موسيقى الأحد: جوليارد 415

موسيقى الأحد: جوليارد 415

ثائر صالح

انتشر تقديم الأعمال الموسيقية القديمة وفق ما يعرف بالأداء التاريخي، ويقصد منه تقديم العمل باستعمال أدوات وتقنيات ذلك العصر. وقد أصبح تيار الأداء التاريخي مؤثراً في السنوات الأخيرة،

وأصبح يُدّرس في المعاهد الموسيقية، منها مدرسة جوليارد للموسيقى الشهيرة في نيويورك بالولايات المتحدة. وقد أسست المدرسة فرقة موسيقية باسم جوليارد 415 لتكون الوسيلة لتدريب طلبة هذا القسم على فن تقديم الأعمال الموسيقية. تأسست الفرقة سنة 2009 واستقطبت أعلام هذا النمط من الأداء مثل عازفتي الكمان البريطانيتين مونيكا هـكـت وراتشيل پـوجر، المايسترو الأمريكي – الفرنسي وليام كرستي، عازف الأورغن والهاربسيكورد الهولندي تون كوپـمان، عازف الفيول الإسباني الكتالاني جوردي سافال، المايسترو الياباني ماساكي سوزوكي وآخرون.

واختيار رقم 415 مقصود، فهو التردد الشائع لنغمة لا الوسطى في موسيقى القرنين السابع عشر والثامن عشر. وقد استعملت في عصر الباروك طبقات أخرى أوطأ مثل 395 هرتس لنغمة لا في فرنسا مثلاً، أو أعلى، مثلاً في ألمانيا التي عانت من ازدواجية الطبقة، إذ كانت الموسيقى الدينية الكنسية تؤدى بطبقة (وتسمى تون الكنيسة أو تون الأورغن) والموسيقى الدنيوية بطبقة أخرى مختلفة (وتسمى تون الصالة). وتستعمل الشوكة الرنانة لتثبيت طبقة الصوت عند دوزان الأدوات، وهذه كانت تختلف في ترددها. على العموم نلمس ظاهرة ارتفاع التردد مع مرور السنين، قبل تثبيت الطبقة القياسية في القرن العشرين على 440 هرتس. وربما لا تتقيد الفرق جميعها بهذه الطبقة فقد تزيد قليلاً عن 440 هرتس لتصل الى 442 أو 443 هرتس.

واستعمال هذه الطبقة هي واحدة من مميزات الأداء التاريخي لموسيقى عصر الباروك لدى مثل هذه الفرق التي تستعمل الأدوات الموسيقية المستعملة في ذلك العصر كذلك، إلى جانب استعمال تقنيات العزف المعروفة وقتها.

نعود الى برنامج الأداء الموسيقي التاريخي في مدرسة جوليارد، فهو يتضمن دراسة معمقة لموسيقى الباروك لنيل شهادة الماستر والدكتوراه في الفنون الموسيقى، مع تركيز على تقديم الحفلات الموسيقية حيث تؤدى الأعمال المعروفة والنادرة على حد سواء. وإلى جانب موسيقى عصر الباروك تؤدي الفرقة كذلك أعمال موتسارت وهايدن، وبيتهوفن كذلك، أي تعبر حتى العصر الكلاسيكي ومدرسة فيينا الأولى. 

قدمت الفرقة العديد من الحفلات في كل قارات الأرض. وقد سنحت الفرصة لحضور حفل أقيم في واحدة من كنائس مدينة لوند السويدية العريقة ضمن جولة الفرقة في المدن السكندنافية قبل أسابيع. وقد بهرني المستوى الراقي لأداء العازفين الشباب واعتيادهم ملاقاة الجمهور. كان الطلبة خليطاً من الأمم، بينهم الأوروبي والياباني والصيني واللاتيني، فمدرسة جوليارد هي مبتغى طلبة الفنون الموسيقية.

قدم طلبة المدرسة الذين أعتبرهم موسيقيين متمرسين وناضجين أعمالاً مختلفة لموسيقيين غير معروفين وأخرين معروفين مثل باخ وابنه كارل فيليب (قدموا عمله سوناتا ثلاثية في دو الصغير، لكمانين ومرافقة بالتشيلو والهاربسيكورد). لكن عمل باخ كونشرتو براندنبورغ رقم 5 كان الحدث الأكبر في كل الحفل، فهذا كا واحداً من أشهر الأعمال المقدمة في هذا الحفل، الفه باخ الشاب ضمن مجموعة من ستة كونشرتات أهداها لمارغراف براندنبورغ. تميز هذا الأداء بالكادنسا (الجزء المنفرد) للهاربسيكورد الذي قدمه العازف الشاب والذي ترجمه بشكل جديد عبر استعمال ديناميكيات صوتية متميزة تنم عن معرفة وثقة بالنفس.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top