الدّوريات الفنية في العراق.. تاريخ طويل.. ومسيرة متعثرة

الدّوريات الفنية في العراق.. تاريخ طويل.. ومسيرة متعثرة

استطلاع/ علاء المفرجي

-2-

عانى المشهد الفني العراقي في العقود الأخيرة من القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، من إنعدام وندرة المجلات الفنية التي تعنى بنشر الثقافة والوعي الفني إسوة بمعظم البلدان العربية ودول المنطقة ،التي ربما عاشت ما يشبه المد والجزر في حركتها الفنية

التي أفضت الى انتاجات فنية متباينة في الشكل والمضمون وفي الفاعلية والحضور، نسبة للأوضاع والمتطلبات والمستلزمات الإنتاجية الضخمة والمغايرة الى حد كبير للانتاجات الفنية الدرامية وغير الدرامية الأخرى .

- مسرح-

الناقد الفني عبد العليم البناء: ارتفاع الكلف الطباعية 

إن سبب تعثر هذه المسيرة يعود في أغلب الأحيان عراقياً وعربياً الى أسباب مادية لأنها مجلّات لا تستدعي سوى اهتمام النخبة من المعنيين بالمسرح واحيانا لا تستهوي حتى البعض من هؤلاء المعنيين لاسباب كثيرة بعضها ذاتي وبعضها موضوعي ويتسع الامر هنا ليشمل حتى النخبة المثقفة عامة.

ولعل ارتفاع الكلف الطباعية وغيرها دفع الجهات الناشرة لا تتجه الى الالتزام بطباعة هذه النوع من المجلات لعدم كفاية المردودات التي ينبغي تحصيلها الأمر الذي يؤدي الى عزوف الناشرين وتوجههم الى مجلات رابحة مادياً إلا ماندر.

المعاناة متماثلة في عملية التعثر وكم من تجربة محلياً وعربياً تعثرت أو توقفت تماماً وهي لما تزل في بداية الطريق لاسيما في العقدين الأخيرين من القرن الماضي والعقد الأول والثاني من القرن الحالي.

ومن خلال تجربة عملية عبر تولي مهام متنوعة في ادارة تحرير مثل هذه المجلات نجد إن دائرة مثل السينما والمسرح في العراق توقفت عند إصدار عدد واحد من اكثر من محاولة لاصدار مجلة متخصصة ودورية كما حصل في أواخر ثمانينيات وأواخر تسعينيات القرن العشرين ولم تستطع سوى إصدار مجلة خفيفة ومنوعة خالية من التخصص الدقيق لأشهر عدة ولكنها توقفت هي الأخرى ولم تستطع المطاولة والأمر وصل حتى الى الصحافة السينمائة المتخصصة الأسبوعية أو الشهرية في السينما أو المسرح وربماحتى الثقافية.

و لعب الانترنت بما وفره من وفرة ووسائل تواصل اجتماعي متنوعة عزوفاً مكملاً إن لم يكن تجاه اصدار هذا النوع من الاصدارات محلياً وعربياً إلى حد كبير.

والمجلات التي صدرت عراقياً وتوقفت مجلة سينما ومسرح عن دائرة السينما والمسرح التي صدر منها عدد واحد عام 1979-1980 وكان بمثابة عدد تجريبي سرعان ما توقت عن الصدور ولكن سبتقها نشرة دورية شهرية بالاسم ذاته استمرت بما يقرب من سنة ونصف وتوقفت إضافة الى مجلة السينما (وهي بالاساس نشرة) كانت تصدر عن الاتحاد الوطني لطلبة العراق في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ومؤخرا صدرت مجلة السينمائي المتخصصة بجهود الزميل سعد نعمة ولكنها أيضا توقفت وتنتظر اذا صح التعبير تدويراً أو جدولة في نوعية وطبيعة اصدارها كعدد ثان وربما تصدر وربما لاتصدر والأمر كله متعلق بالكلف المادية العالية أولاً ناهيك عن باقي الاسباب .

ولو عدنا الى الوراء أكثر نجد محاولات المخرج كاميران حسني في إصدار مجلة السينما في اربعينيات القرن الماضي التي كان يكتب فيها اسماء مهمة مثل الراحل يوسف العاني والاستاذ سامي عبد الحميد وغيرهم .

والحلول المنطقية لا الترقيعية تكمن في إيجاد أرضية حقيقية لدور نشر وتوزيع متمكنة وفاعلة تتولى إصدار مثل هذه المجلات المتخصصة وتضع خططاً رصينة لديمومة واستمرار إصدارها بعيداً عن الاهواء والرغبات دون أن ننسى دعم الدولة في بلد مثل العراق.

