مدينة بابل الأثرية تتصدر لائحة اليونسكو الجديدة لمواقع التراث العالمي

مدينة بابل الأثرية تتصدر لائحة اليونسكو الجديدة لمواقع التراث العالمي

ترجمة حامد أحمد

أعلنت لجنة التراث العالمي في منظمة اليونسكو الجمعة اختيار مدينة بابل التاريخية في العراق لإدراجها ضمن الدفعة الأولى للائحة مواقع التراث العالمي الجديدة لهذا العام

والتي اشتملت على مواقع أخرى في العالم حيث تصدرت مدينة بابل القائمة . اكثـر من 1,000 موقع حول العالم ، قسم منها تراثية وقسم منها طبيعية وقسم آخر كلاهما معاً ، تعتبر محمية دولياً عند إدراجها في لائحة التراث العالمي .

ربما أن أكثر مواقع التراث شهرة في العالم تم إدراجه في اللائحة هو موقع مدينة بابل التاريخية في العراق . أول ذكر ورد للمدينة كان في القرن 23 قبل الميلاد وهي المدينة التي كانت تضم حسب ما هو مشهور عنها أحد عجائب الدنيا السبعة وهي الجنائن المعلقة .

كان العراق يحشد جهوده منذ العام 1983 لادراج الموقع الذي يبلغ عمره أكثر من 4 آلاف عام في لائحة التراث العالمي المميزة للأمم المتحدة .

في الوقت الذي يعرف عن تاريخ مدينة بابل بأنها متألقة بقصورها ومعابدها فانه قلما تجد أطلال باقية عن تاريخها القديم ، وما بقي من تلك الأطلال تعرضت لاضرار جوهرية . من تلك الاضرار التي تعرض لها الموقع هو قيام رئيس النظام السابق ببناء نسخة مشابهة لصورة قصر بابل ، وتبع ذلك خلال السنوات الاخيرة وما لحق بالموقع من أضرار أخرى جراء زحف القوات الاميركية في الموقع اثناء الغزو الاميركي عام 2003 واتخاذ المكان كقاعدة للقوات الاميركية. في ثمانينيات القرن العشرين دمر رئيس النظام السابق ، صدام حسين ، مساحة كبيرة من المدينة الأثرية من أجل بناء نسخة طبق الأصل من المدينة على الأطلال الأصلية لها . وتبع ذلك بعد حرب الخليج بناء قصر حديث فاره له على جزء آخر من أطلال بابل يشرف على الموقع الرئيس . وفي العام 2005 حذر المتحف البريطاني من إلحاق القوات الاميركية أضراراً بالغة بهذا الموقع الأثري .

من جانب آخر حذّر ، جون كورتز ، المسؤول عن قسم الشرق الاوسط في المتحف البريطاني في ذلك الوقت في تقرير كتبه من أن أكياس الرمال متناثرة في كل مكان في الموقع وتعلو الأطلال الأثرية القديمة . كما أشار التقرير الى أن السياج المشيد من أحجار قديمة دمرته سرف الدبابات . وكشف ، كورتز ، أيضاً عن أدلة تفيد بتسرب الوقود من أنابيب نفط في الموقع علاوة على حفر 12 خندقاً عبر الأماكن الأثرية القديمة في مدينة بابل ، وأشار الى أن ما حدث في بابل هو ما يشابه تشييد مخيم عسكري حول أطلال " ستونهنج " المعلم الأثري البريطاني الشهير . وبعد نشر هذا التقرير بأربع سنوات قالت اليونسكو " ان استخدام بابل كقاعدة عسكرية كان انتهاكاً مؤسفاً لهذا الموقع الأثري المعروف على مستوى العالم ."

وكانت مفوضية الأمم المتحدة للتراث العالمي قد اجتمعت في اذربيجان للاتفاق على القائمة الجديدة لاحدث مواقع ستنال شرف العضوية للائحة التراث العالمي لليونسكو ، ووقع الاختيار على مدينة بابل الأثرية من بين مواقع أخرى في العالم ، وهذه الميزة تمنح لمواقع باعتبارها تشكل أهمية للبشرية جمعاء ، وهي مواقع محمية بموجب معاهدات دولية .

الوفد العراقي رحب بهذا القرار الذي اعتبره بمثابة الاعتراف بمكانة وأهمية مدينة بابل الأثرية وحضارة بلاد وادي الرافدين .

وباتخاذها لهذا القرار قالت اليونسكو " كانت بابل مقراً لعروش إمبراطوريات عدة حكمها ملوك مثل حامورابي و نبوخذ نصر وتمثل إبداع إمبراطورية بابل في اوج مجدها ."

واضافت اليونسكو بقولها " ارتباط المدينة بعجائب الدنيا السبع للعالم القديم ، حيث تقع فيها حدائق الجنائن المعلقة لبابل ، كان من العوامل التي جعلتها مصدراً للالهام بالنسبة للثقافات الفنية والدينية على مستوى العالم ."

ومن جانب آخر حذرت منظمة اليونسكو من ان هذا الموقع يعاني من أوضاع متدهورة ويحتاج الى جهد كبير للحفاظ عليه .

