العراق واليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال

آراء وأفكار 2019/06/15 06:59:25 م

العراق واليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال

 د. أحمد عبد الرزاق شكارة

إنطلق اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال بمبادرة مهمة دشنتها منظمة العمل الدولية في عام 2002. يوم يجب أن لايمر ككل الأيام الاعتيادية بمجرد تسليط الضوء عليه وتشخيص العلل التي تنتاب عمالة الأطفال في العالم

على أهميتها بل يجب التعمق بهذه الظاهرة الانسانية بمختلف جوانبها ، أبعادها وتداعياتها خاصة وإنها تغطي أكثـر من 152 مليون طفل في العالم يعانون من تداعياتها المؤلمة إنسانياً حيث تنعكس آثارها وتداعياتها السلبية جداً في الدول التي يمكن وسم ممارسات أنظمة الحكم السياسي فيها كونها ليست رشيدة أو راشدة بعد بل يمكن القول إنها تعد حكماً وعملاً من "الدول الفاشلة والعراق لايزال ضمنها" برغم التحسن الجزئي البسيط والنسبي في مساراته الداخلية والخارجية .

ووفقاً لما صرح به رئيس الوزراء الاستاذ عادل عبد المهدي في أخر مؤتمر صحفي له حول طبيعة الأزمات التي تمر بالعراق كونها مسألة طبيعية تحدث في أنحاء العالم وليس هناك موجب للتهويل او للتضخيم حولها وهنا يمكننا أن نتفق في هذا الجانب ولكننا نختلف في جانب أخر حيث أن القياس هو مع الفارق حيث من المفترض أن نعترف بإن العراق لازال دولة نامية بل في مرحلة متأخرة من التنمية ولازالت تدرج في أخر قوائم التنمية الانسانية للمنظمات الدولية أسيراً لتراكم الأزمات وتعقيداتها وعلى رأسها أزمات بقاء أجيال الطفولة وإفتقاد تمكين الشباب ورعاية الكبار دونما وجود أية رؤية ستراتيجية واضحة (دع عنك ستراتيجية شاملة دقيقة تلامس الواقع العراقي ) تقدم حلولاً ناجعة ومستدامة وحقيقية لعمالة الاطفال أو لتأمين وضمان حقوقهم الشرعية والمشروعة في إطار زمني لابد من إحترامه . الحديث هنا عن أزمة جيل الطفولة المضيع والمغيب والذي ذهبت أحلامه البسيطة في العيش الرغيد والامن حيث أضحت بعيدة كل البعدعن تفكير مختلف انظمة الحكم السياسية التي مرت بالعراق اللهم إلا ما رحم ربي في فترات متقطعة ولم يتح لها الاستمرار لأسباب لايمكن تبريرها . إذن نحن بصدد مواجهة حقيقية لمسألة يجدر بنا التوقف عندها بصورة جدية ومعمقة لأن مرور الكرام عليها لن تنتج لنا مستقبلاً عراقياً زاهراً يمكننا الافتخار به خاصة وإن الأطفال هم أصلاً جيل المستقبل بل هم عماد المستقبل الذي ننشده من خلال إنعاش مرحلة الجيل القادم من الشباب والشابات المعول عليهم في بناء عراق رصين جديد يستحقه أهله بأمتياز خاصة وإن العراق له من الاث الحضاري والثقافي الشئ الكبير المتجذر في عمق الذهنية العراقية ، كما أنه ليس دولة فقيرة ماديا كون عوائدها النفطية "هبوطا اوصعودا" لازالت تشكل نسبة حيوية من إقتصاده الريعي مقارنة بدول العالم الاخرى ولكنه لازال "اقتصاداً ريعياً" لم ينتقل بعد لإقتصاد رقمي وتقني حديث تتنوع مصادره وعوائده من قطاعات جديدة تحمل مؤشرات كمية ونوعية مختلفة كلياً عن طبيعة الاقتصاد الريعي . 

