مأزق المشروع الإخواني بعد رحيل مرسي | 3 |

آراء وأفكار 2019/06/22 07:55:39 م

مأزق المشروع الإخواني بعد رحيل مرسي | 3 |

 د. حسين الهنداوي

3- توصيف متهافت للدولة غير الإخوانية

يمكن عد المفكر المصري الراحل، سيد قطب، بمثابة أكبر منظري حركة الإخوان المسلمين، إن لم يكن الأكبر في العصر الحديث، نظراً لأهمية أفكاره السياسية وجرأتها،

ولا سيما فيما يتعلق بمفهوم (الدولة الفاسدة)، والمقصود بها الدولة القمعية الناصرية، التي بدت له أنموذجاً للدولة غير الدينية. ولعل قراءة تحليلية لأبرز مؤلفاته، (في ظلال القرآن)، ضرورية لتكوين فهم أعمق للجوانب المختلفة لمنظوره في هذا الشأن، ففي هذا المؤلف، المتعدد الأجزاء، حاول أن يقدم تفسيراً معاصراً للقرآن، لكن هذا التفسير يختلف عن التفسيرات التقليدية، التي عرفها العالم الاسلامي، منذ أولى المؤلفات التي وضعت في هذا الميدان، إذ تسعى محاولة سيد قطب إلى استيعاب مبتكر وحديث للمنظور القرآني، تمهيداً للتحكم به وتوجيهه في قناة تخدم الدعوة إلى تجسيد أفكار القرآن في حركة سياسية معاصرة، تسعى صراحة إلى إعلان الثورة الإسلامية، وإعطاء المثال القرآني للدولة والمجتمع دفعة الوجود الفعلي.

يركز سيد قطب، في تفسيره، ويطيل التوقف عند بعض السور والآيات القرآنية، بالقدر الذي يجعل من ذلك التركيز والتوقف، أو بالأحرى، تلك السور، تعبيراً عن الحاجة الى (بعث المثال الاسلامي) في الحياة الاجتماعية والسياسية، أي الى تحققه، مطوراً منظوراً فكرياً خاصاً ممكن المقارنة، كما يرى الباحث الفرنسي اوليفيه كارا في كتابه المبكر والمهم جدا (قراءة ثورية للقرآن من قبل سيد قطب)، الصادر بالفرنسية سنة 1984، بمنظورات (البعث الاسلامي) الحديثة الأخرى، ولا سيما المنظور الذي طرحه محمد عبده وتلميذه رشيد رضا في مطلع القرن العشرين، وأيضاً المنظور الذي طرحته حركة البعث كما نجده في كتابات زكي الارسوزي وميشيل عفلق، وحتى مع المنظور العقلاني الذي دافع عنه الجزائري محمد آركون في بعض كتاباته المتأخرة. وهذا الرأي يتطلب وقفة متعمقة، لا عند النصوص وحدها، إنما أيضاً عند بعض أحداث حياة سيد قطب التي تساعدنا في الوصول الى فهم أفضل للنصوص ولاسيما موته شهيداً لفكره، حيث أعدمه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بعد أن أودعه فترة طويلة في السجن، تعرض خلالها الى التعذيب القاسي من قبل جلاوزة النظام الناصري من جهة، والى المرض العضال من جهة أخرى.