وقالت ليزا أكيرمان ، المديرة التنفيذية الانتقالية للصندوق العالمي للآثار ومقرها نيويورك في حديث لمحطة الاذاعة البريطانية ، بأن المؤسسة الخيرية تعاونت مع الحكومة العراقية منذ 12 عاماً من أجل إدراج بابل في قائمة التراث العالمي . مؤكدة بقولها " ليس من الغريب أن يستغرق الضغط من أجل تسجيل أي من المواقع في قائمة التراث العالمي عقوداً من الزمن ."

في ذروة تألقها قبل 2500 سنة مضت كانت مدينة بابل تعتبر من أكبر المدن الحضارية في العالم في ذلك الزمان . كان ما يقارب من 200 ألف شخص يعيش فيها . اشتهرت بملكها نبو خذ نصر وبجنائنها المعلقة أحد عجائب الدنيا السبع المعروفة ببرج بابل . المدينة لم تحظى باهتمام أو حماية ورعاية يليق بها كموقع أثري ، فاذا إطلعنا على البيوت والقرى المحيطة بالموقع والقريبة منه فنشاهد إن قسماً منها بنيت باحجار كانت قد ازيلت من موقع بابل الأثري . وكانت هناك مشاريع ضخمة اقيمت في مقتربات الموقع . الاحتلال البريطاني بنى خلال عشرينيات القرن العشرين سكة حديد تمر بالموقع . وفي فترة قريبة مدت عبر المدينة خطوط نفط وغاز . 10 % فقط من الموقع الاثري الشاسع جرت فيه تنقيبات أثرية ، ولهذا يمكن رؤية الجدران الأصلية ولكن ليس على طول الطريق لأنها مبنية على طبقات . ولكن يمكن رؤية الجدران العالية فقط . أثناء عطل نهاية الاسبوع نشاهد الموقع مليء بالزوار العراقيين ولكن في الأيام الاخرى يكون الموقع مهجوراً و خالياً من الناس . الموقع له ميزة سحرية ، فعند السير عبر مدخل بوابة القصر التاريخي يمكن رؤية الأحجار الاصلية التي يعود تاريخها لأكثر من ألفي سنة قبل الميلاد والتي تحمل صور مخلوقات تشبه التنين برأس أفعى . السير على أرضية الموقع الأثري تمثل تجربة ملامسة تاريخ انساني يعود لاكثر من 4000 عام ، إنها تجربة سحرية بحد ذاتها .

مدينة بابل الأثرية التي يبلغ عمرها 4,300 عام تقريباً ، التي هي الآن عبارة عن اطلال اثرية ومتحفين مهمين ، هي مهد سلالات ملكية ظهرت و سقطت منذ الأيام الأولى لفجر الحضارة البشرية . الملك حامورابي كتب شريعته القانونية الأولى في مدينة بابل ، في حين ارسل الملك نبوخذ نصر جيشه الكبير من مدينة بابل الى القدس لقمع انتفاضة هناك وجلب اليهود كسبايا . جاء قرار منظمة اليونسكو بضم مدينة بابل للائحة التراث الدولي بعد سنوات من قيام تنظيم داعش بالحاق الضرر بموقع تاريخي علمي آخر في العراق وهي مدينة الحضر الأثرية . وقام المتطرفون بتدمير مواقع أخرى في العراق بضمنها موقع نمرود حيث تمثال الثور المجنح الذي كان يقف شامخاً عند بوابة القصر الذي يعود تاريخه لأكثر من 3000 آلاف عام وحولوه بمعاولهم الى كومة حجار . الخبير الاميركي ، جيف ألين ، الذي يعمل ضمن مشروع للحفاظ على المواقع الأثرية في العراق بتمويل من الولايات المتحدة يقول " حرص كثير من العراقيين أن يكونوا قرب الموقع الأثري عند مدخل مدينة بابل التاريخية ليحتفلوا بقرار اليونسكو . كانت هناك حافلة تضم مسؤولين حكوميين جاؤا ليلتقطوا صور عند الموقع . وكان هناك نوع من الاحتفال بين الأهالي في الشوارع بمدينة بابل وهم يعبرون عن فرحهم بادراج المدينة ضمن لائحة التراث الدولي ، إنه شيء جميل ان يكون رد فعلهم بهذا الاحتفال ."

هذا القرار قد لايعني فقط تسخير مزيد من الأموال لأغراض التنقيب ، ولكنه سيعني في النهاية مزيد من الموارد لحماية ما تبقى من الموقع ، وسيعطي هيئة الآثار مزيد من السلطة لمنع التجاوز على الموقع مثل مد أنابيب نفط وغاز عبره . قبل عدة أشهر لم يكن في الموقع متحف مفتوح وليس فيه متجر لبيع القطع التذكارية الخاصة بآثار بابل ، يجب ان يكون هناك محل لبيع الهدايا التذكارية وان يكون فيها مقهى ليقضي فيه السواح أوقات راحتهم . الاكثر من ذلك ان هذا القرار سيكسب الموقع شعبية أكبر وشهرة على مستوى عالمي ، ويسعى العراقيون حقيقة الى أن يبدأ السواح بالقدوم لزيارة المكان بعد انقضاء عدة عقود من الزمن .

