الفنان صالح كريم يعيد صياغة الواقع بطريقة مُبتكرة

الفنان صالح كريم يعيد صياغة الواقع بطريقة مُبتكرة

عدنان حسين أحمد

لا يمكن الإحاطة بتجربة الفنان التشكيلي العراقي صالح كريم من دون الاستعانة بالمدارس والتيارات الفنيّة التي انتمى إليها، وتمثّلها جيدًا،

فمنذ طفولته وصباه كان أخوه الأكبر يمدّه بالصور والرسوم الواقعية التي ولّدت لديه ميلاً أولياً لرصد الواقع العراقي، ومحاولة توظيفه في منجزه التشكيلي. وبما أنّ الواقع العراقي غنيّ، ومتنوع، ويشتمل على حضارات متعاقبة تمتد إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، إضافة إلى موروثه الشعبي الذي شكّلته الذاكرة الجمعية على مرّ العصور فإن الإنسان العراقي، المثقف تحديداً، لا يولد بذاكرة بيضاء لأن جيناته تحمل بالضرورة بعض الأفكار والشذرات الفنيّة التي التمعت في مخيلة الفنانين الأوائل الذين عاشوا بين النهرين وخلّفوا منجزاتهم الفنية التي ما تزال حاضرة في المتاحف والمواقع الأثرية العراقية حتى يومنا هذا. لم تأتِ هذه الإشارة التاريخية عفو الخاطر لأن الفنان صالح كريم يستلهم بعض ثيماته وأشكاله الفنية من منجم الحضارات العراقية الموغلة في القِدم، ويحرص على إقامة الآصرة القوية بين الماضي والحاضر من دون أن ينسى استشراف المستقبل والنهل من معينه الذي لا ينضب أبداً.

ولعٌ باللون الكركمي

يؤكد الفنان صالح كريم على منحاه الواقعي دائماً فهو يحب الأوكر أو الكركمي وهو حصيلة مزج اللونين الأصفر مع البنفسجي، كما يفضِّل اللون الأزرق، لون شطّ العرب الذي ينعكس عن لون السماء، ويعشق لون الصحراء لأنها قريبة منه وفي مرمى بصره، كما يمحض لون الطين حُباً من نوع خاص فلاغرابة أن يُهيمن على غالبية أعماله الفنية لأن الفنان الواقعي هو ابن بيئته ولكن ذلك لا يمنع مخيلته المجنّحة من أن تختار ألوانًا أخرى قد لا تتوفر في بيئته التي تتوهج بالألوان الحارّة.

نشأت الواقعية، كما هو معروف، كرد فعلٍ للحركة الرومانسية التي تؤكد على قوة المشاعر والأحاسيس الداخلية، وتعتمد على الخيال المجنّح للفنان، الأمر الذي اضطر الفنان الواقعي لأن يرصد كل ما تقع عليه عيناه، وهذا ما فعله صالح كريم الذي رسم كل مظاهر الطبيعة في مدينة "المَعقل" التي وُلد فيها قبل أن ينتقل للدراسة والعمل في مدينتي البصرة وبغداد، فقد رسم شط العرب، والنخلة، والإنسان العراقي سواء أكان رجلاً أم امرأة، طفلاً أم شيخًا طاعنًا في السن، ودأب مثل بقية أقرانه الفنانين يُعنى بثنائية المرأة والرجل التي جسّدها عشرات المرات بحسب الثيمات التي تخطر بباله، والشطحات التي تلتمع في ذاكرته البصرية المتأججة. انهمك فترة من الزمن في رسم البيوت الطينية، والمَشاهد الريفية، ثم انتقل إلى تصوير الجوامع بقببها ومناراتها الجميلة التي تُحيل إلى أمكنه محددة بعينها تمنح أعماله الفنية نكهة خاصة.

الحياة تُقلِّد الفن

تؤكد لوحات صالح كريم رأي أوسكار وايلد والتفاتته الذكيّة التي يقول فيها بما معناه "أنّ الفن لا يقلّد الحياة، ولكن الحياة هي التي تقلّد الفن" وهذا ما يشعر به المُشاهد الذي يقف أمام اللوحات الواقعية التي سوف تتمرّد تدريجياً على هذا التوصيف الأكاديمي وتتلاقح مع تيارات فنية أخرى أبرزها التعبيرية والسُريالية والمستقبلية ولعل المتلقي الحصيف سيكتشف مدارس فنية أخرى لو تأمل جيداً لوحات صالح كريم، ودقق في منجزه الفني الذي يمتد منذ سنوات الصبا واليفاعة وحتى يومنا هذا.

