الحجاب.. وجهات نظر مختلفة

آراء وأفكار 2019/06/25 06:37:31 م

الحجاب.. وجهات نظر مختلفة

هادي عزيز علي

- القسم الثالث -

احتل الحجاب مساحة واسعة من التناول فضلاً عن مساحته الواسعة زمنياً. دخل فيه فقهاء مسلمون تقليديون وسلفيون فضلاً عن كتب التفاسير مع طغيان الرؤية الذكورية لمتناوليه .

وعلى الرغم من كثرة ما كتب فيه إلا إننا لم نجد إضافات نوعية يمكن أن ترتقي بهذا الموضوع انطلاقاً من حركة الزمن وملازمة التغيير . الملفت للنظر إنَّ هذا المرورث بزمنه الطويل جعله يتحول إلى المقدس ويأثم مَنْ يحاول تغييره . وقد قيدت تلك الآراء حركة المرأة وحريتها ؛ ونظراً لانَّ الكثير من الآراء الواردة فيه قد طالها التقادم أو إنَّها لا تنسجم والأحكام الشرعية سواء ما ورد أحكامه في القرآن الكريم أو السنة النبوية المتواترة فقد ظهرت محاولات عديدة لإيجاد قراءة معاصرة لهذا الموضوع من قبل رجال دين أو مفكرين إسلاميين أو مفكرين من علوم أخرى من أجل إجراء مقاربة بين هذا الموضوع ومدى تماهيه أو بعده عن الأحكام الشرعية ، نحاول هنا الوقوف على تلك الآراء التي اجتهد بها أصحابها ، مع الاختصار لمقولاتهم – ليس بالاختصار المخل – بغية وصول المعلومة إلى المتلقي بسهولة ، ومن ثم نبَّين قراءتنا لتلك المقولات والنتيجة المتوخاة لتلك القراءة وعلى الوجه الاتي:

الحجاب عند ألفت يوسف

تقرأ ألفت يوسف الأية 41 من سورة النور: (وَقُل للمؤمِنَاتِ يَغْضُضْنَ ..) ، وتقول إنَّ القرآن أمر الرجل والمرأة بغض البصر. وتضيف أنَّ من آداب الجاهليين عدم النظر بسوء إلى البنات والنساء وعدم تركيز النظر عليهن. ودعيت المرأة على عدم التشبه بالرجل وإلى إخفاء زينتها إلا ما ظهر منها على غير المحارم من الرجال باستثناء ما ملكت يمينها. وقد حدد القرآن إخفاء المرأة زينتها بضرب الخمور على الجيوب وعدم الضرب بالأرجل لإبراز الزينة وبأدناء الجلابيب.

ومعلوم أنَّ مسألة الزينة الظاهرة قد أولت تأويلات مختلفة من قبل المفسرين واصطلح عليها بمسألة الحجاب. ومعلوم أنَّه في الجاهلية لم يكن بين رجال العرب ونسائها حجاب ولم يزل الرجال يتحدثون مع النساء في الجاهلية والإسلام حتى ضرب الحجاب على أزواج النبي خاصَّة التي أشار لها الجاحظ في (كتاب القيان) . إذ تاكد تخصيص نساء النبي بالحجب وأنَّهن المقصودات بتلك الآية، إذ ذهب بعض المؤمنين إلى أنَّ الرسول يعدّ صفية من أمّهات المؤمنين إذا حجبها وبعدّها أمة إذا لم يحجبها .

وترى الباحثة أنَّ ورود الزينة في القرآن جاء على وجه العموم وتطبيقاً لهذا النص القرآني من قبل الرسول فقد حدّد بعضه وأجاز البعض كما في إجازته للمرأة لبس الحرير ، وهي تستند في طرح هذا الموضوع إلى صحيح مسلم وعلى الرغم من أنَّ الحرير كان من ملابس الجاهليات إلا أنَّ الرسول تصدى إلى النساء الكاسيات العاريات المميلات الماثلات اللاتي رؤوسهن كأسنمة البخت باتخاذ العمائم والعصائب من أهل النار ؛ وبذلك يكون قد خالف ما كانت عليه المرأة في الجاهلية (تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط الجانبين والثياب الرقاق ولا تواري بدنها وتعمد إلى الوشم والنماص ووصل شعرها وبرد ما بين الثنايا والربعيات لتجميلها .

ما قاله قاسم أمين

تخفيف الحجاب بالنسبة له لا يعني تقليد الأمم الغريبة بقدر ما هي رغبة للعودة إلى أحكام الشريعة ولسنا في مجال استحسان أمر واستقباح آخر بل الأمر يتعلق باستقامة حق المرأة به. يجب أن ننظر كيف تقدّم الناس وتأخرنا كيف تقووا وضعفنا كيف سُعِدوا وشقينا ، إذ يجب علينا انتقاء الفعل والأخذ بأفضله.

