بيت (المدى) يؤبّن الشاعر الذي رأى.. فوزي كريم

بيت (المدى) يؤبّن الشاعر الذي رأى.. فوزي كريم

 بغداد/ محمد جاسم

 عدسة/ محمود رؤوف

"بيت المدى" في شارع المتنبي أبّن قامة شعرية وأدبية غادرت دنيانا مؤخراً الى جانب قامات شاهقة أخرى من المبدعين الكبار،

 

إذ أقام جلسة خاصة مفعمة بالإيثار والوفاء للشاعر والتشكيلي والموسيقي "فوزي كريم". قدم للجلسة الشاعر والناقد"علي الفواز".

بعيداً عن الضجيج وحب الظهور..

قال عنه رئيس "مؤسسة المدى للثقافة والفنون" فخري كريم: "فوزي لم يختر الغربة لحماية انتماء سياسي أو حزبي، بل كانت غربته مثل عشرات المبدعين، إن لم يكونوا المئات، ممن آثروا اختيار الغربة القسرية، ليظل أفقهم الإبداعي مفتوحاً على مشارفها الإنسانية، مشدوداً الى همّ الأكثرية الصامتة التي لم تجد سبيلاً للحفاظ على كرامتها، ما يمكن من سويّتها الإنسانية، سوى الركون لصمت حزين مدمى في وطن مسلوب الإرادة. فوزي كريم مثل العشرات من أقرانه المبدعين، لم يكن حزبياً، لكنه كان متحزّباً لهمّه الوطني، لكل أسىً وغياب وتراجع للأمل في استعادة فرص النجاة والإمساك بخيط المرتجى، الذي يضيع مع كل إشراقة شمس جديدة. فوزي لم يكن مدّعياً رغم تعدد ميادين إبداعه شعراً ونثراً وترجمة وشغفاً بالموسيقى والرسم انشداداً لمباهج الحياة. وبالرغم من إنجازة الثقافي المتدفق ظل بمنأى عن ضجيج حب الظهور وافتعال المعارك لتأكيد حضوره. كان الصمت رفيقاً أليفاً له حيثما أمكن ذلك."

ارتبط بالبيان الشعري

وقال الشاعر والناقدعلي الفواز:- "فوزي كريم غادرنا جسداً لكنه يبقى بيننا بروحه المشاكِسة وأحلامه الشعرية، وبرغبته الحميمة في أن يكون الشعر متجدداً. ولم يكن اسماً عابراً في ثقافتنا الشعرية، اسمه ومنجزه ارتبطا بعلامات مهمة في الثقافة العراقية، وتجربته ارتبطت بالتجربة الستينية وأسئلة المغايرة والوعي والتجديد والبحث عن المختلف وكسر نمط الكتابة آنذاك. كما ارتبطت تجربته بالبيان الشعري، ورغم ما قيل من ملاحظات عنه، يظل بياناً شعرياً مفصلياً مهماً حرّك الراكد والتجديد، تميّز بالاكتشاف والتقويم لجيل الستينات. كما ارتبطت هواجسه بالناحية الوطنية والإحساس بما يهدد الوطن من مصاعب. وظل يعاني رعب الاستبداد والرغبة الشديدة في الحرية والنضال من أجلها."

أفضل شاعر عبَّر عن ثقافة المنفى

أضاف الفواز:- "كذلك تميّز هذا الشاعر بظاهرة (شعرية المدينة) فكان شاعراً مدينياً له قاموسه وله رؤياه التي تحيله الى الفضاء الشعري، والقضية الأخطر في ظاهرة أدب المنفى والأدباء الذين يغردون خارج السرب. وبالرغم من الغربة وقسوتها وأوجاعها التي ظلت مشدودة الى الداخل. كان فوزي كريم واحداً من الذين عبّروا عن ثقافة المنفى بوعيه العميق وروحه المشاكسة والمتمردة، واهتمامه بالتفاصيل الكثيرة من مفردات الغربة. كانت أول مجموعة له عام 1968 بعنوان (حيث تبدأ الاشياء) التي تميّزت بالحزن الشديد الذي رافقه الى حد وفاته. كما كتب في بيروت (فنون من حجر) التي عبّر بها عن الاحتجاج الشعري الكبير على مايحدث."