تحظى المرأة في لوحات صالح كريم باهتمام خاص حيث يرسمها متوحّدة تارة تحمل همومها الشخصية على رأسها، أو مندغمة مع مجموعة من النساء تارة أخرى، فهو يلتقط تكويناته ومَشاهده البصرية من الأسواق والأماكن الشعبية كما هو الحال في لوحة "سوق شعبي من البصرة" التي خرجت عن إطارها الواقعي وذهبت إلى مدارس فنية متداخلة، كما تحيلنا فيكَرات هذه اللوحة إلى نتاجات العديد من الفنانين الأوروبيين الكبار سواء في خطوطها الليّنة المطواعة أو ألوانها الباردة أو المحايدة.

ينتمي صالح كريم إلى تيار "الواقعية الجديدة" الذي ازدهر خلال عقد الستينيات من القرن الماضي، وبحسب الناقد الفني الفرنسي بيير ريستاني فإن هذه الحركة سعت لتجسير الهوّة، أو تقريبها في الأقل، بين الفن والحياة، وهذا الناقد الألمعي هو الذي دعا إلى "إعادة التدوير الشعري"، أي أنّ القصيدة الكلاسيكية الموزونة والمقفّاة يمكن أن يُعاد إنتاجها كقصيدة تفعيلة أو كنص نثري. وعلى وفق هذه الرؤية يمكن إعادة إنتاج الواقع بطريقة كولاجية تقوم على تجميع الأشياء المتناثرة أو ديكولاجية تعتمد على تفتيت المَشهد المكتمل والتعويل على تشظياته التي تمنح السطح التصويري أفكارًا جديدة لا يمكنها أن تتحقق ما لم يعرّضها الفنان للنسف والتدوير. وبهذا المعنى فإن صالح كريم هو فنان تجريبي لا يستقر على رؤية محددة أو أسلوب صارم يتبناه إلى الأبد وقد لمست ذلك في لوحاته التي اشترك بها في معارض جماعية أو مزادات علنية بلندن أو تلك التي ينشرها على وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات العشر الأخيرة الذي أتاح لنا مشاهدة القسم الأكبر من منجزه الفني الذي يحتاج فعلاً إلى متحف إما في مدينة "المَعقل" التي وُلد فيها أو في مدينة البصرة التي يقيم فيها الآن بعد إحالته إلى التقاعد، وتفرّغه الكلّي لتعزيز تجربته الفنيّة وترويجها بواسطة المشاركة في المعارض الشخصية والجماعية أو نشرها بواسطة الفيسبوك، هذا الحصان الجامح الذي يقطع القارات الخمس في رمشة عين.

تكوينات مريحة بصرياً

مَنْ يُدقق في لوحات الفنان صالح كريم سوف يجد أن غالبيتها مكتظة بالفيكَرات والتكوينات ولكنها مريحة بصرياً، ولا يشكِّل اكتظاظها ثقلاً على عين الرائي، بل بالعكس يبعث فيه البهجة والراحة والاسترخاء. يُوحي البعض من لوحاته أنها أعمال نحتية لكنها في واقع الحال ليست كذلك فهي مُنفذّة بهذه الطريقة التي تُشعر المتلقي وكأنه يقف أعمال نحتية خشبية أو معدنية. ونظراً لتشابكها، وتعشّقها، وتداخلها المعقّد إضافة إلى دقّة التنفيذ، وجمال إخراج اللوحة فإنها تُوهم المُشاهد بأنه يقف أمام منحوتة متقنة وليس أمام لوحة مرسومة على الكانفاس أو الخشب أو أي سطح تصويري آخر.

يستلهم الفنان صالح كريم بعض أفكاره من الفنون السومرية والأكدية والبابلية القديمة ويتعاطى معها كمنجز فني عراقي وعالمي في الوقت ذاته ولعل تقنيات الحفر البارزة والغائرة التي استعملها الفنان العراقي القديم تنبثق من جديد في لوحات الفنانين العراقيين المعاصرين ومن بينهم الفنان صالح كريم وغيره من التشكيليين العراقيين الذين ينهلون من موروثهم الحضاري ولا يجدون ضيرًا في استلهام العديد من معطيات الفن العالمي.

وفي الختام لابدّ من الإشارة إلى أنّ الفنان صالح كريم عباس الحلْفي لا يتعالى على المتلقين، ولا يميل إلى التنظيرات المعقدة التي قد تُربك المُشاهد العادي، وإنما يقدّم لوحته الفنية بتواضع كبير، ولا يبخل عليه ببعض الشروحات البسيطة التي تمهّد له الدخول إلى فضاء النص البَصَري، ولعل الصفة الأجمل فيه إنه يصغي لأصدقائه من الأدباء والنقّاد والفنانين وحتى الناس العاديين، ويستأنس بآرائهم، ويأخذ بالكثير منها. وقد رأيت شخصياً تفاعلات هؤلاء الكُتاب والفنانين أمثال القاص محمد خضير، والناقد الراحل محمد الجزائري، والفنان شوكت الربيعي وعشرات الأسماء الأدبية والفنية التي تتفاعل مع هذه التجربة الفنية المتفردّة التي تستحق التأمل والدراسة والتقييم.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top