تداعيات حريق كبريت المشراق : كارثة بيئية– إنسانية بحاجة لحلول إستثنائية

آراء وأفكار 2019/07/01 07:00:58 م

تداعيات حريق   كبريت المشراق : كارثة بيئية– إنسانية بحاجة لحلول إستثنائية

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

صحيح أنها ليست المرة الاولى لإندلاع الحريق في هذه المنطقة ولكن أندلاع حريق كبير بالقرب من مصنع كبريت المشراق على بعد 20 كيلومتراً جنوب الموصل – محافظة نينوى

"في إطار المساحة المحيطة بالمصنع " والتداعيات البيئية الخطيرة الناجمة عنه لهي أبلغ دليل على مدى أهمية تصاعد أهمية البعد "البيئي – الأمني" في عراق اليوم والغد.

حدث جلل بالفعل ادى إلى إعلان الحكومة المحلية للمحافظة حالة "النفير العام وإستنفار كافة الجهود لإخماد الحريق والسيطرة عليه من القوات الأمنية وقوات الدفاع المدني وقوات الحشد الشعبي". جاء الإعلان على لسان محافظ نينوى الجديد منصورالمرعيد في بيان مقتضب : "نعلن النفير العام في نينوى وعلى جميع المؤسسات في المحافظة الاستعجال في إخماد الحرائق التي نشبت في المعمل". 

إن أهمية وخطورة تداعيات البعد البيئي تجيء من مطالبة قائد الفرقة 16 في المحافظة العميد عبد الله الجبوري من سكنة المناطق المجاورة للعمل "إخلاء مناطقهم تفادياً للاختناق بسبب الغازات السامة المنبعثة من الحرائق". ضمن هذا السياق والجهود الجليلة "المتواضعة" التي بذلتها جهات عدة من فرق للدفاع المدني ورجال أطفاء ، جيش وحشد شعبي وآليات من إقليم كردستان تمكنت بحمد الله في النهاية من السيطرة على الحريق بالرغم من استمرار تسرب كميات غير محددة من الغازات السامة الناجمة عن مخلفات الكبريت المحترق في الهواء انتهت أو ستنتهي ربما بإضرار صحية وبيئية كارثية خاصة إذا لم توضع خطة ستراتيجية . واضحة المعالم لمعالجة تداعيات التلوث البيئي على الآماد (قصيرة ، متوسطة وبعيدة المدى) علماً بإن النتائج الأولية للخسائرالبشرية الناجمة عن الحريق أشارت إلى "مقتل شخص وإصابة عشرات المدنيين بإختناقات نتيجة الانبعاثات الغازية" الأمرالذي قد ينبئ عن إحتمالية تصاعد وقوع كارثة بيئية غير محسوبة العواقب مستقبلاً . عددا من نواب الموصل في البرلمان العراقي طالبوا أيضاً الحكومة العراقية بضرورة تشكيل "خلية أزمة" لمتابعة كل التطورات والتحقيقات القانونية – الجنائية ، خلية تماثل تلك التي شكلت في حادثة العبارة التي أودت بحياة المئات من أبناء شعبنا الأبرياء في محافظة نينوى . علماً بإن المعلومات التفصيلية للتحقيق وللمسؤوليات المترتبة عن حادث العبارة لم تعلن بشكلها القانوني التفصيلي الذي ينتظره أبناء محافظة نينوى بل وكل العراقيين الحريصيين على وضع الأمور بنصابها الصحيح وعلى رأس ذلك حماية حقوق الإنسان بصورتها الكلية . الهدف في تقديري يجب أن يكون ليس مجرد إطفاء الحريق بل يجب معرفة كيف ولماذا وصلنا لمرحلة حرجة وخطرة مجتمعياً - بيئياً وأمنياً ؟ بمعنى ضرورة إجراء تحقيق قانوني حازم في إطار زمني محدد وشفاف يوفر لنا الصورة كاملة نسبياً لما حدث في العمق تجنباً لإستمرار حصول أزمات بيئية - إنسانية خطيرة. مسألة أهتم بها كثيراً مايعرف بمرصد مراقبة الصراع والبيئة Conflict and Environment Observatory في إطار ارتباط استمرار حالات الصراع الداخلي مع المتغيرات السياسية – الامنية والبيئية ، وذلك بقصد الاجابة عن بعض التساؤلات المهمة التي يطرحها المواطن العراقي . من هنا مثلا : أكد النائب عن محافظة نينوى السيد أحمد الجبوري ضرورة "ارسال وزير الداخلية والصحة والصناعة للسيطرة على الحرائق وإطفائها قبل أن تصل لملايين الاطنان من مخلفات الفوم – مكون كيميائي يحمل تداعيات خطرة على صحة الإنسان - ". تبين من مجريات الأمر أن الجهود المحلية لإطفاء الحريق على أهميتها لم تكن كافية في بدء الازمة (14 عجلة إطفاء كما ورد في بعض التقارير الصحفية) بل و ليست كافية عندما اتسع نطاقه في وقت قياسي ماتطلب ضرورة استدعاء السلطة الاتحادية وسلطات المحافظات الاخرى من أجل إطفاءه . إن أطفاء الحريق مهم جدا ولاشك ولكنه ليس نهاية المطاف طالما أن بعض التداعيات البيئية والصحية والانسانية لازالت قائمة من ضمنها إحتمالية استمرار انتشار الغازات السامة لبعض الوقت ما يعرض المواطن لمخاطر صحية جمة . يجري كل ذلك بالتواز مع أهمية بل وضرورة الاستعداد الكافي لمواجهة إحتمال تكرار حدوث مثل هذه الظاهرة –لاسامح لله – مستقبلا خاصة وأن مزارع الحنطة والشعير ومخازن الغلال القريبة من مصدر الحريق لن تكون بمنأى عنه. كما أن من خرج قسراً من منطقة سكناه لابد أن تضمن الدولة له فرصة مناسبة لعودته إليها وبإقرب فرصة ممكنة وتعويضه عن أية خسائر حصلت له . دون ذلك ستستمر أعداد نازحي الداخل بإزدياد وتبقى أزمتهم دون حل مقنع أو مجد .

