ماهي الثقافة؟؟

ماهي الثقافة؟؟

الناقد والمفكر "تيري إيغلتُن" يقترح تعريفات لها : قد تكون الثقافة نقداً للحاضر أو صورة للمستقبل..

لطفية الدليمي

ظلّت مفردة ( الثقافة )طوال العصر الحديث من أكثر المفردات إشكالية على صعيد المفهوم والتطبيقات ،

كما ظلّت الدراسات الثقافية - التي تعدُّ حقلاً معرفياً تتداخل فيه الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا وتأريخ الأفكار واللغويات والفلكلور والسياسات الحكومية - ميدان تجاذب ومساجلات فكرية متواترة ، وباتت الثقافة بعد التحولات التي أحدثتها الحرب العالمية الثانية وسيلة من وسائل القوة الناعمة في الحرب الباردة بين المعسكرين في فترة نهاية الأربعينيات حتى أوائل التسعينيات، وقدكشف كتاب ( من يدفع للزمار -الحرب الثقافية الباردة ) لمؤلفته الباحثة البريطانية فرانسيس ستونر سوندرز المساعي المحمومة التي قامت بها الـ CIA لمحاربة دول الكتلة الاشتراكية عن طريق الثقافة وتسخير المثقفين المتعاونين والمجلات والصحف والجوائز ووسائل الاعلام المختلفة لاختراق المنظومات السياسية عبر الثقافة ، وقد نجحت الـ CIA في مسعاها إلى حد تفكيك المنظومة الاشتراكية ، ثمّ استُخدمت الثقافة سلاحاً من أسلحة العولمة التي تسعى لتوسيع نطاق الرأسماليات الرمزية المدعمة بمصنّعات مادية تُعلي شأن الإقتصاديات الكبيرة وترسّخ سطوتها على الساحة العالمية .

إحدى المساهمات المهمّة والحديثة في تفكيك مفهوم ( الثقافة Culture ) هو كتاب ( الثقافة ) الصادر سنة 2016 عن جامعة ييل للكاتب البريطانيّ ( تيري إيغلتُن Terry Eagleton ) والصادر بترجمتي للعربية عن ( دار المدى) ، ومعروف عن إيغلتُن أنه ناقد ومنظّر أدبيّ وباحث في حقل الدراسات الثقافية وسياسات الثقافة . نشر إيغلتُن العديد من الكتب وقد تُرجم بعضها إلى العربية ( ومنها مذكّراته التي نشرتها دار المدى بعنوان " حارس البوّابة " عام 2015 و كتاب " المادية " 2018 . وكتاب " الثقافة " وهو كتاب مستقلّ ومتميّز عن كتابٍ آخر نشره إيغلتُن من قبلُ بعنوان ( فكرة الثقافة ). 

يعدُّ كتاب ( الثقافة ) بحثاً تأريخياً - سوسيولوجياً - وانثروبولوجياً مركّباً في مفهوم الثقافة ، يقدمه إيغلتُن بأسلوبه الأخاذ الذي يركّزُ فيه على ثيماتٍ محدّدة في سياق الموضوعة الأساسية التي يتناولها ، ومعروفٌ عن إيغلتُن ميله لاعتماد الدعابة والعبارات القصيرة المتلاحقة ؛ مما ييسر للقارئ الحصول على فكرة شاملة وسريعة وجيدة التناول عن موضوعة البحث ، وإذا ماكان الحديث يتناول موضوعة معقّدة وكثيرة الإشتباكات مع الحقول المعرفية الأخرى مثل فكرة ( الثقافة ) فإنّ كتاب إيغلتون يقدم مانعده ملخصاً أساسياً ومدخلاً لقراءات شاملة أكثر تخصّصاً في الوقت ذاته .

ماهي الثقافة ؟؟

هناك الكثير من عناوين عصرنا ووقائعه ما يشيرُ إلى الثقافة : صراعات الثقافة ، حروب الثقافة ، الهوية الثقافية ، النقاء الثقافي ،،، الخ . يبدو معنى ( الثقافة ) مفهوماً متمدّداً ومطّاطاً ويمكن تطبيقه تقريباً على أيّ موقف أو تعبير أو جهد إنسانيّ . 

قدّم تيري إيغلتُن : - الفيلسوف الإشكاليّ - من جانبه محاولات مثيرة لتعريف ( الثقافة ) أو في أقلّ تقدير المساعدة في تحديد معايير الثقافة وعناصرها ذات الدلالة المميزة . 

