مذكرات أورويــل.. ليست اعترافات

مذكرات أورويــل.. ليست اعترافات

 سايمون ليس / ترجمة توفيق الأسدي

بمناسبة صدور كتاب "مذكرات" لجورج أورويل، من تحرير "بيتر دافيدسون" ، هذا المقال نشرته مجلة "نيويورك ريفيو أو بوكس" 

 

جورج أورويل الحميم؟ بدا مثل هذا العنوان لمقالة عن مذكراته ، ولكن يمكنه أيضاً أن يكون مضلِّلاً من حيث إنه قد يوحي بتمييز مصطنع -أو ربما تضاد – بين "إيريك بلير" (الاسم الحقيقي لأورويل)، الشخص العادي وجورج أورويل الكاتب الذي نشرت أعماله. كان «إيريك بلير» بطبعه شخصاً متحفظاً وكتوماً بل وحتى أخرق، وهذا صحيح. بينما كان «أورويل» والقلم (أو المسدس) في يده، محارباً جريئاً. وفي الواقع، فإن هذا يصبح أكثر وضوحاً بعد قراءة هذين الكتابين، فقد كانت الحياة الشخصية «لبلير» والنشاط العمومي «لأورويل» يعكسان شخصية واحدة ذات رأي مستقل إلى حدٍّ كبيرٍ. لقد صًنع «بلير- أورويل» من قطعة واحدة: وهناك موضوعة تتكرر كثيراً في شهادات كل أولئك الذين عرفوه عن كثب، ألا وهي "بساطته الرهيبة". كانت لديه "براءة شخص بدائي".

وعلى نحو مخالف لما افترضه بعض المعلقين سابقاً (وأنا واحد منهم)، فإن تبنيه لاسم مستعار كان مجرد صدفة ولم يحمل أي أهمية خاصة له على الإطلاق. فحين نشر أول كتبه "معدم في باريس ولندن" (1939)، كان يرغب ببساطة في أن يوفر على أبويه إحراجاً محتملاً: فالسيد والسيدة بلير العجوزان كانا ينتميان إلى "الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة" التي لا تملك مالاً؛ وكان من الممكن أن يشعرا بالحزن لو أنه كان سيُنشر على الملأ أن ابنهما الوحيد عاش حياة تسكع وبطالة وتشرد وإفلاس. وهكذا اختار اسمه المستعار عشوائياً في آخر دقيقة قبل نشر الكتاب. ولكنه واصل استخدامه لاحقاً في كلِّ منشوراته – في الصحافة والمقالات والكتب – فبقي ملتصقاً به. 

نشرت جميع مذكرات «أورويل» التي ما تزال موجودة (فبعضها فُقد وواحدة منها سرقت منه في برشلونة خلال الحرب الأهلية الإسبانية من قبل عضو في الشرطة السرية الستالينية... وقد تكون ما تزال حتى اليوم محفوظة في أرشيف موسكو) عام (1998) من قبل «بيتر دافيدسون» والتي ضمّنها في كتابه "الأعمال الكاملة لجورج أورويل" (في 20 مجلداً وتسعة آلاف صفحة). وهذه المذكرات جمعت الآن بشكل ملائم في مجلد واحد مع مقدمة ممتازة وتعليقات وشروح «لدافيدسون» نفسه. وتقدم هذه المذكرات ثروة من المعلومات عن أنشطة «أورويل» وهمومه واهتماماته يوماً بيوم. وهي تمثل للباحثين قيمة وثائقية كبيرة، ولكنها لا تتفق مع زعم «دافيدسون» بأن "هذه المذكرات تعرض سيرة ذاتية بحكم الواقع لحياته وأفكاره خلال جزء كبير من سني عمره."

