سؤال الحب  أم  سيرة الحُب  2-2

سؤال الحب أم سيرة الحُب 2-2

د.علي المرهج

يعرض لنا علي حسن "سيرة الحُب" عبر تلخيصه لسرديات كبار أمثال: دستويفسكي وتورغنيف وساغان وهمنغواي وبلزاك صاحب رواية "إمرأة في الثلاثين"،

وميلر حينما مات حُباً بمارلين مونرو جميلة السينما لسنوات عدَة. لقد عاش ذات الحالة (أريك ريمارك) الذي عشق الفنانة "مارلين ديتريش" وبادلته هي ذات العشق

أو لحظات عشق حُر في حياة الفلاسفة كما هو الحال مع جان جاك روسو ، أو مع سارتر ودي بوفوار. وهكذا الحال مع الشعراء، ومنهم: (أراغون) بعبارته الشهيرة "سوف يخمد كُل ما يتعارض مع الحُب"، و(إيلوار) في أشهر قصائده:

أُحبَك

لأجل كُل النساء اللواتي لم أعرفهن أُحبك

لأجل كُل الأزمنة التي لم أعشها أحبك

لأجل رائحة البحر الواسع ومذاق الخبز الساخن

لأجل الثلج الذي يذوب لأجل الزهور الأولى

لأجل الحيوانات الطاهرة التي لا يُفزعها الإنسان

أُحبك لأجل الحُب

لأجل كُل النساء اللواتي لم أُحبهنَ قط أُحبك

... 

"عندما لا يوجد حب حقيقي، يعيش الناس على السراب"، ولأن الكُتاب الروس يشغلهم تغيير الواقع، فهم غير مشغولين بما هو خيالي، بقدر ما هم مشغولون بصناعة حياة وأدب يُحاكي الواقع ويقترب من الحقيقة.

"دون جوان" (مولير) في مسرحيته "ماجن اشبيلية" تُقدم نوعاً من الخلط بين المجون والحُب، وكان (كازنوفا) صورة دون جوان الواقعية، فهو مَن عشقته أكثر من 125 إمرأة فاتنة نامت في فراش هذا العاشق الماجن. إنه (جنون الحُب).

ويبحث علي حسين عن دون جوان عربي، ليكشف عنها في (مجنون ليلى) لقيس بن الملوح:

ضممتك حتى قُلت ناري قد أُنطفأت

فلم تطف نيراني وزاد وقودها

...

تكاد يدي تندى إذا ما لمستها

وينبتُ في أطرافها الورق النضرُ

وفي نفائس ما كتبه (جميل بُثينة):

يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمت

يتبع صداي صداك بين الأقبرُ

وفي كتاب "طوق الحمامة" لأبي حزم الأندلسي دفاع عن الحُب والهيام، وكلنا يعلمُ أن شعر هؤلاء يُدرج تحت مُسمى "الحُب العذري"، الأمر الذي يجعله بعيداً عن نزوع دون جوان في الحُب الذي يؤسسه وفق علاقات غرامية همَ دون جوان فيها تفريغ طاقته الجنسية المكبوتة.

تناول علي حسين "سيرة الحُب" عند بعض العلماء على رأسهم أينشتاين بشيء من الإيجاز لأنه تخلو من التشويق والمغامرة سوى حبه لميليفيا التي تكبره بسنوات، وقد كانت الحُب عنده حُباً أفلاطونياً يُعنى بعشق الروح والعقل لا الجسد.

ما يُميز كتابة علي حسين في الأدب والفلسفة إنه يتنقل بك، وكأنك تطير على جناح البجعة الذهبية لترى بلاد العجائب، فهو تارة يطير بك بين أزاهير الأدب والفكر الفرنسي، وتارة أخرى يحط رحاله في بساتين الواقعية السحرية التي يرسمها لنا لوحات صوفية وجدانية كُتاب أمريكا اللاتينية، وله جولات في عوالم حدائق سانت بطرس برغ وهندستها التي تستلهم الواقع في جماليات التنافس والصراع الذي ظهر جلياً في كتابات: دستويفسكي وتولستوي وأنطون تشيخوف ومكسيم غوركي الذي سُميت حديقة غنَاء باسمه.

كان للأدباء العرب حصتهم في هذا الكتاب أمثال: توفيق الحكيم: "الحُب قصة لا يجب أن تنتهي" ونجيب محفوظ، فكانت ثلاثيته "بين القصرين" موضوع علي حسين عن "سيرة الحُب" العربي الذي يتحرك وفق نماذج أربعة: "الحُب ـ الشهوة"، "الحُب ـ الشوق"، "الحُب ـ الغريزة"، "الحُب ـ الزهو، أو التفاخر"، وعند نجيب محفوظ يكون "الحُب ـ الشوق" هو ما بنى عليه رؤيته لمسألة الحُب.

أحب طه حسين سوزان الفرنسية وتزوجها، فكتب لها مرة رسالة يقول فيها: "بدونك أشعر أني أعمى حقاً، أما وأنا معك، فإني أتوصل إلى الشعور بكل لاشيء".

كان للعقاد حصة في هذا الكتاب، سواء أ كانت تجاربه العاطفية مع (مي زيادة)، أو روايته (سارة)، فقد كتب العقاد لمي زيادة شعراً يقول فيه:

في حماكم كعبة ترمقها

مُهج منَا وآماق ظماء

عرَف العقاد الحُب بصيغة النفي أو السلب بقوله: "الحُب ليس هو الغريزة، لأن الغريزة لا تعرف الاختيار، والحُب ليس الشهوة، لأن الإنسان قد يشتهي دون أن يُحب، وقد يُحب وتنتهي الشهوة بالقضاء على الحُب..والحُب ليس الصداقة لأن الصداقة تكون أقوى ما تكون بين اثنين من جنس واحد، والحُب لا يأتي بالاختيار لأن الإنسان قد يُحب قبل أن يشعر بأنه يُحب ودون أن يُفكر بالاختيار والانتقاء..والحُب ليس الرحمة لأن المُحب قد يكون قاسياً مع حبيبه عامداً أو غير عامد، وقد يقبل منه العذاب مع الاقتراب ولا يقبل الرحمة مع الفراق".