وجاء رد الحكومة العراقية في تغريدة على موقعها الرسمي بالقول " نتقدم بالتهاني للعراقيين بمناسبة إدراج مدينة بابل الأثرية على لائحة منظمة اليونسكو للتراث العالمي . إن هذا القرار يعكس أهمية بابل التاريخية و ما قدمته حضارات بلاد وادي الرافدين جمعاء . الحكومة العراقية ماضية بالعمل مع اليونسكو والمنظمات الدولية والعراقية الأخرى من أجل الحفاظ على مواقع العراق الأثرية ومدننا التاريخية ومتاحفنا وحماية حضارتنا الفريدة وقيمها الإنسانية . الحكومة العراقية تدعم إدراج مدينة بابل الأثرية ومهد الحضارة الإنسانية على لائحة منظمة اليونسكو للتراث العالمي ."

من جانبها علقت ممثلة الأمم المتحدة في العراق ، جينين هينيس بلاسخارت ، على قرار اليونسكو بإدراج مدينة بابل التاريخية ضمن لائحة التراث العالمي بقولها " نهنيء العراق بادراج اليونسكو لمدينة بابل الأثرية على لائحة التراث العالمي . لقد زرت الآثار المثيرة للاعجاب هناك منذ بضعة أشهر . إنه مكان رائع يحكي قصة التاريخ الغني لهذا البلد الرائع ." وكانت السلطات العراقية قد سعت منذ فترة طويلة لاقناع منظمة اليونسكو إدراج موقع مدينة بابل ضمن لائحتها للتراث العالمي ، واستجابة لهذه الجهود زار مؤخراً وفد من اليونسكو وهيأة يونامي موقع مدينة بابل الأثرية لحضارة وادي الرافدين المعروفة بالجنائن المعلقة . وفد منظمة الأمم المتحدة الذي كان يتألف من نائب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق للشؤون السياسية والانتخابية ، جورجي بوزتين ، ومدير مكتب اليونسكو في العراق ، لويزا هاكسثوزن ، استقبل من قبل رئيس هيأة السياحة والآثار لمجلس محافظة بابل وكذلك من قبل رئيس وأعضاء فريق ، مستقبل بابل ، وعقب اجتماع أولي تمت خلاله مناقشة الأرث الثقافي لبابل ركزت الأوساط الإعلامية في حينها على الاستعدادات المستمرة للتمهيد لإدراج مدينة بابل على لائحة اليونسكو للتراث العالمي . تمت الترتيبات لإعلان هذا القرار من قبل لجنة تضم كل من أعضاء وزارة الثقافة العراقية وفريق مستقبل بابل. أشار المبعوث الخاص للامين العام للأمم المتحدة ، بوزتين ، الى أهمية الحفاظ على التراث العراقي الغني مؤكدا بقوله " التراث يعود لكل فرد ويجب أن نكافح للحفاظ على عجائب العراق التاريخية التي تصب ضمن فائدة أجيال المستقبل ." وأشاد بديمومة استمرار الشراكة القوية والتعاون التي حافظت عليها المؤسسات التراثية العراقية مع منظمة اليونسكو ، وشجع مقدماً قرار إدراج وحماية مدينة بابل الأثرية ضمن لائحة التراث العالمي .

تشير الأساطير الى أن ملك بابل ، نبوخذ نصر الثاني ، الذي حكم للفترة ما بين 605 و 562 قبل الميلاد قد شيد الجنائن المعلقة لأجل زوجته لأنها فقدت منظر التلال والأودية الخضراء التي كانت في بلدها . وخلال تجوالهم في الموقع الأثري لمدينة بابل التاريخية اندهش وفد الأمم المتحدة ببوابة عشتار الكبيرة وتمثال أسد بابل المهيب . أشاد الوفد بالسرد التاريخي والمعلومات الأولية عن أعمال الصيانة والمحافظة المطلوبة للمكان والتحديات التي تقف أمامها ، وكذلك وجهات النظر المطروحة حول الجهود المستمرة نحو توفير الحماية لأحد أهم المواقع التاريخية المتجددة في العراق والحفاظ عليها. وكانت مديرة مكتب اليونسكو في العراق ، هاكسثوزن ، قد رحبت بالجهود المستمرة لوضع اللمسات الأخيرة لقرار إدراج مدينة بابل للائحة التراث العالمي . وسلطت الضوء على ضرورة الالتزام بمواصلة حفظ وإدامة المواقع التاريخية وفقاً للمعايير الدولية المتمثلة بادراج الموقع ضمن التراث العالمي . وبهذا الخصوص شجعت مديرة مكتب اليونسكو المسؤولين المحليين في المدينة الاستمرار بالعمل عن قرب مع السلطات الوطنية وبالأخص وزارة الثقافة وكذلك الشركاء العالميين ذوي العلاقة وبالاخص صندوق دعم المواقع الأثرية في العالم من أجل توفير الدعم لتعزيز إجراءات حفظ ورعاية وإدارة الموقع .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top