مهرجان الكتاب في الساحة الحمراء

مهرجان الكتاب في الساحة الحمراء

موسكو – عبدالله حبه

في هذه الأيام المضنية المؤذية التي لا يتحدث فيها الناس إلا عن المشاكل المعيشية اليومية الصعبة والإصغاء الى أخبار القصف وسفك الدماء والدمار في مناطق عديدة في الشرق الأوسط والعالم تبدو غريبة للمواطن غير الروسي،

ولا سيما العراقي ، أعراس الكتاب التي تقام في روسيا وكأنها من أضخم الأحداث في المجتمع . فمنذ أيام أقيم في سانت- بطرسبورغ صالون الكتاب الدولي حيث منحت جائزة غوغول الأدبية الى الكاتبة سفيتلانا بازاروفا عن كتابها "لإشارات".وأقيم هناك مؤتمر بمناسبة الذكرى 220 لمولد شاعر روسيا الأكبر الكسندر بوشكين ، بينما إحتضنت الساحة الحمراء بموسكو مهرجان الكتاب السنوي الذي يشارك فيه عادة كبار رجال الدولة. إن هذه الفعاليات ربما تنفي ما يشاع عن فقدان الكتاب الورقي المطبوع أهميته ، حيث كان الأقبال على أجنحة الصالون والمهرجان كبيراً من قبل جمهور القراء من مختلف الأعمار. ويبدو إن الكتاب ما زال في روسيا فعلاً رفيق الإنسان المثقف الباحث عن المعرفة مهما كانت الأحوال.ويجد الزائر في أجنحة المهرجان التي تمثل مختلف أقاليم روسيا كتباً صادرة في جمهوريات تتارستان والشيشان وداغستان والقرم وكذلك مقاطعات الشرق الأقصى وسيبريا وأواسط البلاد. وكل جناح لهذه الجمهوريات والمقاطعات يقدم الى الجمهور كتباً خصوصية عن تاريخ شعوب روسيا وأساطيرها وأنجازات كتابها . علماً إن عدد أعضاء اتحاد كتاب روسيا يربو على 2000 عضو ، ولهذا فإن الكتب المعروضة كثيرة تعكس نشاط هذا العدد الكبير من الكتاب. وقد وجدت أنا شخصياً هناك ما يهمني منها وبالأخص الحكايات الشعبية الروسية والكردية والشيشانية الى جانب الأساطير القوقازية والسيبيرية.

ويجذب مهرجان الكتاب في الساحة الحمراء عادة أبناء المدينة والسياح من الأقاليم أو البلدان الأخرى لشراء الكتب التي تباع بإسعار مخفضة تحددها دور النشر خصيصا في المهرجان. ولهذا تشاهد الطوابير الطويلة عند الخيام التي تباع فيها الكتب أو تقام فيها الفعاليات الثقافية من إلقاء الشعر أو المحاضرات حول الأدب أو الموائد المستديرة بمشاركة الأدباء والنقاد المعروفين. ويجد رواد المهرجان الفرصة للتحدث الى الأدباء المعروفين المشاركين في فعالياته ومنهم الكسي إيفانوف واندريه روبانوف. وسيطرت في المناقشات مسألة الأدب الخيالي والأدب الواقعي وأيهما الأفضل . وقد إتفق جميع الكتاب المشاركين في المهرجان على إن الأديب يجب أن يجيد كتابة كل شيء . ويعتقد إيفانوف إن الكاتب المعاصر يجد نفسه مضطراً لإدخال عناصر الخيال في إبداعه :" لأن مشاكل الحياة الواقعية قد تحولت الى شبكة الإنترنت. وغدت غير معبرة دراماتيكياً. ويجب من أجل الكتابة عن الواقع المعاصر إستخدام مصفاة ما تشوّه الواقع". وتحدث الكاتب يفجيني فودولازكين عن علاقة الأدب بالموسيقى والتي أظهرها في روايته " بريسبين" . وتحدثت الكاتبة يلينا جيشوفا عن روايتها "مدينة نقشت في الذاكرة " التي تجمع ما بين النثر الأدبي والمذكرات. وقد أشار أحد النقاد الى نجاح الكاتبة في تصوير مأساة حصار لينينغراد. لكن الكاتبة أكدت إنها لم تضع هدفاً لها تقديم صورة للواقع التاريخي، بل أرادت إظهار ميكانزمات الذاكرة حول تلك الأحداث الأليمة التي شارك أبناء الجيل الماضي في أحداثها وكانوا شهود عيان لها.

وواضح إن كتب الأطفال مازالت تتصدر المبيعات من الكتاب الصادرة في البلاد. كما شارك في المهرجان 30 كاتباً من هواة الأدب الفتيان المشاركون في مسابقة التأليف الأدبي :" الصف!". وحسب قول الكاتب دميتري بيكوف فأنهم" لا يصبون الى نيل الجوائز والميداليات بل الى الخلود في الأدب".

وأقيمت على هامش المهرجان مسابقة قراءة " الأعمال الكلاسيكية الحيّة " بمشاركة قراء من 85 إقليماً روسيا و80 بلداً. وتلا أفضلهم مقاطع من أعمال تشيخوف وأستافييف وشوكشين وريمارك وفيللر.

وأقيمت في المهرجان ايضا فعاليات تتعلق بتكريم ذكرى كبار كتاب روسيا ومنها الذكرى 220 لمولد الكسندر بوشكين والذكرى المئوية لمولد دانييل غرانين والذكرى 90 لمولد فاضل إسكندر. بينما قدم الكاتب ايجور فولغين كتابيه عن دوستويفسكي: "معنى أن تولد في روسيا " و" المؤامرة الضائعة" . 

أما ذكرى مرور 220 عاماً لمولد الكسندر بوشكين فقد إحتفلت جميع المدن الروسية التي زارها الشاعر الكبير في زمانه بإقامة فعاليات ثقافية كبيرة بينما أطلق إسم الشاعر على مطار موسكو الرئيسي في شيريميتيفو الذي أصبح الآن يسمى بمطار الكسندر بوشكين. وأقيم بهذه المناسبة نصب للشاعر في المطارإفتتحه وزير الثقافة فلاديمير ميدينسكي . 

بينما أقيمت في مكتبة اللغات الأجنبية بموسكو " قراءات بوشكينية " قدمت فيها مختلف الدراسات حول أعمال بوشكين وترجمتها الى اللغات الأجنبية وتليت أشعاره المترجمة ومنها باللغة العربية . ومعروف إن الكاتب العراقي غائب طعمة فرمان قد ترجم مجموعة من أعمال بوشكين النثرية بالاضافة الى أعمال الأدباء الروس الآخرين ولهذا أقيم تكريما له تمثال نصفي في المكتبة المذكورة. وقال أحد المعلقين إن ثقافة روسيا ما زالت الينبوع الذي تنهل منه أبناء الشعوب الأخرى روائع الأعمال الأدبية والفنية.

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top