يولي الكاتب موضوع الحجاب أهمية كبيرة لما شغله من اهتمام لمختلف فئات الأمة ولاختلاف الآراء فيه والموقف منه باعتباره فرضاً شرعياً أو منتجاً اجتماعياً ولما يتمتع به من فكر بين أقرانه في عصره لذا فهو يقول: فإذا ترك المرء نفسه لعواطفه واستسلم إلى عوائده، فإذا تبين له أنَّ الحجاب مظهر حسن؛ وذلك بسبب ألفته له منذ الصغر ولكونه نشأ عليه بين المحجبات وعاش معهن حتى صار ذلك عادة مألوفة فضلاً عن كونه قد ورث ذلك عن آبائه وأجداده فهو والحالة هذه لا يستغربه بل يميل إليه غريزياً بسبب تآلفه معه منذ الطفولة ولا دخل للعقل في هذه القناعة إنَّما هو مجرد ميل غريزي كما سلف . ولكن إذا نزع تلك العواطف عن نفسه وخلع ما ألبسه أسلافه من أردية هيمنت عليه بالوراثة وبحث المسألة من كلّ جوانبها بالعقل وشكل ملاحظاته الشخصية عن طريق التجربة لا الغريزة . وأوجد قناعة أخرى رجحها بناء على تلك القناعة واستناداً لذلك يرى أنَّ المرأة لا تكن ولا يمكن أن تكون وجوداً تاماً إلا إذا ملكت نفسها وتمتعت بحريتها الممنوحة لها بمقتضى الشرع والفطرة معاً ونمت ملكاتها إلى أقصى درجة يمكنها أن تبلغها ، ويرى أنَّ الحجاب على ما ألفناه مانع عظيم يحول بين المرأة وارتقائها، وبذلك يحول دون الأمة وتقدمها .

من أسباب ضعف الأمم يعزى إلى حرمان المرأة من أعمال النساء، إذ إنَّ تربية الطفل لا تصلح إلا إذا كانت المرأة متربية تربية مؤهلة لتربية الأطفال، فالأطفال لا يملكون الصحَّة ولا الملكة ولا العقل ولا العاطفة إلا عن طريقين: الوراثة والتربية ، وأنَّه يرث من أمّه قدر ما يرث من والده على الأقل وانَّ تأثير الأمر في تربية الأم نفسها لا يمكن أن تتم إذا استمر حجاب النساء على ما هو عليه.

إذا أخذنا بنتاً وعلّمناها كلّ ما يتعلمه الصبي في المدارس الابتدائية وربيناها على أخلاق حميدة ثمَّ قصرناها في البيت ومنعناها من مخالطة الرجال، فلا شكّ في أنَّها تنسى بالتدرج ما تعلمته وتتغير أخلاقها من دون شعور منها وفي زمن قليل لا نجد فرقاً بينها وبين أخرى لم تتعلم أصلاً ، لأنَّ المعارف التي يكتسبها الإنسان وهو في سنّ الصبا لا يحيط بدقائقها ومنشأها ؛ وحيث إنَّ السنّ الذي تذهب إليه البنت للتحجب هو بين الثانية عشرة والرابعة عشرة من العمر، وهو السنّ الذي يبتدئ فيه الانتقال من الصبا إلى المراحل اللاحقة التي تلجأ إليه المرأة كما الرجل إلى اختبار العالم والبحث في الحياة من أجل ظهور الملكات والميول والوجدانيات ، وهو السن أيضاً الذي يتعلم فيه الإنسان نوعاً آخر من العلم يختلف عمَّا تعلمه في المدرسة وهو علم الحياة وطريقة حصوله عليه نتيجة للاختلاط بين الناس، فإن حجبت فيه الفتاة انقطعت عن العالم بعد أن كانت المواصلة بينهما مستمرة ووقف نموها.

إنَّ الرغبة في اكتساب العلم والتشوق لاستطلاع ما عليه الناس في أحوالهم وأعمالهم وحبّ الاستكشاف والحقائق وكلّ ما يستميل النفس إلى المطالعة والدرس لا يتوفر للمرأة مع حجابها؛ ذلك لأنَّ الحجاب يحبس المرأة في دائرة ضيقة فلا ترى ولا تسمع ولا تعرف إلا ما يقع فيها من سفاسف الحوادث ويحول بينها وبين العالم الحي، وهو عالم الفكر والحركة والعمل فلا يصل إليها منه شيء وإن وصل إليها بعضه فلا يصل إلا محرفاً مقلوباً ، أمَّا إذا استمرت المواصلات بينها وبين العالم الخارجي فإنها تكتسب بالنظر في حوادثه وتجربة ما يقع فيه من معارف غزيرة تنبت فيها من المخالطات والمعاشرات والمشاهدة والسماع ومشاركة العالم في جميع مظاهر الحياة.

