قضية للمناقشة: هـــذا المـمــر الآمـــــن

آراء وأفكار 2019/07/08 08:53:18 م

قضية للمناقشة: هـــذا  المـمــر   الآمـــــن

فريدة النقاش

سوف يندهش البعض حين يقرؤون رأيي في فيلم " الممر " للمخرج الموهوب " شريف عرفة " وسوف يتوقفون أمام وصفي له " بالممر " الآمن ،

وما وصفي " للممر" بالآمن إلا تعبيراً عن رؤية للأمن تتجاوز الشائع ، رؤية تتأسس على أن الاستعداد الجيد لحرب العدو تبدأ من افتراض أن الحرب ستقوم غداً ، مع الوعي بأن التقدم الشامل للمجتمع هو شرط هذا الاستعداد .

وقد اخترت وصف " الممر " بالآمن لعدة أسباب ، أولها إن حرب الاستنزاف التي عرفتها جهة الصراع بين مصر وإسرائيل بعد هزيمة 1967 الصاعقة مباشرة والتي تصور البعض أن لا قيامة لمصر بعدها ، هذه الحرب هي التي مهدت الأرض وأعدت الجيش لنصر 1973 ، حدثت هذه الحرب بعد أن كان " عبد الناصر" قد حصل على تفويض غير مسبوق من الشعب المصري تمثل في مظاهرات التاسع والعاشر من يونيه/حزيران 1967 حين رفض المصريون المفجوعون استقالة " عبد الناصر" وخرجوا إلى الشوارع تحت القصف الإسرائيلي العنيف ، إذ كانت سماء القاهرة مكشوفة ، بعد تدمير سلاح الطيران المصري وهو رابض في المطارات دون أن يقاتل . 

خرج المصريون بل والعرب إلى الشوارع يرفضون الهزيمة ، رافعين شعار لا بل سنحارب ، ورافضين استقالة " عبد الناصر " . 

وسوف أفتح قوساً هنا " وأسوق جملة اعتراضية ، إذ يهاجم بعض الزملاء الناصريين فيلم " الممر " لأن أحد أبطال الفيلم قال إن ما حدث في 5 يونيه/حزيران 1967 لم يكن هزيمة بل خيانة ، وبالقطع فإن الإتهام بالخيانة هنا لا يطول الرئيس " عبد الناصر" إذ أجمعت وثائق وكتب تاريخ على أن " عبد الناصر " طبقا لتقارير موثوقة وصلته قد أبلغ قيادة الجيش والقيادة السياسية أن العدوان الإسرائيلي سوف يبدأ صباح الخامس من يونيه ، ومع ذلك كان هناك من نظم حفلاً ساهراً في قاعدة أنشاص استضاف فيه الطيارين المصريين حتى صباح 5 يونيه ، وحين بدأ العدوان كان الطيارون يغطون في النوم ، وفي حدود علمي فإنه لم يجر حتى الآن تحقيق جدي في هذه الواقعة الخطيرة ، التي لا تقل عن خيانة ، وحتى لو أفترضنا حسن النية كانت مجرد إهمال جسيم ، فإنه الإهمال الذي يرقى إلى حد الخيانة ، وهنا أغلق القوس . 

لم يكن قرار بدء حرب الاستنزاف مجرد رد اعتبار لكرامة الشعب والجيش المصري ، وقد عبّر الفيلم عن عمق الجروح التي أصابت المقاتلين تعبيرا بليغاً ، بل إن القرار كان وليد رؤية تأسست على إطلاق منظومة حداثية مكتملة الأركان بداية بإعادة تكوين أفراد الجيش وحسن إختيارهم . 

