ترميم أفلام السينما العالمية.. فيلم  انهمار  لبهرام بيضائي إنموذجاً

ترميم أفلام السينما العالمية.. فيلم انهمار لبهرام بيضائي إنموذجاً

نجاح الجبيلي 

يسعى مشروع السينما العالمية التابع لمؤسسة أفلام العالم التي يرأسها المخرج مارتن سكورسيزي إلى ترميم الأفلام المهملة والمحافظة عليها في أنحاء العالم.وقد تم ترميم 39 فيلماً لحد الآن من آسيا وأفريقيا وأوربا الشرقية وأميركا الوسطى وأميركا الجنوبية والشرق الأوسط.

ومن الأفلام التي تم ترميمها فيلما "المومياء" و"شكاوى الفلاح الفصيح" للمخرج المصري شادي عبد السلام و"الأيام، الأيام" للمخرج المغربي أحمد المعنوني و"الفتاة السوداء" للمخرج السنغالي عثمان سمبيني و"وقائع سنوات الجمر" للمخرج الجزائري محمد الأخضر حامينا و"سايات نوفا- لون الرمان" للمخرج سيرجي باراجانوف وغيرها.

كما يدعم المشروع البرامج التعليمية بضمنها مدارس ترميم الأفلام وإقامة الورش المكثفة التي تضم طلاباً من مختلف أنحاء العالم لتعليمهم فن وعلم ترميم الأفلام والحفاظ عليها. كما يسمح بتأجير الأفلام المرممة لعرضها في المهرجانات السينمائية العالمية. 

يُعد بهرام بيضائي من جيل المخرجين السينمائيين الذين يشار لهم بالموجة الإيرانية الجديدة التي ظهرت في أواخر الستينيات. يتميز بتضبيب الحدود بين الحقيقة والخيال ويسمو بواقعية عصر إيران ما قبل الثورة بمقاربة شعرية عالية من ناحية المونتاج والحوار والسياق. كان فيلم "انهمار" هو من أعمدة الموجة الجديدة في السينما الإيرانية. وهو أول فيلم طويل لبيضائي بالأبيض والأسود صنعه عام 1971. وعلى الرغم من كونه من الأفلام المؤثرة إلا أن فيلم "انهمار" عُدَّ مفقوداً تقريباً إذ نادراً ما يجري عرضه.ولدى بيضائي النسخة الوحيدة الباقية وكان كتوماً في عرضها.أما بقية النسخ فهي تالفة. 

بفضل مؤسسة السينما العالمية تم ترميم الفيلم عام 2011 في مختبرات المؤسسة بمدينة بولونيا في إيطاليا وتطلبت العملية أكثر من 1500 ساعة.على الرغم من أن الفيلم انتشر على شكل رقمي أو VHS إلا أنه كان بنوعية رديئة والنسخة الوحيدة الباقية للفيلم كانت النسخة الموجبة مع ترجمة إنكليزية يملكها صانع الفيلم بيضائي.وهي نسخة تالفة مع وجود خدوش وثقوب وتراكب في الإطارات. فكان الترميم يحتاج إلى كمية كبيرة من التصليح المادي والرقمي.

وبهذه المناسبة أشار مارتن سكورسيزي:

أنا فخور جداً بكون مؤسسة السينما العالمية قامت بترميم هذا الفيلم الجميل، وهو أول فيلم طويل من المخرج بهرام بيضائي.ذكرني أسلوب الفيلم بما كنت أحبه في أفلام الواقعية الإيطالية الجديدة، والقصة لها جمال الحكاية الخرافية القديمة- تستطيع أن تشعر بخلفية بيضائي في الأدب والمسرح والشعر الفارسي. لم يتلق بيضائي الدعم الذي يستحقه من حكومة بلده- وهو الآن يعيش في كاليفورنيا- ومن المؤلم أن هذا الفيلم الرائع، الذي كان مشهوراً في إيران، كان على حافة النسيان نهائياً. النسخة السالبة الأصلية أما تم حجزها أو تدميرها من قبل الحكومة الإيرانية،وكل ما تبقى كان طبعة 35 ملم مع ترجمة إنكليزية وقد تعرضت للحرق. والآن بإمكان كل المشاهدين في العالم أن يروا هذا الفيلم البارز.

يدور الفيلم حول الأستاذ حكمتي وهو معلم تقدمي ومثقف ينقل إلى مدرسة جنوبي طهران في منطقة صغيرة محافظة، حين يصبح الطلاب مشاغبين يطرد أحدهم وهو صبي صغير. تأتي أخت الصبي الكبرى "عاطفة" إلى المدرسة وتحتج على الطرد وتتكلم إلى حكمتي سرّاً.يراهما أحد الطلاب معاً وينشر الإشاعات بأن الأستاذ حكمتي وعاطفة بينهما علاقة حب. يحاول حكمتي أن يعالج الموقف لكن يجد نفسه فعلاً واقعاً في غرامها. يقع بين الخيالات المبالغ بها لطلابه والإشاعات التافهة لجيرانه وسرعان ما يجد نفسه في مركز الجدل. وحالاً تكون عيون المجتمع مركزة عليه. إنها قصة ثرية تتحرى الحب والأخلاقية وهو يصف المجتمع الإيراني بطريقة تكشف ما هو حميمي ومألوف في ظرفنا الإنساني.