فجاء كتابُ الثقافة عملاً غاية في الإشراق وإثارة الدهشة والمتعة ويمكن فهم مضامينه من غير مشقة وعناء ، وتتماهى طريقة إيغلتُن ومنهجيته في التعامل مع موضوعات كتابه هذا مع خصائص بعض أكثر الكُتّاب إثارة للفكر الخلّاق عند التعامل مع موضوعات تمتد على نطاق واسع ، ومن أمثلة هؤلاء الكتّاب : إدموند برك Edmund Burke ، أوسكار وايلد Oscar Wilde ، تي. إس. إليوت T. S. Eliot . وتبدو أطروحات إيغلتُن الدقيقة والصارمة - والتي لاتعوزها روح الدعابة - بشأن الثقافة تبدو مثيرة للمشاعر وبخاصة للأمريكان حيث تقع أمريكا اليوم في لجّة شعبوية رئاسية غريبة الطابع تبعث المرارة في النفس ؛ إذ نشهد إنحداراً ثقافياً عزّ نظيره على المستوى الرسمي والشعبي. 

يتناول إيغلتون موضوعات الثقافة الجمعية والكيفية التي بات بها التمييز بين الثقافة والمجتمع في السنوات الأخيرة غير محدّد الخصائص وعلى نحوٍ يتزايد يوماً بعد آخر . يكتب إيغلتون بهذا الشأن : " إستحالت الثقافة وعلى نحوٍ متزايد مسألة صورة ، وشكل أيقونيّ ، ومشهديات مصممة لإمتاع الجموع ... " ، ثمّ يضيف قائلاً : " غداً كلّ من التجارة والإنتاج يعتمدان أكثر فأكثر على التغليف ، والتصميم ، ومنح العلامات التجارية ذات الشهرة العالمية ، والإعلان ، والعلاقات العامة ؛ أمّا العلاقات الشخصية فصارت موضوعاً خاضعاً لوساطة النصوص والصور التقنية ... " . 

إنتقادات إيغلتون للثقافة المعاصرة قد تكون لاذعة أحياناً ؛ لكنها ليست ساخرة أبداً ولا تعمل على تشويش أذهان قرائه . يكتب إيغلتون بعض تعريفاته للثقافة : " الثقافة يمكن أن تكون نموذجاً للكيفية التي نعيش بها ، أو شكلاً من هيكلة الذات أو تحقيق الذات ، أو ثمرة حزمة من أشكال الحياة المعيشة لجماعة كبرى من الناس ،وقد تكون الثقافة نقداً للحاضر أو صورة للمستقبل ... " .

الثقافة بمنظار تيري إيغلتون

يسائِل كتاب " الثقافة " المعاني المختلفة التي يثيرها مصطلح " الثقافة " ، ثم يمضي في إستكشاف بعض الفروقات الجوهرية بين فكرة الثقافة ومفهوم الحضارة ، وبعدها يواصل مساءلة المبدأ مابعد الحداثيّ الخاص بالنزعة الثقافية ( المثاقفة ) Culturalism ؛ فقد كانت الثقافة على الدوام أمراً أساسياً للوجود الإنسانيّ ، وفي سياق فعل ذلك يعمد المؤلف لتقديم المفاهيم الخاصة بالتنوّع diversity ، التعدّد plurality ، الهُجنة ( التهجين ) hybridity ، الشمول ( التضمين ) inclusivity في إطار نقديّ بعيد عن النقودات المعيارية المتداولة، كما يتناول الكتاب الموضوعة الخاصة بالمعتقدات السائدة في حقل النسبية الثقافية . 