ومامن أسرة مصرية عاصرت هذه الأيام بعد حرب 67 إلا وكان لها أحد الأبناء قد تخرج فى الجامعة ثم جرى تجنيده ، فقد صدر قرار بإلحاق هذا الجيل المتعلم كله بالقوات المسلحة ، وتدرب هؤلاء جميعاً على الأسلحة الجديدة ليكونوا بعد ذلك جيش العبور المجيد ، بعد أن تعرفوا جيداً على صنوف الحرب الحديثة عملياً ، إذ كانوا ـ بطبيعة الحال ـ الأقدر على الاستيعاب والتطور من الجنود الأميين الذي كانوا حتى ذلك الحين يشكلون القاعدة الاساسية للمجندين ، وكان قد جرى حشدهم على الجبهة بصورة أقرب إلى الفوضي 

وكان العون الذي قدمه الاتحاد السوفيتي في ذلك الحين في مجال التسليح أو التدريب أو التسهيلات التجارية جزءاً من هذه الملحمة العظيمة . 

أرهقت هذه الحرب ـ حرب الاستنزاف ـ إسرائيل وكبدتها خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات عبرت عنها السينما المصرية في فيلم الطريق إلى إيلات ، لإنعام محمد علي ، الذي أصبح علامة في كل من تاريخ السينما وتاريخ الوطنية المصرية . 

ولجأت إسرائيل ـ مراراً ـ إلى الوساطة الدولية لإيقاف هذه الحرب والتي حاول رجال " السادات " تهميش أثرها وطمس ملامحها من وعي الأجيال الجديدة لأنها لا تنتسب " للسادات " وإنما " لعبد الناصر " ، وبدا كأن عبور الجيش المصري لقناة السويس في 73 منقطع الصلة بالتاريخ القريب لهذا الجيش . 

ولكن للتاريخ رأياً آخر ، إذ كانت هذه الحرب هي المدرسة الجامعة والمختبر الذي عرف فيه الجيش قدراته ومواهبه وطاقاته التي كان قد طمسها الإهمال والصراع على المناصب وعلى المنافع الصغيرة ، والتي أدت جميعاً ضمن عوامل أخرى إلى هزيمة 1967 . 

فـ " الممر " آمن من جهة أخرى لأن هذه الحرب التمهيدية ، التي يدور الفيلم حول إحدى وقائعها كانت قد وضعت كلا من الجيش والمجتمع المصري وكان الأخير منخرطاً لشوشته في بناء السد العالي ، وضعتهما معاً قلب العصر ، ودفعت بهما معاً إلى الأمام خروجاً من حالة الترهل والتخلف المعرفي والعلمي ، وتكشفت عبره قوى الإبداع الكامنة لا فحسب داخل المتعلمين وإنما داخل الأميين أيضاً الذين عبر عنهم " أحمد فؤاد نجم " في رسالته للجندي " عبد الودود " . 

وعبر المصريون كافة تقريباً عن هذه الطاقة الإبداعية في كل من أشكال رفضهم لحكم الإخوان الذي كان يدفع بالبلاد إلى الوراء باسم استعادة الخلافة الإسلامية " وطظ في مصر " ولعلها مصادفة سعيدة أن يتزامن إنطلاق هذا الفيلم مع الاحتفال بالعيد السادس لثورة 30 يونيه/حزيران التي واصل فيها الشعب المصري سلوك " الممر " إلى المستقبل ، رافضاً حكم المرشد ، وعارفاً بطبيعته الرجعية المعادية للعصر وللتقدم ولأحلام الشعب .

ولعل أجمل ما أسعدني من ردود الأفعال حول " الممر " هو ذلك الوعي الشبابي بحقيقة إسرائيل ككيان عنصري وعدواني ، ولم لا ألا تدور عقيدة الجيش المصري حتى الآن حول اعتبار إسرائيل هي العدو رغم كل ألاعيب السياسة ، وتستدعي الأجيال الجديدة بحماسها للفيلم التراث التاريخي للوطنية المصرية . 

فنياً لم يخل " الممر " من بعض الخطابية والترهل أحياناً ، وهو ما لا يقلل من براعة وقدرة كل من شاركوا فيه ، وكأنهم يقومون بمهمة ، فتحية بشكل خاص " لأحمد رزق " و" محمد فراج " الذين لفت أداؤهما الأنظار ، وإلى مناقشة فنية للفيلم في مقال قادم ، إذ إطمأن قلبي لأنه سيبقي معروضاً لزمن طويل .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top