الشيء الذي يجب التركيز عليه ان سلسلة الحرائق التي حدثت في العراق في الاونة الاخيرة بحاجة أيضاً لتفكير مبكر إبداعي للمعالجة من خلال تعزيز الدورالفاعل للمؤسسات الوطنية الرصينة وذلك برسم خارطة طريق تفصيلية بيئية – أمنية متكاملة هدفها تجنيب البلاد من المخاطر المتنوعة والمتعددة . ولعل من المناسب أن نشير إلى أن الأمن البيئي مرتبط بشكل عضوي بالأمن الوطني بصورة لا انفصام عنها. من هنا يمكن القول أيضاً بإن تبلور استراتيجية شاملة للامن الوطني تغطي وتعالج كافة الابعاد المتنوعة البيئية - الأمنية – السياسية – الاقتصادية – الاجتماعية وغيرها بصورة تفاعلية هي في مصلحة العراق اولا وأخيراً خاصة إن عامل الوقت يعد حاسماً لمعالجة الظروف الاستثنائية التي تحتاج بالقطع لجهود استثنائية من كلا القطاعين العام والخاص (الأخير لازال لم يعط بعد الفرصة المناسبة) لتطبيق البرنامج الحكومي الذي نشرت الحكومة العراقية مؤخراً تقريراً عن الانجازات النصف سنوية المتحققة عنه. إن تحقق إنجاز 17 مشروعاً من أصل 23 في الحقل الزراعي وفقا للمنهاج الوزاري قد تعطينا تفاؤلاً نسبياً بمسار الأمن الغذائي ولكنها ليست كافية قياساً على مايحتاجه العراق من مشروعات كبرى (مثل :استصلاحات وتنمية حيوية للتربة وسدود وقنوات مائية وغيرها) تغطي مساحات واسعة من بلدنا. 

