بيت (المدى) يستذكر مآثر عبد الرزاق الصافي الوطنية والثقافية

بيت (المدى) يستذكر مآثر عبد الرزاق الصافي الوطنية والثقافية

 بغداد/ محمد جاسم
 عدسة/ محمود رؤوف
كعادته في استذكار الشخصيات الوطنية والقامات الثقافية المؤثرة، التي تركت بصمة واضحة في المشهد الثقافي العراقي، قام "بيت المدى" في شارع المتنبي يوم الجمعة الماضي،

 14 حزيران، باستذكار الشخصية الوطنية والثقافية "عبدالرزاق الصافي" الذي رحل عنا صباح يوم الرابع عشر من أيار الماضي في مستشفى رويال فري هوسبيتال في لندن، بعد إصابته بنزيف في الدماغ لم يمهله طويلاً.

نضاله الوطني وفصله من الكلية 

والفقيد من مواليد حزيران عام 1931 في كربلاء، أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في نفس المدينة، وعمل في النشاط الوطني والديمقراطي في صفوف اتحاد الطلبة العراقي العام في عام1948، وسجل في كلية الحقوق في بغداد، حيث ساهم بالنشاط السياسي للحزب الشيوعي العراقي في الكلية، ما أدى الى الحكم عليه بالسجن لمدة 11 شهراً مع وقف التنفيذ، ثم نفذ عليه الحكم السابق بعد سنتين لانه أخلّ بالتزامه بعدم ممارسة أي نشاط سياسي يخل بالأمن العام، حسب قرار وقف التنفيذ السابق. وعلى إثر الحكم فُصل من الكلية ولم يكمل دراسته، لكنه عاد اليها في العام اللاحق وتمكن من النجاح بدرجة جيد، والطريف انه لم يستطع تسلم شهادة تخرجه ألا في عام 1957. 

مذكرات الصافي

أدار جلسة (المدى) الباحث رفعت عبدالرزاق الذي قال في معرض تقديمه:- إن المناضل عبد الرزاق الصافي رحل بعد حياة حافلة بالنضال والعطاء من أجل الوطن والديمقراطية، ولعل من جميل عطاء الراحل أنه نشر نهاية حياته صفحات من تاريخ نضاله وإسهاماته مع الحزب الشيوعي العراقي داخل وخارج العراق. وتعد هذه المذكرات للصافي من المراجع المهمة لكل من يريد الاطلاع على النضال الوطني العراقي. وأتذكر أن الراحل زار مؤسسة (المدى) عام2010 فسألته كيف توجهت للحركة الشيوعية؟ فردّ قائلاً: أنا في الثانوية اعتقلت بتهمة الشيوعية ولم أكن شيوعياً، ثم التقيت بعدنان البراك المسؤول في الحزب الشيوعي عندما كنا في الكلية، وهو الذي كسبني للحزب.

شخصية متعددة الاهتمامات

أول المتحدثين كان د. رائد فهمي سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي الذي قال :- أشعر بألم كبير يملأ قلبي حزناً على فراق الشخصية الطيبة والإنسان المناضل والشخصية التقدمية "عبدالرزاق الصافي". لقد فقدنا صديقاً عزيزاً واكبنا في رحلة النضال السياسي في الحزب، وأيضاً فقدناه كشخصية إعلامية مرموقة، ربطتني به علاقات عميقة خلال العقود الأخيرة، والحديث عنه صعب أن تتناوله من جانب واحد لأن في شخصيته العديد من مجالات الإبداع السياسي والفكري والثقافي والصحفي والإعلامي. وسأتحدث عنه كإنسان لأنني كنت قريبا منه، فقد كان إنسانا راقياً، دمث الأخلاق، وطيب القلب، رحيماً وفياً لأصدقائه، ومتواضعاً جداً، وعفوياً جداً في سلوكه، ويحب تقديم الخدمة لمن يعرفه، ومتفانياً في عمله، أما الابتسامة فهي عنوانه على محيّاه تكاد لاتفارق وجهه أبداً، ولاينزعج من شيء بالرغم من كل الظروف الصعبة التي يواجهها، لأنه يواجه الأمور بشجاعة وبتعقل.