في التقارير الدولية للأمم المتحدة "توجد ظاهرة عمل الأطفال في جميع القطاعات تقريباً ، إلا أن 7 من كل 10 أطفال يوجدون في قطاع الزراعة". ولعل العراق لا يخرج عن مثل هذا المؤشر العالمي في حسابات العمالة الزراعية بل وفي مختلف القطاعات الاقتصادية الأخرى صناعية وخدمية نجد عمالة أطفال تتصاعد أعدادها بمعدلات خطيرة بموازاة تراجع العراق "وطنياً – اقليمياً وعالمياً" كما تؤكد ذلك تقارير المنظمات الدولية المتعددة وعلى رأسها اليونسييف UNICEF التي أوردت في تقريرها للعام 2018 عبارة تشد القارئ كونها تنم عن واقع حياتي مآساوي جدي يعيشه العراق ، إذ اشارت إلى تداعيات خطيرة ناجمة عن تشابك ظاهرتي الصراع السياسي وعدم العدالة الاجتماعية : " الصراع واللامساواة لايزالان يحددان ملامح وواقع الاطفال في العراق".

صحيح إن الاستجابة المحدودة القيمة لبعض الأشخاص ومنظمات المجتمع المدني التي تهتم بحقوق الطفل وحرياته الأساسية تعد جزءا أساسياً من حقوق العراقيين أنفسهم شيباً وشباباً ومن كلا الجنسين ولكننا ومع ذلك لانرى دوراً حكومياً واضحاً وحازماً يعمل على إنتشال الاطفال من واقع نصفه بالمآساوي حقاً خاصة وأن الكثير من هؤلاء الاطفال فقدوا الكثير من ريعان أجمل مرحلة تمر بحياتهم "مرحلة الطفولة البرئية" كنتيجة لإنخراطهم بأعمال تثقل كاهلهم الربيعي .

ولعل ما أشارت إليه رابطة شؤون المرآة بحاجة لإعادة التأكيد على من بيده الحل والعقد أن يقدم حلولاً ليست عملية وإبتكارية تخص توفر الخدمات الاساسية للمواطنين والاطفال هم بالقطع جزءا حيويا من المجتمع العراقي منعا لتداعيات لاتحمد عقباها وهنا نقتبس : " لايتلقى غالبية الأطفال أي شكل من أشكال الدعم والمساعدة الحكومية ، فيما يتعرض 80 في المائة من جميع الاطفال إلى العنف إما في المنزل أو في المدرسة أو في مواقع العمل وإن (92 في المائة)هي نسبة الملتحقين بالتعليم الابتدائي ، لكن لايتمكن سوى نصف الأطفال من إكمال المرحلة الابتائية من التعليم وتتسع الفجوة في التعليم الثانوي ، حيث لايتخرج سوى اقل من ربع الاطفال الفقراء ، مقارنة بثلاثة أرباع الأطفال من الأسر الغنية، وتقدر وزارة التربية العراقية حاجة البلاد إلى نحو 20 الف مدرسة بحلول 2022". هذا وفي الجانب الصحي يمكننا إقتباس ما ورد من الرابطة مايلي : "على المستوى الصحي لايتلقى سوى 4 من كل 10 أطفال تلقيحاتهم الكاملة ، مع الحرمان الأكبر بين الأطفال الأكثر فقراً. وإن نصف مجموع الأسر العراقية معرضة لخطر شرب المياه الملوثة ولايحصل سوى أقل من 40 في المائة من السكان على مياه الشرب في المساكن، مما يعرض الاطفال لخطر الاصابة بالامراض المنقولة عبر الماء وخصوصا في مناطق العشوائيات التي تفتقر لكل مقومات العيش الكريم". ما أشرنا إليه هو جزء يسير جداً مما ينتشر من أدبيات وطنية وعالمية تحفل بها مؤشرات تؤكد تأخر أطفال العراق في مختلف الجوانب الحياتية والعملية ما يجعل عمالة الاطفال خيارا استثنائيا ولكنه وحيدا يخالف المنطق والقيم الانسانية . كما أن تداعيات الفقر المدقع ، تنوع الأمراض الخبيثة ، والتلوث البيئي شديد الخطورة إنسانياً ، رافقته ظواهر النزوح والتهجير القسري لإعداد تجاوزت الملايين من البشر من مناطقها الأصلية إلى مناطق هامشية تفتقر لأبسط أولويات ، مقومات وشروط الحياة الإنسانية. حتى الذين عادوا لمناطقهم نجدهم يصارعون تحديات حياة غاية في الصعوبة والتعقيد بصورة لايمكن وصفها او تحديد مؤشراتها كميا بشكل دقيق خاصة وإن الاحصائيات الحكومية تجاه معالجة شؤون الاطفال بل والشباب والكبار لازالت مفتقدة بشكل كبير ما يجعلنا نعول على إحصاءات المنظمات الدولية التي من المفترض أن تستفد منها السلطات العراقية وتترجمها عمليا ، كل من خلال إختصاصها وإهتمامها النوعي كي تعد في النهاية "بنكا للمعلومات" يمكن من خلاله وضع الإصبع على الجروح الأليمة التي نخرت وتنخر بإستمرار في جسد أطفالنا وتحرمهم من التمتع بمرحلة الطفولة الجميلة تماما كما يتمتع بها أطفال العالم وهم ليسوا في وضع أفضل مادياً أومعنوياً عن العراق ولكن من بيدهم الحل والعقد في تلك الدول احسنت صنعا بإن وجهت جل إهتمامهما لجيل الطفولة والشباب بل والكبار ايضا الامرالذي تجلى من خلال تبني وإصدار تشريعات ملزمة قانونا تنطلق حيويتها من توفر مختلف المزايا الحياتية – المجتمعية – الاقتصادية والثقافية والعلمية وغيرها. تشريعات تكون الدول المعنية حريصة على تطبيقها بكل حزم مع مراعاة كافة الالتزامات الاخلاقية والقيمية والعلمية التي تعنى بمتابعة وتطبيق كل المستجدات الايجابية التي تخص حياة الطفل . الهدف الأساس هو بناء عالم طفولة جميل مثمر يتمتع بكل انواع الحماية الاجتماعية – الاقتصادية – الثقافية – التعليمية – العلمية والابتكارية. إن الجهد وإن يكن جله حكومي اساسي ولكنه بحاجة لتضافر الجهود المتنوعة المتعددة في مختلف القطاعات من ضمنها بخاصة "القطاع الخاص" الذي لازال يعاني الكثير من محدودية الدعم والـتاثير الحكومي والدولي .