إن الأمن الغذائي مسألة حيوية تترافق مع استمرار المخاطر البيئية التي شهدها العراق من ضمنها حرائق التهمت نسبة محدودة ولكنها مهمة نسبيا من محاصيله (الحنطة والشعير) ونفوق كميات مهمة من الاسماك ، الامر الذي يحتاج لمراجعة الجدية للكشف عن كل مسببات الازمات الانسانية بقصد تقديم الحلول الناجعة لها منعا لتكرارها مستقبلاً . يضاف لذلك تصاعد وتيرة أزمات التغيير المناخي Climate Change التي تسود العالم حاليا بشكل عام والعراق بشكل خاص من ضمنها وبشكل جلي "ارتفاع درجات الحرارة التي وصلت إلى حدود درجة الغليان" تترافق معها أزمات إنسانية –مجتمعية وإقتصادية عدة من ضمنها مثلا : أزمات المياه (سواء أكانت الناجمة عن حالات الجفاف او التصحر التي حدثت قبل اشهر قليلة أو انهمار للأمطار الغزيرة و للسيول الجارفة من المياه من أعالي نهري دجلة والفرات بأتجاه الجنوب دون إفادة كبيرة منها للمواسم الزراعية القادمة) . الصورة البيئية إذن تستوجب النظر لها بصورة أكثر دقة وشمولية من خلال مظاهرها المتنوعة ومنها ايضا استمرار حالات التلوث بكل انواعها ومنها تلوث الجو بالغازات السامة كالتي شهدتها مؤخرا محافظة نينوى متمثلة بحريق مصنع كبريت المشراق . إضافة إلى أستمرار ظاهرة التلوث الصناعي التي تستوجب القيام بإجراءات فعلية وفاعلة للتخفيف الحاد من الآثار السلبية والخطيرة على حياة الإنسان مع أهمية الإحاطة الكاملة معلوماتيا بالتفصيلات الدقيقة التي يجب أن يتم استقصائها والاستفادة منها من أجل العمل الجاد والمخطط له علميا وبالتالي رسم السيناريوهات الملائمة لمعالجة التداعيات المستقبلية. على ضوء ماتقدم تأتي أهمية إعادة بناء العراق الحديث في إطار مرحلة يجب أن يسودها الامن بعيداً كلياً عن كل خروقات الخلايا النائمة لداعش التي تنتهز فرصاً مواتية للقيام بجرائمها الارهابية خاصة عندما تنشغل الكتل السياسية بصراعات محمومة على السلطة والموارد. 

إن الامن ، الاستقرار والازدهار المجتمعي –الاقتصادي - المؤسسي مرحلة تستدعي من كل منا من موقع مسؤوليته وتخصصه تعبئة كل الجهود الرسمية وغير الرسمية لمواجهة مختلف انواع التحديات من منطلق "حب الوطن أولاً وأخيراً" ودون شروط مسبقة ودون تحسب للمحاصصة التي قد تفتت العراق شيعاً وأحزاباً وطوائف وعرقيات وقبائل تستهلك طاقاته وموارده الغنية المتنوعة بضمنها النفط والغاز الطبيعي والمعادن المختلفة . من هنا اولوية المعالجة الحاسمة لملف الفساد من خلال تفعيل وتنفيذ قرارات مجلس مكافحة الفساد الامر الذي يستدعي المحاسبة والشفافية وحكم القانون. كذلك ضرورة تقييد كل الصراعات السياسية الخاصة بالاستحواذ على السلطة السياسية من أجل أهداف ذاتية بقصد جني المغانم و"الموارد الغنية" التي يتغنى بها العراقيون ولكنهم لايحصلون منها إلا على النذر اليسير جدا والذي لايفي حقا بمتطلباتهم الحياتية الحيوية . 

إن دور الاعلام بشقيه التقليدي وغير التقليدي من خلال منصات التواصل الاجتماعي تعد مسالة حيوية تقتضي بلورة منهج علمي وإعلامي مناسب في الكشف عن الحقائق وفي التوجه سريعا نحو المعالجة المتوازنة نسبيا بعيدا عن الاثارة والتهويل حول مضمون هذه الازمات وتداعياتها ولكن دون التقليل بذات الوقت من أهميتها وشأنها . إن التحسب لها مسالة مهمة جدا تعد بمثابة تأسيس جديد لمحطات للانذار المبكر تشخص العوامل والاسباب بصورة علمية وواقعية مع تقديم مقترحات وتوصيات مناسبة للحلول المرجوة و التي يمكن إنجازها عملا في إطار زمني مراقب متابع ومحدد . من هنا لابد من التواصل الجدي والمسؤول بين العراق وجيرانه بل ومع العالم الخارجي مؤسسات ، دول ومنظمات دولية على رأسها الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة بهدف حماية الانسان وحقوقه الجوهرية والتي لاقبل لدولة بعينها حلها جميعا ولكنه من الأهمية بمكان التخفيف من آثارها وأن تسعى الدولة العراقية بما توفر لها من قدرات بشرية ومادية أن تبلور نظاماً مؤسسياً قويما يعمد لتوفير الاستعدادات والمستلزمات أو الادوات المهنية الكافية والمواكبة لجملة التحديات التي تجابه العراق. أخيراً لابد من الاستفادة من تجارب الدول الاخرى التي حققت نجاحات وإنجازات في الحقل البيئي ، مع الأخذ بالاعتبار خصوصية التجربة العراقية إستراتيجيا - حضارياً – ثقافياً – علمياً – تقنياً - مجتمعياً – وإقتصادياً. الهدف دائماً "بناء بيئة عراقية آمنة ومستدامة إنسانياً". 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top