أمَّا إذا افترضنا أنَّ المرأة يمكنها في احتجابها أن تستكمل ما نقص في علم أو أدب من خلال قراءة الكتب، فمن البديهي أن ما تحصله من قراءة الكتب يعدّ من قبيل الخيالات غير المقترنة بالتجربة ولو عاملنا أخوتها الصبيان كما نعاملها وحجبناهم في البيوت حتى بلغوا سنّ الخامسة عشرة لكانت النتيجة واحدة... ذلك لأنَّ الضرر في الحجاب عظيم وهو ضياع ما كسبته بالتعليم وحرمانهم من الترقي في مستقبل العمر. 

أمَّا ما يقال أنَّ الحجاب موجب للعفة وعدمه موجب للفساد، فإنَّه قول لا يمكن الاستدلال عليه؛ لأنَّه لم يقم أحد بإحصاء عام يمكن أن يعرف به عدد وقائع الفحش في البلاد التي تعيش فيها النساء تحت الحجاب وفي البلاد الأخرى التي تتمتع فيها النساء بحريتهن ولو فرض وقوع هذا الإحصاء لما قام دليلاً على الإثبات أو النفي في المسألة ؛ لأنَّ ازدياد الفساد أو نقصه في بلد ما يرتبط بأمور كثيرة ليس الحجاب من ضمنها .

الطاهر حداد

ما أشبه ما تضع المرأة من النقاب على وجهها متعاً للفجور بما يوضع من كمامة على فم الكلاب كي لا تعضّ المارين وما أقبح ما توحي به إلى قلب الفتاة وضميرها ، إذ نعلن أتهامها وعدم الثقة إلا في الحواجز المادية التي تقيمها عليها ونلزمها هي الأخرى أيضاً أن تقتنع بما قررنا راضية بضعفها إلى هذا الحدّ موقنة بخلودها الآني من أصل تكوينها وليس عند هذا الحدّ وقفنا بل قد كان هذا النوع من الحجاب رخصة لخروجها من منزلها تقدر بقدر الضرورة الموجبة للخروج كموت الأقارب ومرضهم وما شابه ذلك في الأهمية ، ولو اننا كنا نتأمل ملياً نتائج هذا الضعف الذي نغذيها به في حياتها وحياة المنزل وأبنائها والعائلة والشعب جميعاً لأدركنا جلياً إننا نهيئ شقاءنا وشقاء بيوتنا بانفسنا. 

إنَّ للحجاب تاريخاً طويلاً في القبائل والأمم التي صنعته حتى بين المرأة ومحارمها كأبيها وأخيها الكبير في قرى كثيرة بل حتى بين الرجال أنفسهم أيضاً في قبائل الملثمين إلى اليوم ولكن الذي يعنينا من هذا السوء . فلننظر إلى ما أحدث من نتائج في حياتنا الحاضرة ، فالحجاب عادة في المدن وبعض القرى . أمَّا باديتنا على العموم فهي سافرة على الفطرة غير أني كلما فكرت في أمر الحجاب لا أرى فيه إلا أنَّه أنانيتنا المحجبة بالشعور الديني كحصن تعتز به على المخالفين لا سيما إذا رأينا أنَّ هذا الشعور يتضاءل حتى يكاد يفنى فيما لا يتعلق به غرضنا وهوانا . 

إنَّ الحجاب قد كان أعظم حائل بين الرجل والمرأة في اختيار كلّ منهما للآخر عند إرادة الزواج وهما بذلك لا يمكن أن يحققا تقارب الميول بينهما والصفات اللازمة للنجاح في هذا الزواج وليس لهما إلا أن يعتمدا على آراء الراغبين فيه أو عنه ممَّن لا يتحملون تكاليفها وينتفعون بمزاياه، وقد تكون لهم أغراض خاصة أو شخصية لمنفعتهم في إبرامه أو عدمه لا يظهرونها فيصبح أمره معلقاً على البخت في اتفاق الميول أو تنافرها على أنَّه كثيراً ما وقعت المغالطة من أهل المرأة في عين الزوجة المخطوبة والمعقود عليها اعتماداً على عدم معرفة الزوج المنقطع الأهل لعينها من قبل . وقد تقدمت من ذلك عدَّة قضايا لدى المحاكم الشرعية.

إنَّ الحجاب قد أوجد للرجال حياة خاصَّة خارج المنزل لا تعرفها النساء في المقهى وفي الملهى وفي المطعم حيث تصرف الأموال الكثيرة في غير واجب ولا حقّ ، يموت الكثير من البيوت بمن فيها من النساء والذرية بفقد المواد الضرورية للمعاش اليومي؛ لأنَّ رجال هذه البيوت يلزمهم أن ينفقوا ما يكون أو يحصل بأيديهم من المال في الفجور والسكر والميسر وكلّ ما ما يجلب الترفيه والتسلية في حياتهم المنفصلة تماماً عن أزواجهم وما جراها على هذا إلا أنفرادهم بأنفسهم في احتجاب المرأة وعزلتها عن رؤية الحياة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top