنتان هو مثال لإنسان العصر الذي تعيش فيه ، وهو يسعى في أن يسير بطريق مختلف ، وتتساءل مردوخ بماذا يذكرنا غثيان سارتر ؟ يذكرنا بـزراديشت عند نيتشه :" هذا الغثيان يخنقني .. لقد حاولنا أن نخرج من الغوغاء ..من نتانتة صاحب الدكان ..غثيان ..غثيان " . يعيش بطل سارتر في عالم ضيق الأفق ، حيث الحياة تمضي مع " شعور بالغثيان " هو عالم مستقر أخلاقياً مع الأفكار العامة للمجتمع ، إلا أن سارتر يرى خلف هذا العالم المستقر ، واقعاً أكثر رعباً ، فبالرغم من " عادات ومظاهر الدين والسياسة والحياة المهنية والعائلية ، نحن وحيدون في هذا العالم .. والى درجة مخيفة " ، تكتب آيريس مردوخ :" إن الأدب الحديث ليس له من مصادر أخرى غير حياتنا " ، فالإنسان كما عبّر عنه سارتر " محكوم عليه بالحرية " ، لكنه أيضاً محكوم عليه أن يبقى وحيداً . تتذكر آيريس مردوخ أن سارتر قال لها إن مشروعه الأوسع هو الإطاحة بالبرجوازية .. وشرح لها كيف أن السمة الرئيسة للحضارة الحديثة هي إيمانها الزائف بقوة العقل التحليلي ..كان سارتر يرى إن العقلانية أداة تدمير لا تقاوم . وسيكتب كولن ويلسون تحية لبطل سارتر " روكنتان " الذي :" يعيش مثل بطل رواية بارابوس ( الجحيم ) غرفته هي حدود إدراكه . إلا أنه يذهب أبعد وأعمق مما يذهب إليه بطل هنري باربوس . فهو مدرك إن الإنسان لا يملك سوى حريته " .
سيظل سارتر مهيمناً على تفكير آيريس مردوخ ، وعلى شاكلة ثلاثيته " دروب الحرية " ستكتب مردوخ روايات تحمل رؤية كاتبة باعتبارها واحدة من أتباع سارتر ، حيث نشاهد أفعال الشخصيات في علاقاتها الفردية التي تختارها بمحض إرادتها ، وحيواتها في ترابط بما يمر بها من أقصى أساليب التناقض ، بالرغم من الصدامات المأساوية التي تحدث عند كل خطوة يخطوها أبطال الرواية ..وستجد مردوخ نفسها تكتب عن شخصيات غريبة ودخيلة على غيرها ، تشعر بتباعدها المأساوي من بعضها البعض ، شخصيات تصفها الناقدة الروسية فالنتينا إيفاشيفا في كتبها الثورة والأدب بأنها تعيش في عالم فوضوي لا معقول ، الكل على سواء يحس بالفجيعة في " ضياعهم وعزلتهم التي لاتبعث على الراحة في مواجهة موت محقق "
******

أعتقد إن الفن يكون جيداً للناس طالما بقي قادراً على تعزيز الخيال البشري بدل الفنتازيا الموغلة في الشخصانية والأنوية .
آيريس مردوخ