يعطي بيضائي الآن في ستانفورد دروساً في السينما الإيرانية والمسرح الإيراني المعاصر والسينما والأسطورة. تمتد صنعته السينمائية لأربعة عقود.صنع عشرة أفلام طويلة وأربعة أفلام قصيرة ولديه أكثر من 35 مسرحية و50 سيناريو. ناشط في المسرح وآخر عمل مسرحي له هو "جانا وبالادور: مسرحية في الظلال". أنتجت من قبل جامعة ستانفورد- قسم الدراسات الإيرانية ومثلت في مركز كبرلي في مدينة بالو ألتو عام 2012.

وقد تحدث بيضائي عن فيلمه المنتج عام 1971وعملية ترميمه في مقابلة قمنا بترجمتها أدناه:

ما هو دورك في عملية ترميم فيلم "انهمار" من قبل مؤسسة سينما العالم؟ 

رضائي: حصلت العملية بفضل كرم الآخرين. التقت أحدى زميلاتي الحاضرة في مهرجان سينمائي شخصاً من مؤسسة السينما العالمية وتحدثا حولي وحول السينما الإيرانية.سألها عن أفلامي وأوضحتْ له بأن فيلم "انهمار" كان الفيلم الوحيد هنا ويحمل ترجمة إنكليزية لكن لا يمكن عرضه لأنه النسخة الوحيدة المترجمة للفيلم التي بقيت لكنها مشوهة وتالفة. وما إن سمع بذلك حتى وافقت مؤسسة السينما العالمية على ترميم الفيلم وقاموا بجميع أعمال الترميم في مدينة بولونيا بإيطاليا وتطلب الأمر سنة كاملة لإكمال العملية. فشكراً لعملهم واجتهادهم! 

ماذا يعني صناعة فيلم في إيران أثناء السبعينيات؟ اشتغلت على مصادر قليلة لكن أنتجتَ فيلماً جميلاً.

بهرام بيضائي: كان فيلم "انهمار" فيلماً مستقلاً، ولم يكن له راعٍ رسمي أو تجاري. لقد صُنع تلقائياً دون خطة مسبقة.أردت أن أخلق شيئاً يسير عكس الاتجاه التجاري السائد في السينما الإيرانية وأفلامها المؤثرة زائفة الفكر. لأول مرة في السينما الإيرانية يكون البطل شخصاً مثقفاً لم يهنه أو يخزيه المخرج. في تلك الأيام كان المفكرون الإيرانيون التقليديون يقومون بإهانة المثقفين. هذا الفيلم إضافة إلى فيلمي الثالث، يطرح شخصية المثقف الشائع دون أن يبالغ في نزعته الفكرية.

من كانت الشخصية المهمة في الفيلم بالنسبة لك ولماذا؟ وهل تغير ذلك بمرور الزمن؟

بهرام بيضائي:في هذه القصة، الشخصيات المركزية هي الأشد أهمية بالنسبة لي. الشخصية الذكورية الرئيسة هي الاستاذ حكمتي في غير مكانه ولذا فهو غريب. بالنسبة للشخصية الأنثوية "عاطفة" كانت هذه المرّة الأولى التي لم تكن فيها الشخصية الأنثوية الرئيسة عاهرة أو مغنية أو راقصة أو ريفية تكون مصدر إغراء للشخصيات الثرية.فهي بالأحرى امرأة شابة تعمل في مهنة الخياطة وتحاول أن تجد المكانة لكي تساعد عائلتها. في فيلم "انهمار" تقدم عاطفة بمظهر تقليدي لكن في ذاتها المخفية ترغب في التغيير والاستقلال. 

ما الذي تريد أن تضيفه حول النساء الإيرانيات في ذلك الوقت؟

هناك تنوع في الشخصيات النسائية في السبعينيات- من المتشددات دينياً إلى التقليديات إلى النساء المحنكات جداً اللاتي هنّ أستاذات جامعيات ورسامات وكاتبات وشاعرات وناشطات في المسرح ومخرجات أفلام وشخصيات إدارية وممرضات وطبيبات الخ. مثلاً كانت الموسيقى التصويرية لفيلم "انهمار" من تأليف امرأة، ولأول مرة في تاريخ السينما الإيرانية. من المحزن أن السينما الإيرانية آنذاك كانت متعلقة بالأكليشيهات الجاهزة التي عفا عليها الزمن وتصوّر النساء أما راقصات ومغنيات من الطبقة السفلى، أو عاهرات وإن كنّ متعلمات فهنّ شخصيات غبية وغنية أو سلبية.

كيف اخترتَ الممثلين في فيلم "انهمار". هل كانوا معروفين في ذلك الوقت؟ وكان إسهامهم في الفيلم له أي تأثير مهم على صنعتهم؟ وهل عملت معهم مرة أخرى؟

بيضائي:بعض الممثلين، بضمنهم الشخصيتان الذكوريتان الرئيسيتان- بارفيس فانيزاده (حكمتي) ومانوشهر فاريد (القصاب) كانا صديقيّ وزميليّ في المسرح، موهوبين لكن غير ناجحين في صنعتهما كما يستحقان. لديهما فيلم أو فيلمان بأدوار قصيرة جداً. الشخصية الأنثوية المركزية عاطفة (بارفانه معصومي) كانت غير معروفة للجمهور في ذلك الوقت.اكتشفناها من مسلسل تلفزيوني تجاري، وربما كان هو أول وآخر دور لها. كل الصبية كانوا جيراني ولهم أدوار في أفلامي القصيرة.لقد عملت مع العديد من هؤلاء الصبية في أفلامي القصيرة التالية. عملتُ مع بارفانه معصومي ومانوشهر فاريد ثلاثة أفلام أخرى وقد حاز بارفيز فانيزاده جائزة التمثيل الوحيدة في حياته في دور حكمتي في فيلم "انهمار".

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top