أشباه رجال!

فخري كريم 2007/07/29 07:18:09 م

أشباه رجال!

فخري كريم

تميز منذ خطوته الأولى في السياسة، بالدأب على التدافع من دون حرج للظهور في الصدارة، موظفاً "حسن طالعه"، وذرابة لسانه، وقدرته على التقاط الموقف المطلوب.

وفي حمى الهيجان والنهوض الجماهيري الذي أعقب ثورة 14 تموز 1958، وتراجع معايير التقييم والاختيار، قفز الى المقدمة في ميدان نشاطه، وظل بمنأى عن الاختبارات الصعبة والحرجة التي عصفت بالبلاد اثر انكسار مسار الثورة وتراجعها والإطاحة بها في انقلاب شباط 1963.

 كانت اقدار الناس هي الأخرى قد طالها التغيير، مع التغيرات البنيوية العميقة التي تعرض لها المجتمع العراقي والتجليات السياسية المعبرة عن مكوناته، ولم يعد بالإمكان وبالبساطة المعهودة في زمن ما قبل الثورة التمييز بين الرجال وأشباه الرجال.

فالانكسار وتدمير قوى المجتمع الحية، وانتزاع الارادات وتحطيم النفوس بقوة القسر والتعذيب والتصفية والإلغاء في الحياة السياسية، أشاع مناخاً من التساهل إزاء معايير وقيم لم يكن سهلاً تجاوزها في المراحل السابقة للانهيار المذكور. وفي خضم العمل لاعادة بناء ما تخرب في الحياة السياسية وفي نسيج المجتمع وفي العلاقات بين الناس والقوى والتجليات الفكرية والسياسية، قفز أشباه الرجال الى مواقع القرار والحسم في السلطة السياسية وفي مؤسسات الدولة وفي الأحزاب ايضاً، بل في اكثر الأحزاب نزوعاً لمواجهة الخراب والتآكل الذي لم يترك ميداناً من دون ان يتسلل اليه، ولم يكن الحزب الشيوعي بمنأى عن كل ذلك. وبدلاً من المعايير "المتطرفة" في التقييم، التي كانت انعكاساً لمراحل انكسار اقترنت بنزوع "يساروي" "طفولي"،.... تسللت الى الأحزاب معايير جديدة "لا تلطف" او "تخفف" المسؤولية عن ضحايا الضعف الانساني او الانكسار وشل طاقة الانسان على المقاومة، وقدرته على الصمود، وكوامنها الانسانية، بل اعادت الاعتبار للانهيار السياسي والفكري المجرد من الايمان، والتعامل مع حالاتها باعتبارها هي الاخرى، مجرد "ضعف انساني" "لا سقوط سياسي" قابل للاحتواء!. ولم يقتصر الامر على ذلك، بل تحولت جمهرة من هؤلاء "أشباه البشر" ممن ساهموا في "الكسيرة" وتقويض القيم، الى الصدارة في الحياة السياسية والحزبية. كان "هو" في الفصيل الأمامي، يتغير ويتكيف ويتلون كلما اقتضى الأمر ذلك، ويعيد ترتيب أولوياته مع محيطه، وينسج بدهاء خيوط علاقاته بمن بيده الأمر والنهي، وكان ذلك امراً ميسوراً مع تدني معايير "أولي الأمر"، وحاجتهم لامثاله. ظل يتنقل ويقفز مثل كرة القدم من مرمى الى آخر ومن فريق الى آخر، وشجعه ازدياد الطلب عليه، مع تدهور الوضع في البلاد، وتدحرج اقدار ابنائه باستيلاء الجلاد على مقاليد الحكم. كان "هو" شديد الحيرة، بعد الانقلاب العاصف الذي غير مجرى الأمور جذرياً، فأخذ يراقب عن كثب، ما استجد في الاوضاع، وما تتطلبه، ويعيد ترتيب خطواته، وفقاً لذلك. منذ ذاك، لم يترك وسيلة، ولا خياراً، ولا باباً من دون ان يطرقه بحثاً عن تحقيق حلم حياته في الصعود، ولم يكن الثمن رخيصاً، حتى وان كان "هو" قد استباح نفسه من دون تحفظ، ومع انه لم يعد يأبه للأسلوب أو المظهر ولا يخشى الانكشاف، لكن الوقت بات اضيق من تحمل المناورات بعيدة المدى، خصوصاً انه توهم بأن خطواته ترسخت على "سكة السلامة". وظف ما اكتشفه، من ضرورة اختيار المحيط الذي يتلون فيه، وإيجاد المبررات الفكرية والسياسية لاختياره، وطمنته قدرته على تجنب الإيحاء لأولياء امره، بما يقلل من شأنهم او قاماتهم الفكرية او السياسية، حتى