المناضل الصلب 

أضاف فهمي:-كثيراً ما جمعتنا الجلسات الخاصة والعائلية، وكان لطيفاً وكريماً وصديقاً للأطفال وهو ما لمسته منه بحيث ترك حباً كبيراً في قلوب الأطفال الذين عرفهم، و كان معلّماً للكثير من الأجيال سواء في السياسة او الصحافة او النضال في الحزب، ويستخدم أسلوب السهل الممتنع في الكتابة لإيصال أفكاره للقارئ لأنه كاتب بارع، لايبخل بتقديم ملاحظاته وعونه للكتّاب الجدد وحتى نحن زملاء وأصدقاء الأمس. وأتذكر في عام 1973 ذهبنا كوفد الى مؤتمر اتحاد الطلبة العرب في مصر، وكنت في حينها ببريطانيا ضمن وفد الطلبة العرب هناك، وحضرنا وتناقشنا حول أمور عدة، وحين حدثته عن ذلك قال إن كل ذلك لايفيد، لأنه يجب أن تنشر هذه الأمور علناً لتقرأها الناس وتتعلم منها ومن معطياتها، ويأخذ الحدث أبعاده الصحيحة. لذلك تعلمت من نصيحته أن أوثق كل شيء وأنشره حتى يطلع عليه غيري. لمست فيه صلابة المناضل الذي لايهادن وبإمكانه أن يحتال على الشرطة حين تحاصره للإيقاع به، لاسيما أنه قضى شطراً كبيراً من حياته مطارداً ومسجوناً من قبل السلطات المتعاقبة في العراق. وأتذكر حين كان قيادياً في الخمسينات باتحاد الطلبة العام وكان يحمل ختم الاتحاد في جيبه دائماً، كما شارك في اجتماعات الجبهة الوطنية في العراق، وظل صامداً بعد انفراطها، واعتقال الرفاق الشيوعيين،وبقي يواصل عمله في جريدة (طريق الشعب) رغم المضايقات الكثيرة من السلطة السابقة، حين كان يتملص من الملاحقة بذكاء، الى أن غادر العراق. وحين خرج واصل درب النضال في الصحافة والحزب ونشاطاته المتعددة ووصل الى مستوى عضو المكتب السياسي للحزب. إننا اليوم نتحدث عن نموذج لشخصية وطنية وتقدمية ليس على مستوى الحزب الشيوعي بل كان نموذجاً عاماً لكل الوطنيين، وظل يواصل نشاطه لآخر يوم في حياته حيث كان يعطي ملاحظاته عن الجريدة ونشاطات الحزب، وأذكر له أخيراً دوره في جمع التبرعات للحزب في بريطانيا حيث كان لايكلّ ولايملّ ويتصل بكل المؤسسات من أجل ذلك.

حكّام التغيير تنكروا للصافي

الدكتور علي الرفيعي، رئيس التيار الوطني، قال:- الشخصية الوطنية التي نستذكرها اليوم لم إلتق بها سوى مرة واحدة في مقر الحزب، لن أتكلم عنه إنسانياً لأن صديقنا رائد تحدث مافيه الكفاية عنه، لذا سأتناوله كسياسي وطني. فمنذ انتمائه للحزب ظل مؤمناً وملتزماً بمبادئ النضال الى آخر يوم في حياته، وقد عاش لعقود من الزمن في الغربة، وعانى من تأثيرها كما غيره من المناضلين، وظل وفياً للعراق رغم بعاده عنه، لكن للأسف بعد التغيير في عام2003 لم تفِ السلطات المتعاقبة حق هذا الرجل وغيره من المناضلين الذين ضحوا من أجل الوطن ولم تعطهم حقوقهم. لأن من جاء الى العملية السياسية الجديدة -وانا أتحفظ عليها كثيرا- اهتم بالمحاصصة والاستئثار بالسلطة وتنكروا للمناضلين الحقيقيين ومنهم عبدالرزاق الصافي، حتى مؤسسة السجناء السياسيين لم تعط حقوقاً للشيوعيين المناضلين واقتصرت مزاياها على جماعتهم.

دعوة لإصدار كتب 

عن الراحلين

فيما قال الدكتور هاشم حسن عميد كلية الإعلام:- انحني للقامة الوطنية الصافي، لدوره الوطني والتقدمي. واشعر أننا كلنا دون استثناء ممن انتهج خط الصافي، فهو شهيد يمشي على الأرض، ولاينتظر مكرمة او اشادة من سلطات اليوم (حكومة فاسدة، وبرلمان يتصارع على المناصب) . هذه هي حقيقة العراق اليوم ومن عنده غير ذلك ليثبته على أرض الواقع. وليس غريباً أن يحترق الصافي في ظل هذا الصمت، مثله مثل مئات الدونمات التي تحترق يومياً بلا وازع ضمير او مسؤولية، وكمثل آلاف الأسماك التي نفقت بلا رحمة، وكمثل مئات المرضى الذين يموتون بلا أدوية، لأجل كل هؤلاء نؤبن اليوم فقيدنا عبدالرزاق الصافي. وأحب أن أذكر أن أشد أنواع العذاب للمبدع هي الغربة التي يعيشها في الخارج، والأشد من ذلك الغربة داخل الوطن.

بعده تحدث السيد فاروق فياض، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، فقال انه تعرف على الصافي من خلال ترجمته لكتاب مصطلحات القاموس السياسية. والمرة الثانية عندما التقيت معه في المؤتمر التاسع للحزب وقد شدتني اليه ملاحظاته القيمة في المؤتمر، كما أنني اطلعت على رسائل كان يرسلها الفقيد يقدم فيها ملاحظاته حول مجلة (الثقافة الجديدة) وجريدة طريق الشعب، حيث كان من خلالها نموذجاً للصحفي المتميز الذي يقتدى به جميع الصحفيين. بعدها قدم عدد من المداخلات تحدث أصحابها عن علاقتهم مع الراحل الصافي ومرحلة النضال في حركة الأنصار.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top