رأى النقاد في رواية " تحت الشبكة " – ترجمها الى العربية فؤاد كامل - انطلاقة جديدة لأدب التمرد ، وعلامة من علامات جيل الغضب .. واعتبرها الناقد كينيث تينان بأنها رؤية عصرية لأزمة الإنسان .. صدرت الرواية عام 1954 .. كانت آيريس مردوخ قد كتبتها عام 1950 لكنها لم تجد ناشراً لها ، جميع الذين ذهبت إليهم من أصحاب دور النشر ، كانوا يسخرون من هذه المرأة غليظة الساقين التي تردّد أمامهم مقولات فلسفية ، وتكتب رواية لاتحمل رسالة ولا تدعونا الى شيء عندما وصلتها النسخة الأولى احست بالسعادة وقررت أن ترسل بالبريد نسخة من الرواية الى سارتر ، وجد بعض النقاد في الرواية عملاً جديداً وذكياً ، واعتبرها البعض نموذجا لأدب اللامعقول الذي ينظر الى العالم كما لو كان مملكة من الفوضى ..كانت آيريس مردوخ قد كتبت مقالاً عن رواية صمويل بيكت الأولى " مورفي " التي صدرت عام 1938 ، واعتبرتها نموذجاً للرواية الفلسفية الحديثة ، كانت الرواية قد اعجبت جيميس جويس و ت س إليوت التي عدها صفحة من الصفحات التي تروي حكاية الأرض الخراب هذه ، لكنها لم تعجب القراء ، بطل رواية بيكت سنتعرف عليه من الصفحات الأولى ، جالساً على كرسيه الهزاز ، وهو الشيء الوحيد في هذا العالم الذي يتمسك به ، حاول في الرواية أن يستعرض قدرته على مزج الفلسفة بالسرد الروائي ، فنقرأ على لسان البطل إشارات إلى بيركلي وليبنيتز وشذرات من فتغنشتاين وتلميحات إلى أفلاطون ، كتب أحد النقاد إن مورفي تمثل خلاصة فكر غربي يعتبر أن الجسد هو سجن للعنصر الروحي في الإنسان
تروي لنا آيريس مردوخ في " تحت الشبكة " قصة شاب متمرد اسمه " جاك دوناجيو يعمل مترجماً للروايات من اللغة الفرنسية الى الانكليزية ، وهو يقوم بهذا العمل ليس حباً في الترجمة ، ولكن من أجل أن لا يستغل موهبته في الكتابة الابداعية .، يرفض إغراءات صديقه للانضمام الى إحدى الحركات الماركسية .. تخبرنا آيريس إن بطلها يتميز بإحساس أخلاقي يتلخص في معاملته لاصدقائه ونظرته اللائقة للمرأة ، لكنه يعيش متشرداً وهو يبرر تشرده هذا بأن لاشيء يضايقه في الحياة أكثر من دفع إيجار مسكن ، في طرقات لندن يجد جاك نفسه ، ورغم نصائح أصدقائه بأن يترك حالة التشرّد هذه ، ويلتحق بوظيفة ثابتة تؤمّن له حياة مستقرة . يحاول البحث عن حبيبته السابقة " آن " فيكتشف إنها هجرت الغناء وإنها تدير مسرحاً تجريبياً تعرض فيه أعمال بانتومايم " مسرح صامت " ، وعندما يجدها يكتشف أن حبه القديم قد تجدّد ، لكنها ترفض العودة إليه ، وتنصحه بأن يتجه نحو أختها الممثلة الثرية " سادي " التي تحتاج الى رجل يحميها ممن يطاردونها ، يقبل جاك العمل عند سادي ويكتشف أن الرجل الذي يطاردها اسمه " هيجو بلفوندر " وهو :" رجل أعمال ثري يهتم بالفلسفة ويزدري المال والثروة ، ويؤمن بفلسفة الصمت التي ترى في العزوف عن الكلام في شتى مجالات الفنون والحياة معاني كبيرة لاترتقى إليها سائر الفلسفات " يتأثر جاك بهيجو ويسعى لاكتشاف حقيقة وجوده ، حيث يدرك إنه ليس الكائن الوحيد الموجود على الأرض وإن غيره يشاركونه هذا الوجود ويعلن إن :" الاعتراف بوجود حقيقة واسعة ومتنوعة خارج أنفسنا يخلق إحساساً بالرعب في بادئ الأمر . ولكن بالفهم يمكن أن يولد هذا الاعتراف إحساساً بالانتعاش والقوة الروحية " .
كانت أيريس مردوخ في الخامسة والثلاثين عندما صدرت " تحت الشبكة " ورأت فيها بداية مرحلة جديدة في حياتها .. وسترى في الحقيقة على إنها مفهوم وجودي ذاتي ، ولكن هذه المرّة ليس على طريقة سارتر وإنما بمنظار الفيلسوف الدنماركي والأب الشرعي للوجودية "سيرون كيركجارد " الذي يرى أن الإنسان باعتباره كائناً وجودياً ، لايمكنه أن يتبنى وجهة نظر أزلية .
في حوار معها تقترح آيريس مردوخ أن تقسّم رواياتها التي كتبت للفترة من عام1954 وحتى عام 1995 الذي صدرت به آخر رواياتها " معضلة جاكسون" ، وبين هذين التاريخين نشرت مردوخ روايات " البحر .. البحر " ، الفتاة الإيطالية " ، الرأس المقطوعة " " الهروب من العرَّاف " " قلعة الرمال " و " الجرس " وحيد القرن " و " الفتاة الإيطالية " و تلميذ الفيلسوف " وروايات تجاوزت العشرين رواية .حيث تقترح تقسيم رواياتها الى روايات مفتوحة وروايات مغلقة ، والروايات المغلقة هي التي يلعب فيها الطابع الأسطوري دوراً هاماً بالاتحاد مع موضوعات سيكلوجية ، والروايات المفتوحة هي الأكثر واقعية ، وتضع آيريس روايتها " تحت الشبكة " في خانة الروايات التي عكست ما كان يدور في عقلها الباطن ، والشخصسات فيها بلا حركة تماماً ميئوس منها ، لكنها متمردة على واقع يريد لها أن تسير في مسارات خاصة تقول لبريان ماغي في الحوار الذي ترجمته الى العربية لطفية الدليمي " نزهة فلسفية في غابة الأدب " : إن " كلّ الأعمال الروائية الجيّدة تقوم على هياكل تنطوي على أسرار غامضة بشأن الشهوانيات المتصارعة إلى جانب تلك الصراعات الداكنة بين الخير والشر في الحياة البشرية "

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top