شاعر يحب العزلة

في حين قال الشاعر ياسين طه حافظ: "بدأت معرفتي بفوزي في ستينات القرن الماضي، عرفته هادئاً ومسالماً وكأنه خُلِق غير مؤذٍ، ويخشى أن يؤذى. لذلك ظل قريباً من الحافّات. أذكر أنه حين صدر ديواني الشعري (قصائد الأعراس)، احتفل به اثنان هما فوزي كريم الذي كتب عنه في مجلة (ألف باء)، والشاعر سعدي يوسف. وهما المخلصان للشعر، والمخلصان للحقيقة الأدبية. مرة التقيت فوزي في لندن فأخذني لمنزله، وكنت أشعر أنه يبحث عن العزلة خارج المدينة وخارج الضوضاء. وظل بعيداً عن التشابك والازدحام والصراخ وبهرجة الإعلانات. وذات مرة اتصل بي وطلب بعض قصائدي لإصدارها ضمن اللحظات الشعرية الراهنة، وصدرت وتضمنت دراسة للناقد ياسين النصير ودراسة أخرى لفوزي عني. وآخر اتصال بيننا كان حين مرضت عبر رسالة منه يقول فيها: كيف انت؟ فقلت له: حسناً أظن أنني سأنجو. وحين صدر ديوانه (الربع الخالي) أشعرني أنه يريدني أن أكتب عنه، وكان يخشى من الكتابة الأولى لأي كاتب، فإذا ما أخطأ فإنه سيؤسس لخطأ يتوارث فيما بعد. وقد قرأت الديوان وكتبت عنه دراسة بجزءين، في الأول كنت صريحاً معه وكنت أميناً على نفسي، كما قلت إن هذه اللغة جميلة، وبناء القصيدة على الطريقة الإنكليزية أيضاً جميل، لكن ظلّت اهتماماتك بسيطة ولمساتك عاطفية ومحلية كما عهدناك من قبل.. في الجزء الثاني أكدت على إنجازاته الشعرية وسمات شعره وتطوره. ثم ردد-حافظ- الأبيات التي قالها عنه من قبل:- حطَّ على تلّة قريبة/عزاؤه البحر والهواء المغتسل بالموج/يوماً فيوماً ألِف الطيور هناك وألفته/حين سافرت إليه/رأيته قد تحول طائراً بحرياً/ استطعت أن أميّزه، من رعشة خوفه القديم/ومن طريقته في الغناء. يشبه جيل الستينيين الروس." الناقدة نادية هناوي قالت:- "كان أحد الموقّعين على البيان الشعري الذي صدر في الستينات. وقيل آنذاك إنهم أرادوا تقليد البيان الذي كتبه محمود درويش. في حين أنهم أرادوا أن يقدموا محاولة جديدة في التجديد والحداثة. لكن من يقرأ كتاب فوزي (ثياب الإمبراطور) لايجد أن المحاولة كانت لغرض التباهي او خروج عن المألوف، بل، كما وصفه فوزي، إنه الأروح الحيّة وموجة صاخبة. وكان يقول إن جيلهم يشابه جيل الستينيين الروس في القرن التاسع عشر، أمثال دستويفسكي وغيره. فجيلنا -حسب فوزي- يشبههم من ناحية الربط ما بين السياسة والأدب. وهذه الطامة الكبرى التي توجّس منها فوزي بتسييس الثقافة والأدب. والقضية الأخرى في التشابه هي تميّز الجيل بالارتفاع عن مستوى الواقع والمغالاة في الأفكار المجردة والمتطرفة. كما كان يؤمن بأن جيل الخمسينات كانوا عبيداً للفكرة في حين أراد الستينيون أن لايكونوا كذلك." وأضافت هناوي:- "ورغم أنه أحد أقطاب البيان الشعري الذى نادى بالحداثة، لكنه كان له فهم خاص لهذه الحداثة، الحداثة عنده ليست التطلع الى التجديد تأثراً بالغرب إنما عن طريق الاتصال بالتراث الشعري العربي."

فوزي لم يرضَ عن أدونيس وسعدي يوسف!

الناقد حسن ناظم قال:- "كتبت عن فوزي كتابين، فله برزخه الخاص، ولم يكن معتزلاً بل كان نشطاً ومتواصلاً ومنتجاً. كما أنه يسحب نشاطه الشعري الى الحقول الأخرى التي يكتب فيها كالرسم والموسيقى والنقد والمقالة. كان يريد أن يكون شاعراً ويستفيد من تلك الحقول الأخرى. كما كان يسحب تفكيره الشعري الى نثره، ولغته أثيرة وموحية. وكنت أقرأ له قبل معرفتي الشخصية به. فوجدته مليئاً بالاحتدام، وأن يكون مناضلاً وفيلسوفاً وناقداً قاسياً. ولايرضى حتى على أدونيس في فنياته اللغوية. ولم يرض عن سعدي يوسف لأنه يستخدم الشعر لأغراض الآيديولوجيا. ولم يرض عن النقاد لأنهم يستخدمون المناهج الحديثة في نقودهم. لكني عندما اقتربت منه وعايشته رأيت العكس: الهدوء والتعقل وعدم إيذاء الغير. من آرائه أنه لم يكن راضياً عما كتبته عن السيّاب عندما أخضعته للمنهج الأسلوبي. وكان فوزي يعده السيّاب المعلم وصاحب الخبرة الشعرية بامتياز، والأصل في السيّاب هي ذاته وروحه، أما التحولات الفكرية التي عانى منها السياب فهي بسبب ضعفه الإنساني."

حيث تبدأ الأشياء

الكاتب شكيب كاظم سعودي قال:- "يذكرنا فوزي بقصة مجموعته الشعرية(حيث تبدأ الاشياء) فيقول عن صديقه الأثير(شريف الربيعي) الذي أصيب بمرض خبيث قتله فيما بعد، وكانا على اتفاق أن يصدرا مجموعة مشتركة بعنوان(صوتان من المدينة) وطافا بها على المطابع ومقرات الصحف فما وجدا من ينشرها لهما، لعدم معرفة الوسط الثقافي بهما. المهم أخذ فوزي نصف دفتر القصائد الخاص به، وأضاف إليها قصائده الأخرى وأصدرها في كتاب (حيث تبدأ الأشياء). في حين أهمل شريف مجموعته حتى مماته، ونشرها فوزي ضمن مطبوعات مجلة (الكلمة) لحميد المطبعي. وفي كتاباته الأولى كانوا يرون فيه شاعراً لاناقداً، رغم أنه كتب نقداً جيداً وموضوعياً. وقد أكدت الأيام اللاحقة ذلك. وفي كتابه (القلب المفكر)، القصيدة تغنى ولكنها لاتفكر أيضاً. يدرس فوزي قصيدة الأفكار فيرى فقر الإرث الشعري العربي منذ أيام الجاهلية بهذا اللون من القصيد، وحتى أيامنا الحاضرة، واحتفاء القصيدة العربية بالمهارة وبلاغة اللغة على حساب المحتوى والمضمون."

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top