من هنا أهمية أن تستمر وتتعزز جهود منظمات المجتمع المدني الحكومية وغير الحكومية في العراق كي تنخرط بمشروعات جادة للتنمية الانسانية الشاملة حماية لمستقبل الاطفال الذي ادركت دول العالم ومنها دول جارة للعراق مدى أهميته بل وضرورة حمايته وتنميته لإبعاده عن كل مخاطر العنف (الجسدي والمعنوي) ، والارهاب والاتجار بالبشر وتعاطي المخدرات والاتجار بها حيث أخذت بالانتشار في عالمنا العربي بصورة استثنائية. أخيراً متى يصحو الضمير الإنساني لمن بيده الحل والعقد لإيجاد مخارج سليمة لعمالة الاطفال ، ومتى يمكننا أن لانشهد مآسٍ إنسانية لإطفالنا على قواطع طرقنا يوميأ وبشكل ينذر بعواقب وخيمة على بلادنا. ليس الامر بمستحيل لأنقاذ اطفال العراق "اللبنة الاساسية لإجيال قادمة" التي لابد أن تنتهي حالة حرمانها ومعاناتها الإنسانية ليس بالكلام والوعود بل بالجهود المستمرة الشاملة لاستقطاب الاطفال وتأهيلهم علمياً وعملياً بصورة تناسب مراحل نموهم الطبيعي . حرص وطني يجب أن ينطلق من ضمان دستوري لحقوق الأطفال بصورتها الكلية. يوم العام القادم 2020 نتمى أن لايكون عصيبا بل مدعاة للفرح وللبسمة بل ولإستعادة السعادة بحيث يكون فعلا يوما استثنائيا نحفل بإنجاز واحد منه على الأقل يتم في مجال تحجيم ملموس حقيقي لعمالة الاطفال على أمل بالقضاء عليها مستقبلا . أمل له مايبرره مصداقاً لقول الشاعر : "علل الآمال بالنفس أرقبها ، ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top