يمكن رؤية الثقافة باعتبارها شكلاً من أشكال اللاوعي الإجتماعيّ ، ومع الحفاظ على هذه الفكرة حاضرة في العقل يتناول المؤلف أعمال إثنيْن من أكابر الداعين لهذه الفكرة : الفيلسوف السياسيّ إدموند برك Edmund Burke ، المؤلّف الذي تُعرَفُ كتاباته على نطاق واسع ؛ غير أنّ تأثيره في صياغة فكرة الثقافة لم يلقَ صداه المستحقّ لدى الأوساط العامة ، أما الداعية الثاني فهو الفيلسوف الألمانيّ جوهان غوتفريد هيردر Johann Gotfried Herder الذي لم يتماشَ فكره الفريد في أصالته بشأن الموضوعات الثقافية مع " الموضات " الثقافية السائدة ؛ لذا لم يلقَ التقدير الذي يستحقّه بجدارة . يورد المؤلف إضافة إلى ماسبق بعض التعليقات بشأن كون الثقافة نمطاً من اللاوعي الجمعيّ في أعمال تي. إس. إليوت T. S. Eliot و رايموند وليامز Raymond Williams : هذان المفكّران اللذان لطالما كانت الثقافة لديهما مفهوماً حيوياً بدرجة فائقة ولكنْ من موقفين سياسيّين متعارضيْن على نحو حاد . 

ثمة فصلٌ في الكتاب عن أوسكار وايلد Oscar Wilde يقدّم بعض آيات الإجلال والتوقير لهذا الناقد الثقافيّ الأكثر جسارة والمُتَفَق على قدراته العظيمة بين النقّاد الثقافيين ، ويوفّر هذا الفصل تلخيصاً لبعض المفاهيم المُعدّلة للثقافة والتي تمّت مساءلتها من قبلُ ، ثمّ ينعطف الكتاب لمساءلة الأسباب الكامنة وراء تعاظم فكرة الثقافة في عصرنا الذي يُنظَرُ إليه غالباً بأنّه عصرٌ حديثٌ متواضع الثقافة ، ويتناول بهذا الشأن طائفة من تلك الأسباب ، وأهمّها من الناحية الجوهرية : فكرة الثقافة باعتبارها نقداً جمالياً ومثالياً ( يوتوبيّاً ) للرأسمالية الصناعيّة ، نشوء النزعات القوميّة الثورية ، السياسات الخاصة بالتعددية الثقافيّة والهوية ، البحث عن بديل للدين ، إنبثاق ماصار يعرف صناعة الثقافة . يقدّم إيغلتون أيضاً رؤية نقديّة لمبدأ النزعة الثقافيّة الذي يمتدّ عميقاً إلى فجر الوجود الإنسانيّ وحتى عصرنا الحاضر جنبا إلى جنب مع موضوعة النسبيّة الثقافيّة . ثمة فصل ختاميّ يقدّم فيه المؤلف حصيلة إستنتاجيّة يناقش فيها عدداً من الأسباب الداعية لاعتبار الثقافة في كلّ الأحوال موضوعة جوهرية وأساسية للغاية في المجتمعات الحديثة وعلى النحو الذي يراه بعض أهمّ المُدافعين عن الثقافة وحاملي لوائها .

الجامعات الغربية :أخلاقيات السوق وغطرسة الثقافة 

يورد إيغلتون في الفصل الأخير المعنون ( غطرسة الثقافة ) ملاحظات مهمة وخطيرة بشأن الجامعات - باعتبارها حاضنات ثقافية كلاسيكية - ؛ فقد صار التقليد الجامعيّ الممتدّ لقرون بشأن كون الجامعات مراكزَ للنقد الفكري وصناعة المعرفة عرضةً للتدمير الحاليّ الممنهج من خلال تحويلها إلى شركات شبه رأسماليّة مزيّفة تحت سطوة الآيديولوجيا الإدارية الجاهلة شديدة التغوّل والقسوة ، وراحت ميادين التأمّل النقديّ والمؤسسات الأكاديميّة تُختَزَلُ على نحوٍ مضطرد إلى عناصر في السوق الرأسمالية تُضافُ إلى المحلّات التجارية ومراكز بيع الأطعمة السريعة ، ووُضِعت تلك الميادين والمؤسسات - في معظمها - بأيدي نخبة تكنوقراطية لاتعني القيم بالنسبة لها سوى موضوعة مماثلة للتعامل مع سوق العقارات ، وصار الشغيل ( البروليتاريّ ) الجديد من الأكاديميين المنتمين لعالم الفكر يتمّ تقييمه من خلال الكيفيّة التي يمكن لمحاضراته حول أفلاطون أو كوبرنيكوس - مثلاً - أن تساهم في دعم الإقتصاد وتعزيز جني المال ؛ أما الخريجون الجامعيون الجدد غير الحاصلين على فرصة عمل في الحقول الفكرية فيشكّلون بنظر التكنوقراط الرأسماليين شكلاً من الإنتلجنسيا الرثّة .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top