النصوص المعنية هنا لا تقتصر على كتاب (في ظلال القرآن) وحده من بين العديد من مؤلفات سيد قطب، بل فقط على مقتطفات منه، وهي تلك التي نشرت في كتيب أطلق عليه (معالم على الطريق)، الذي عدته اجهزة المخابرات المصرية (دليلا قاطعاً) على تخطيطه لمؤامرة تستهدف حياة عبد الناصر نفسه وكبار مساعديه، ولتذهب بعدئذ الى إصدار حكم الإعدام على سيد قطب قبل أن تعمد الى إعدامه فعلاً في اواسط عام 1966. وتلك المقتطفات (المؤامرة) التي حملته الى (منصة الشهادة) في نظر أنصاره هي في رأيهم ايضا مجرد مقتطفات من تفسيره للقرآن. والحال إن (في ظلال القرآن) هو تفسير بلا شك، لكنه تفسير غير ديني للقرآن. وهذا ما يفسر برأينا الحماسة الخاصة التي تظهرها وتدعو لها بشأنها الحركات الجهادية الاسلاموية اليوم، ليس فقط في مصر وحدها، إنما أيضاً في مجمل العالمين العربي والإسلامي سواء في تركيا أو ايران أو افغانستان أو الهند او افريقيا الاسلامية أو سوريا أو بلدان المغرب العربي. وفي الواقع، فانه تفسير غير تقليدي حتى بالنسبة لحركة الإخوان المسلمين الرسمية. وبالفعل فان التيار الرسمي في هذه الحركة أعلن على لسان الهضيبي ومنذ 1969 رفض (في ظلال القرآن) على أساس إنه تيار منشق وخارج على الخط العام للحركة، غير إن هذا الموقف لم يؤثر بشيء على نفوذ وقدسية سيد قطب وسطوة أفكاره وصدى الهجمات التي يحملها في مؤلفه (في ظلال القرآن) على الاسلام الشعبوي، والتي تلتقي بشكل عميق من جهة مع أفكار مماثلة لقادة إسلاميين في غير مصر، في مقدمتهم أبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن الندوي، وكلاهما من القارة الهندية. إن نقطة اللقاء بين رشيد رضا وسيد قطب هي عودتهما معاً الى أفكار الفقيه الاسلامي ابن تيمية المتمحورة حول تيار يهدف الى نقل الفكر الاسلامي الى الحياة السياسية وبشكل نشط. وبالطبع هناك حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في 1928، الذي يقف بين رشيد رضا وسيد قطب لكن على الارضية الفكرية نفسها التي تقف عليها الجماعة المذكورة، غير ان هذا لا يجب ان يقودنا الى أن نعتبر حسن البنا أو سيد قطب بمنزلة مفكري (الارهاب الاسلامي) كما يشيع البعض من اسلاميين وحكومات انطلاقا من كونهما بالفعل أكبر الايديولوجيين للجماعة، ويحظيان بتقديس خاص لدى الأجنحة المتطرّفة منها. اننا في المقابل، نقول انهما يمثلان بلا ادنى شك، تياراً يعكس بشكل عميق ومتين، موقف المعارضة الاسلامية المتطرفة ضد طرز الانظمة السياسية التي تعتمد النظام الناصري انموذجاً لها في العالم الإسلامي، مطالبة بصراحة وثقة وجد بالعودة الى القرآن لإدراك وتحقيق منظوره السياسي، باعتباره المنظور المثالي للمجتمع الاسلامي بنظرهم. وهذا الموقف إجمالاً تعكسه افكار (في ظلال القرآن) بشكل جلي، حيث يقوم سيد قطب فيه بطرحها بصيغة لامعة ومتينة معززاً اياه بتجربة سياسية خاصة مثيرة ومتعددة الفصول إضافة الى ما تنطوي عليه من معاناة انسانية جسيمة، فلقد ولد سيد قطب في عام 1906 قرب مدينة اسيوط في عائلة فقيرة شجعته على الاندفاع في التحصيل الدراسي، فدخل دار العلوم ليتخرج منها معلماً، مثلما حصل لرشيد رضا وحسن البنا بالفعل. وفي دار العلوم هذه بدأ تعاطفه وعلاقاته مع حركة الإخوان، لكنه اتجه أولاً الى بناء رصيد ادبي من خلال ارتباطه بعلاقات طيبة مع عباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم بل شاركهم موقفهم النقدي ضد طه حسين. في تلك الفترة لم تكن له نشاطات إسلامية سياسية مهمة، إذ انصب نشاطه السياسي في الاربعينيات في إطار (حزب السعادة)، وهو تيار منشق عن حزب الوفد الوطني المصري. أما كتاباته فقد تركزت في ميدان النقد الادبي واهتمت بشكل خاص بالطالبع الجمالي غير الملتزم، ثم ذهب الى الولايات المتحدة الاميركية، بين 1949 و1951، للحصول على تعليمه العالي، وفي تلك الفترة بالذات تبلورت اتجاهاته الاسلامية ليتوجها عام 1951 بإصدار أول كتاب اسلامي له وهو (العدالة الاجتماعية في الإسلام) حاول فيه سيد قطب أن يسهم من موقع اسلامي، في النقاش الدائر في مصر آنذاك، حول الاشتراكية والاصلاح الزراعي والمجتمع المصري المقبل.

بعد ذلك الكتاب مباشرة، بدأ سيد قطب يبرز بشكل سريع كمفكر نشيط في إطار حركة الإخوان. في البداية وطوال عام 1951 راح يكتب كمتعاطف في مجلة "الدعوة" التي تصدرها الحركة، ثم سرعان ما أصبح عضواً في جمعية الإخوان المسلمين، لكن ليس عضواً عادياً كالآخرين، إنما عيّن مباشرة عضو في مكتب الارشاد، ثم مسؤولاً عن الجهاز الدعائي للحركة في آواخر العام نفسه، ليشارك بشكل فعال من موقعه ذاك في التحضير لتفجير انقلاب أو ثورة يوليو 1952 التي حملت الضابط المغمور جمال عبد الناصر الى رئاسة الدولة المصرية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top