الاكاديمي والممثل د. أحمد شرجي: نفتقد المجلة المحكمة

الدوريات المسرحية، ضرورية جدا، بوصفها النافذة التي نطل منها على واقع المسرح والتطورات الحاصلة فيه، ومتابعتها للمنجز المسرحي ليكون بين يدي المتخصصين والقراء على حد سواء، وقد لاحظنا على امتداد نشاط الحركة المسرحية العراقية ، انحسار بل وانعدان مثل هكذا مطبوع مسرحي، منذ توقف مجلة السينما والمسرح او تعثر صدورها حتى توقفها التام، عدا بعض المحاولات الفردية لصدار مثل هذه المجلات ونشير هنا الى مجلة (الخشبة) والتي صدرت بجهود عدد من الزملاء.. الا انها وبسبب التمويل تواجه ايضا التعثر في مواعيد اصدارها.

ويشكو اكاديميو المسرح من هذه الظاهرة باعتبارهم يفتقدون المجلة المسرحية المحكمة مثلا لنشر بحوثهم ودراساتهم التي يكونوا بحاجة لها لاغراض الترقية والحصول على لقب علمي.

والانترنت ممكن ان يساهم في سد نقص المطبوع المسرحي، لكني ليس بالسبب الكافي لذلك.. والحل كما أرى في أن تتولى مؤسساتنا العلمية وكذلك وزارة الثقافة في دعم وتمويل مثل هذه المطبوعات، حتى لو كانت فصلية، ويتولّى مسرحيون متخصصون الاشراف عليها وإدارتها.

المخرج د. صلاح القصب: انحسار المطبوع الورقي

من المعروف إن المجلات المسرحية تسهم بلا شك في رفع الذائقة الفنية، ودعم الوعي المسرحي.. فهي إضافة الى دورها في رصد التحولات الجارية في المسرح وشؤونه، ومتابعة آخر التطورات في هذا المجال، فإنها تسهم في تكريس الوعي المسرحي وتربية جيل يتفهم أهمية المسرح.

فيعد صدور عدد من المجلات المتخصصة بالمسرح، والتي كان للبعض دور ريادي ومهم.. إلا إنها شهدت توقّفاً، ومسيرة متعثرة.. وذلك لأسباب عدة يقف في مقدمتها التمويل الثابت والمستمر لهذا الموضوع، وأيضاً الضعف الواضح في مجال التسويق.. وهي المشكلة التي تعاني منها جميع الدوريات المتخصصة، ولكن السبب الأساس يكمن وراء ظهور الانترنت وانحسار كم المطبوعات الورقية، وانصراف الكثير من القراء لهذه النافذة.. ولكن رغم ذلك فان المجلة المسرحية لم تجد لها حصة مهمة في الشبكة العنكبوتية، حيث إن مواقع مثل هذه شحيحة ولاتقدم الكثير.

وأرى أن الحلول تتلخص في دعم وتمويل مثل هذه المطبوعات، لتكون راسخة، واعتقد إن وزارة الثقافة قادرة أن تستعيد دورها الريادي في دعم مثل هذه المطبوعات.

المخرج حاتم عودة: الانتشار السريع لمواقع التواصل

لتعثر مسيرة الدوريات المسرحية ( على قلتها ) أسباب كثيرة على رأسها التمويل فهي لا تستطيع تمويل نفسها من البيع لأنها غير مطلوبة إلا من المتخصصين أي إنها ليست عامة أولاً ولأنها مكلفة بالنسبة لطباعتها لأنها تعتمد على الصورة ووضوحها وكذلك لأنها لابد أن تدفع مكافات مجزية للكتّاب حيث انهم يكتبون دراسات عميقة فيها .. ثانياً .. 

وتتشابه معاناة الدوريات المتخصصة في ذلك .. حيث تعتمد طرقاً متقاربة في الاخراج والبيع والتوزيع .. وكذلك لتشابه جمهورها والمهتمين بها وقلة عددهم .. 

تضاف لهذه المعاناة هو الانتشار السريع لمواقع التواصل الاجتماعي ومجانية المواد الثقافية المتخصصة وسرعة الحصول عليها وسرعة مواكبتها وسرعة انتشارها .. وبالرغم من حب الكثيرين للقراءة الورقية وتشبثهم بها إلا أن القراءة الالكترونية بدأت تزحف بسرعة هائلة في التنافس الذي أضعف أهمية الدوريات.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top