وان كانوا مشوهي القامات، ويحذر من إشعارهم بأنه اعلم منهم، مادام بحاجة اليهم، بل يجتهد في لحظات معينة على ان يقدم نفسه كمجرد "تلميذ نجيب"، يضع على اطراف لسانهم ما يريد تمريره... وجد نفسه منذ البداية في محيط مناقض كلياً للمدينة التي ترعرع فيها، وتنكر دائماً لانتسابه اليها، وايراد ذكرها، كما هو الحال مع عائلته الكادحة التي تربى في كنفها، ويكاد يخفي أي معلم لانتسابه اليها أو حتى الالتقاء بأحد أفرادها، الا سراً اذا اقتضى الأمر.! في محطاته كلها خارج البلاد وداخلها، توهم انه اكتشف جوانب من قوته، وقدرته حريّة بتحقيق تطلعاته، بعد ان قطع شوطاً في سلم الصعود، "هو" الذي "توله" "بالاماكن العالية" التي يرى فيها نفسه "متألقاً" بين آخرين، لا ينسى لحظة واحدة وضعهم الواحد بعد الآخر على حافة السقوط! وخلال صعوده، تعلم ان طموحه يحتاج الى تضحيات تكبر أو تصغر، حسب المكان المراد الصعود اليه، ليس مهماً كم وكيف مادام الآخرون هم الذين يدفعون "ويضحون" حتى وان كانوا اقرب الناس اليه، المهم ان يواصل الصعود! وبين ما تعلم: ... ان عليه ان يجيد اكتساب شكل المكان وخصوصياته... ... وان لكل مكان مواقف ومفردات، فأجاد تمثيلها والتعبير عنها.. ... وان التنقل من مكان الى آخر أو موقع وغيره، او ادعاء هذا الموقف او ذاك ضروري، قدر ما هو سهل، شرط اخفاء معالم مواقفه ومواقعه السابقة وايهام الآخرين بانها ليست سوى مواصلة وامتداد لما كان عليه اصلاً! وتعلم...، ان يحمل معه دفتر ملاحظات صغير، يدون فيه عثرات الآخرين، وصغائرهم، وبشكل خاص ما تعلق باصدقائه وأولياء نعمته، ليوظفها في الوقت المناسب، ويلوح بها عندما يكون ضرورياً شراء ذممهم، أو في الاقل، اسكاتهم، ولعله يستعين بها لحظة الضرورة للتستر على خفايا سقطاته. ومن اخطر ما تعلم،... ان الصداقة لا معنى لها من دون موالاة، موالاة الآخرين له، كيفما اصبح، واينما بلغ. ... وان يبتكر كل يوم الاسلوب المناسب لاعادة توصيف "المبادئ"، ومعاني "الصداقة"، ووضع احدهما في الضد من الآخر! فـ "الصداقات" و "التحالفات" الشخصية، محطات او معابر، تتغير، بتغيير مواقعه ومتطلباته. اما المبادىء، فهي كجزء من "النظرية"، رمادية،.. تتحلل مع مرور الايام وتتفسخ، وتتغير مع تغير المواقع والاماكن والموالاة! ولقد تعلم اخيراً، ان التضحية بالآخرين تتطلب احياناً التخلي حتى عن عائلته، ما دام بالامكان استبدالها في اي وقت وفقاً للحاجة المتجددة ايضاً! اكتسب من كل ما تعلمه مفردات جديدة، راكم بها المقولات التي بنى عليها أطروحته، وقيمه ومفاهيمه في الحياة، لكن ما فاته دائماً، ظل يرافقه مثل ظله، اذ تناسى ان الجراحة قد تغير اشكال الناس، لكنها لا تغير اقدارهم، او قاماتهم، وهي في كل الاحوال لا تستطيع، مهما فعلت، اخفاء ما هم فيه، وما جبلوا عليه. "هو" من بين "أشباه الرجال" الذين يتكاثرون اليوم مثل "العث"، ويتدافعون بالمناكب، ويعيثون بالبلاد والعباد فساداً...، لا تخدع احداً "مظاهرهم"، او براعتهم في تغيير مواقعهم، او اعادة صياغة مفرداتهم "اشتراكية" تارة و "ديمقراطية" تارة أخرى،.... و قفزة بهلوانية نحو فضاء حر حتى ضفاف الليبرالية! "هو" يمكن ان تراه دائماً، ناعم المظهر والملمس، يتأنق مثل فتاة تتأرجح بين المراهقة والعنوسة، ما عليك سوى ان تفتح عقلك قبل عينيك، لتعرف من "هو"، وتقيس على أوصافه "أشباه الرجال"! يا الله...، ما أكثرهم،! لكنه "هو" يظل فريداً في التعبير عن أدق خصوصياتهم!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top