كان جبران خليل جبران يُخاطب حبيبته بالقول:"يداك الإلهيتان وهبتاني الحياة الفُضلى"، "والحُب في الروح لا في الجسم نعرفه، كالخمر للوحي لا للسكر ينعصرُ"، وكأن جبران خليل جبران يتفق مع هنريك أبسن حينما يقول عن الحُب بأنه: "هو حُب الجمال، ولا يُمكن قصره على الحُب الجسدي".

غاب الأدباء والكتاب والفنانون العراقيون عن تدوين "سيرة الحُب" التي رسم معالمها علي حسين في كتابه، ولم يحضر منهم سوى الفنان جواد سليم الذي يعيش الحُب بنظرة أفلاطونية، ولا أعرف لماذا لم يحضر في كتاباته الجواهري الذي عاش قصص الحُب وكتب عنها شعراً؟!. 

"الحُب مثل الحصبة، يُخلف آثاراً لا تُمحى" هكذا رأت إيزابيل الليندي الحُب وأفاعيله على مرَ الزمان، مؤكدة على أن "استدامة الحُب تعتمد إلى حد كبير على المرأة".

مُلخص القول الذي يصل له علي حسين مُتفقاً مع أريك فروم وهو أن "الحُب ما هو إلا فن، تماماً كما الحياة، فإذا أردنا أن نتعلم كيف نُحب، فعلينا أن نتخذ نفس الخطوات التي يجب علينا اتخاذها إذا أردنا أن نتعلم أي نوع آخر من الفنون". 

في الحُب تجارب وقد كان كتاب علي حسين مُكرساً لها، وعن الحُب تصورات عما يُمكن تسميته "الحُب المثالي" الذي يعيشه الشخص تأملاً أو تصوراً في مُخيلته، وربما يطرحه في كتاباته، وكان هذا النع من الحُب هو الأقل حضوراً في كتاب "سؤال الحُب". الحُب تجربتان، تجربة عُذرية أو روحية وتلك أسمى وأرقى، وتجربة جسدية، وتلك أقل سمواً حسب التصور الرومانسي المثالي للُحب، ولا أعرف هل هُناك حُب يجمع الإحساس بالتجربتين معاً، هو عشق للجسد وهيام في روح المحبوب بعد مُلامسة وعناق؟!.

الحديث في كتاب علي حسين يدور حول حُب الرجل للمرأة، وهناك حُب المرء لنفسه، وحُب الإنسان للرب، أو ما يُسمى بـ "العشق الإلهي"، وحُب الإنسان للعلم والعلماء، وحُب الإنسان للعمل، وتلك ما أعتقد أنها مهمة "سؤال الحُب" لفك الترابط بينها وتفسير أسبابها وتمييز بعضها عن بعض، أو العمل على ايجاد نقاط الشبه والاختلاف ما بينها جميعاً وبين حُب الرجل للمرأة أو المرأة للرجل، وهذا موضوع أحق أن يُكتب عنه، فلم يتناول علي حسين من موضوعة حُب المرأة للرجل سيرة وكتابة في سرد سوى القليل منه!. 

إن ما طرحه علي حسين في كتابه (سؤال الحُب) لم يكُن حفراً في أسبابه ومُسبباته، بقدر ما كان "سيرة للحُب" على ألسنة المشاهير في الأدب والفكر، لأن "الحياة هي الحُب، والحُب هو الحياة" وتلك عبارة من الفكر الهندي الذي لا ينظر للحُب بوصفه سؤالاً لأن في السؤال بحثاً عن مُشكل يحتاج لحل وتلك مهمة الفلسفة، ولكن المُحبين والعاشقين لا يخوضون غمار الأشكلة التي تقتضيها الأسئلة، إنما الحُب عندهم دروب يسلكها العاشقون خارج لتلتقي فيها النفوس أو الأرواح من دون بحث عن الأسباب. إذن ما كتبه علي حسين ليس سؤالاً عن الحُب، إنما هو دفاع عنه على قاعدة "عذلت أهل العشق حتى ذقته..فعجبتُ كيف يموتُ من لا يعشقُ".

الحُب في الفلسفة سؤال عن أسبابه للوصول لتفسير مقبول لهذه المُشكلة التي يعدها بعض الفلاسفة مُشكلة فلسفية، لأن الكثير منهم لم يشتغل عليها بوصفها تماثل وتقارب روحي على قاعدة التجاذب الذي لا مقبولية عقلانية له بقدر مقبوليته الوجدانية، لذلك نجد كتاب علي حسين يخلو من تناول موضوعة الحُب بوصفها سؤال وهذا ما يتطلبه عنوان الكتاب، أظن لأنه لم يجد من تناول مشكلة الحُب ولا عاش قصة حُب أثيرة، سوى القليل منهم مثل أريك فروم تناولها كمشكلة، وسارتر تناولها كمشكلة وعاشها كحياة، ونيتشه رفضها من الأصل وقال عن الحُب بأنه "فقر الروح الذي يتشارك فيه اثنان"، ولربما توافق برناردشو مع هذا الرأي بقوله:"إن علاقة المرأة والرجل هي علاقة رجل الشرطة بالسجين الذي يُمسك به"، وهؤلاء الفلاسفة وجدوا لهم أمكنة في الكتاب تطول أو تقصر.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top