دراسة حال ما بعد الحروب ( توجه صانع القرار)

آراء وأفكار 2019/06/29 07:37:45 م

دراسة حال ما بعد الحروب ( توجه صانع القرار)

 د. أثير ناظم الجاسور

من الضروري لابل واحدة من بديهيات صانع القرار أن يكون قد قرأ التاريخ على الأقل بشكل واضح والإفادة من التجارب الحاصلة طيلة المسيرة التاريخية سواء في بيئته التي تحتضنه أو تلك التجارب التي جعلت من كثير من الأمم تنطلق للقمة وأخرى تنزل إلى القاع،

فعلى سبيل المثال نأخذ التجربة الألمانية بعد الحرب الباردة من خلال قيام صناع القرار هناك في دراسة الحالة الألمانية والآثار المترتبة نتيجة السياسات التي جعلت منها شطرين متضادين، لم يحاول صانع القرار الألماني أن يعلو شأنه في إحياء فكرة العنصر الجرماني ولا الدعوة لأحياء فكرة الرايخ الرابع بل انصب جُل اهتمام صناع القرار في ايجاد سُبل لملمة ألمانية الموحدة التي توجت في وحدة الشطرين الغربي والشرقي عام 1990 بالرغم من علم المخططين من الفارق واضح بين الألمانيتين على أقل تقدير في الجوانب الاقتصادية بسبب الخلل الذي يعانيه اقتصاد ألمانية الشرقية، إلى جانب حدوث أزمات اقتصادية واجتماعية إلى جانب البطالة وعملية الهجرة من الشرقية إلى الغربية لإيجاد فرص عمل، لكن هذا لم يمنع القادة الألمان من يكونوا على قدر المسؤولية من خلال العمل المتواصل من أن تكون المانيا رقماً مهماً في المعادلتين الأوروبية والدولية، وهذا الإصرار جاء من قدرة القائد أو المخطط على الإفادة من دروس التاريخ وتوظيف كل ما هو سلبي وتحويله لحالة إيجابية، في يوم إعلان الوحدة بين الشطرين الغربي والشرقي أكد المستشار الالماني " هلموت كول" بالقول " لن ينطلق من الاراضي الألمانية مستقبلاً سوى السلام" وعملت السياسة الالمانية على تأكيد روح المشاركة وتوازن المصالح والالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات، واتبعت سياسة داخلية انتجت مجموعة من القوانين والضوابط التي نظمت بدورها المواطن الالماني وحتى المهاجر لها، واليوم المانيا أصبحت قوة اوروبية ودولية لها حساباتها ودورها الفاعل في صياغة سياسات جديدة ولها قوة اقتصادية وسياسية ترشحها أن تلعب دوراً مهماً في الساحة العالمية، وهذا نتج عن فهم التاريخ والتخلص من عقد الماضي والعمل وفق قوانين علمية ومنطقية.

لم تكن التجربة الألمانية هي الوحيدة لكنها تندرج ضمن مجموعة من التجارب التي كان من الضروري الإفادة منها على الأقل في وضع خطط لعملية ادارة الدولة والسير وفق منطلقات المصلحة العامة، فالدولة حتى تكون فاعلاً مهماً عليها أن تسيطر قدر الإمكان على علمية التوازن بين السياسة الداخلية والخارجية على اعتبار أن الاولى تؤثر بشكل وكبير على الثانية لما تدفع من قرارات قد يكون لها وقع عظيم عليها، السياسي الناجح لا يؤجل مهامه مهما كانت صغيرة ولا يصنف علاقته وفق انتماءاته وتبنياته ولا يسير ضمن اجندات قد تضر بوضعه الداخل واملاءات تسبب قصور في العمل، فكل الازمات التي تمر على الدول في فترات ما بعد الحروب تحتاج إلى نضوج فكري وتصور واضح للبيئتين الدولية والاقليمية من قبل صانع القرار إلى جانب خلق بيئة صحية للعمل فالعمل الاقتصادي يحتاج إلى خبراء بالاقتصاد والاجتماعي لخبراء في الاجتماع والسياسي وكل المجالات التي تعمل على لملمة شتات الدولة ما بعد الحروب، وهذا يأتي من خلال دراسة مخرجات التاريخ لكل الأحداث التي مرّت بها الدولة والعمل على توظيفها بشكل سليم لتجنب الفوضى والتيه والحواجز والتحديات التي من الطبيعي ان تكون موجودة لا بل ترافق عمل الدولة داخلياً وخارجياً وابعاد الدولة عن التجاذبات وسياسات المحاور التي بدورها تضعف قدرة الدولة على أن تكون على الاقل فاعلاً دبلوماسياً في حل القضايا التي تراها مضرة للمصلحة في حال تفاقمها، وهذا كله ينبع من الخبرة والقدرة التي يتمتع بها صانع القرار ومقدار فهمه للأحداث والتعامل معها وفق ضوابط تشاركية متوازنة تؤمن لجميع المواطنين ان الدولة قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية التي تدخل في صلب حياتهم اليومية وتضمن سلامة مسيرة عمل الدولة في مختلف المجالات. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top