احترموا الظاهرة.. وارفعوا مستوى الكلام

احترموا الظاهرة.. وارفعوا مستوى الكلام

ياسين طه حافظ

غالباً ما يزعجنا أو يستفزنا المختلف عن السائد. وهذا حالنا مع الأزياء الجديدة و تسريحات الشعر الجديدة و العلاقات الاجتماعية الجديدة والأفكار الجديدة. روح المحافظة محترمة إنْ كانت لصيانة التقليد وان كانت حذَراً مما يُخشى.

لكنها أحياناً سلوك مجاني حافزه النظر للنفس بتعال وبأننا أفضل والنظر للآخر الذي خرج قليلاً عن السياق أو المألوف بأنه أقل وأدنى.

هذا شعور غير مقبول وفيه تخلفٌ مدني. ثمة مصادرة لما لا يُعجب. 

وأنا انتظر إنجاز طباعة أوراقي في مكتب -ابتعاداً عن الشاشة وأشعتها بحسب الوصايا – كانت تمر فتيات فرحات بشبابهن وحياتهن الجامعية. والمرأة عادةً سبّاقة لكل جديد. فحين نظل نحن الرجال نرتدي طرازاً ما عشر سنين أو أكثر، هن يتسارعن الى كل زي ظهر ولكل تسريحة ظهرت، بل حتى أساليب المكياج والعناية في الوجه وفي تقليد المشية الأطرى والأرشق والأكثر إثارة. هن يلتقفن الجديد حال ظهوره!

إن كنا بشراً مهذبين نحترم الحياة وحريات الناس، يجب ألا تضيرنا أمور كهذه وليست هي مما يضر ولا مما يسيء. ثم، لماذا ننظر باستهانة، بهزء ، باستنكار لما لا يخلو من جمال وإثارة وهو في كل حال نوع من كسر الرتابة إن لم يكن تجديداً ينعش الحياة، وإذا، أيضاً، لم تكن هذه بدايات تغيير ؟ 

احتياجاتك، رجلاً ، غير احتياجاتها امرأةً . ما نراه فيهن من تجديد ليس استهانة بآداب وأعراف. هو ممارسة حياة بمشاعر وأذواق جديدة. 

أما جمال أو خفة أو حلاوة الحركات وطرائق الكلام والجديد في الملبس وفي الزينة وتسريحات الشعر والألتفاف على القيود، فهي أعمال ورائها سر أكبر مما نظن.

المرأة تشعر بمسؤولياتها عن استمرار الحياة، حياة الإنسان على الأرض. وهي الحريصة، الأكثر حرصاً عليها والتي مشاعرها هذه غريزيّة متماهية مع دمها وروحها وكلامها وطعامها والحركات. هي تناضل، نعم تناضل لديمومة الحياة الإنسانية على الكوكب. وتحرس البشرية لتدوم وتبذل ما تستطيع دفاعاً وإغراءً واستشهاداً احياناً لتبقى الحياة، حياتنا البشرية. وليستمر بقاء الإنسانية على الأرض. هي باختصار تُبعد ما يهددها بالانقراض. وكلما ازداد نفور وابتعاد وجفاء الشباب عن الزواج، هي العظيمة التي لا يفهم عظمتها وإدراكها أحد، تحاول جذب المذكر، بشتى السبل للتلقيح لتستمر حياتنا البشرية وليبقى الإنسان على الإرض. جهادها المقدس هذا جدير بالاكبار والاحترام. جدير هو في تقدير ما وراءه. 

ليست الدعوى للزواج هنا واستدراج الرجل عمل مما نستنكره من أعمال. افهموا الظاهرة وارفعوا مستوى الكلام. كلما ابتعد الرجل زادت هي من أساليب الإغراء ووسائله، في الغنج والرقة، في الأزياء المثيرة، في إبراز جمال الفخذين.. 

وحين تمادى الرجال أكثر، في العالم كله لا في بلادنا حسب، في ابتعادهم من الزواج، زادت هي في إغرائها، اظهرت سيقانها، كشفت بعض صدرها، سرحت شعرها ليكون أكثر جمالاً وإثارة وغيّرت من ألوان مكياجها وحُليها ومن جلساتها والحركات. هي تفعل المستحيل لتحافظ على الحياة وتعمل وتبتدع وسائل الإغراء لتستدعي الذكر لتعيده لصناعة الحياة، افرحوا لكل ظاهرة في الأزياء وفي التسريحات وفي الكلام الناعم يقطر عذوبة وموسيقى وفي التحدي أحياناً واللامبالاة. هذا نضال نسوي، وذكاء نسوي يستوجب إكبار المرأة وتقدير ما تبتدع وتبذل وتتحمل لتصون الحياة البشرية من الانقراض. احترموا الظاهرة وارفعوا مستوى الكلام!

في الأخير تريدون أن أذكركم، وأسأل : هل تعلمون كم ضحت المرأة وكم تحملت عبر التاريخ من أجل هذه الغاية العظيمة وهذا الهدف الجليل؟ من أجل أن تستدعي الذكر واختيار ما تراه منهم أفضل، ليؤدي دوره في صناعة الحياة؟ علينا أن نقدر هذا ونفسر ما نرى من مظاهر الأنوثة تفسيراً ترضى به الحضارة ويحترمه الوعي. فلم نعد بعدُ بدائيين نجهل أسرار ما نرى ويطغى جهلنا وتخلفنا على الفهم، فندمر الجمال والنافع الذي يجيء ... مرةً ثالثة احترموا الظاهرة وارفعوا مستوى الكلام!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top