مذكرات «أورويل» ليست اعترافية: فهو لا يسجل إلا نادراً جداً انفعالاته وانطباعاته وأمزجته ومشاعره. أما ما يدونه بسرعة وإيجاز فعبارة عن وقائع صارمة وجافة؛ أحداث تجري في العالم الخارجي أو في حديقة الخضار الصغيرة خاصته. فهو يذكر إصابة عنزته"مورييل" بإسهال خفيف من جراء أكلها للعشب النديّ. «تشرشل» يعود إلى الحكومة. هناك قتال يجري في "مانتشوكوو" (1). نبات الراوند ينمو جيداً."بيلا كون " (2) يُقتل في موسكو. زهور الثالوث وبقدونس التيس تتفتح. يقدر عدد الجرذان في بريطانيا بين 4-5 ملايين جرذ في نهاية عام (1940). ومع تعاظم خطر الغزو الألماني لبريطانيا يقول: "أمشي في الشارع وأجد نفسي أنظر إلى النوافذ لأرى أيها يصلح ليكون مركزاً للمدافع الرشاشة.

في اختيار «دافيدسون» للرسائل، نرى «أورويل» خلاف الكثيرين من كتاب الرسائل، صاحب صوت واحد؛ فهو متحفظ حتى مع أصدقائه القدامى، وسخيّ مع الغرباء، ولكنه يعامل الجميع بالصدق نفسه. وتوضح الرسائل جميع همومه واهتماماته وعواطفه الأساسية، وتنير بعض النواحي المذهلة من شخصيته.

في السياسة:

عرّف «أورويل» نفسه ذات مرّة في كلام نصف مازح بأنه "فوضوي من حزب المحافظين". وبالفعل، بعد تجربته الشبابية الأولى في الشرطة الكولونيالية في بورما، فكل ما كان يعرفه أنه يكره الإمبريالية وجميع أشكال الاضطهاد السياسي. بدت له السلطة بأنواعها كافة كموضع للريبة. يقول:"حتى مجرد النجاح كان يبدو لي كشكل من أشكال التنمّر." ثم طور بعد بحثه في أوضاع العمال في المناطق الصناعية من شمال إنكلترا خلال فترة الكساد الاقتصادي، التزاماً كبيراً بـ"الاشتراكية" دون التزام حزبي: "الاشتراكية تعني العدل والحرية حين نخلصها من الهراء." وقد حدثت نقطة التحول الحاسمة في تطوره السياسي في إسبانيا، حيث تطوع لمحاربة الفاشية. أولاً، كاد يُقتل برصاصة فاشية ثم نجا بصعوبة من الاغتيال على يد الشرطة السرية لستالين:

((ما شاهدته في إسبانيا وما رأيته منذ ذلك الحين من أساليب عمل الأحزاب اليسارية قد جعلني أصاب بـ "رعب من السياسة"... أنا يساري دون شك، ولكني أعتقد أن الكاتب لا يستطيع البقاء صادقاً إلا إذا تحرر من الملصقات الحزبية)) .

ومنذ ذلك الحين اعتبر أن الواجب الأول على كل اشتراكي هو محاربة حكم الفرد والذي يعني من حيث الممارسة "إنكار الأسطورة السوفييتية، فلا فرق كبير بين الفاشية والستالينية." 

حين أراد بعض المنشقين السوفييت ترجمة روايته "مزرعة الحيوانات" إلى الروسية (لتوزيعها سراً وراء الستار الحديدي) فقد راسلوه ليطلبوا منه الإذن بالترجمة: وقد كانت الرسالة باللغة الروسية، إذْ إنهم افترضوا أن كاتباً كان يتحلى بذلك الفهم الدقيق والشامل للواقع السوفييتي – بالتناقض مع الجهل المريع لمعظم المثقفين الغربيين- كان لا بد وأن يكون على معرفة جيدة باللغة الروسية. 

كان «أورويل» رجلاً صبوراً لم يتذمر قط من ظروفه المادية والجسدية مهما بلغت في قسوتها معظم الوقت. ولكن من المعلومات المتوفرة في "الرسائل" يدرك المرء أن ضائقته المادية (التي وصلت أحياناً إلى الفقر المفرط) رافقته حتى ما قبل ثلاث سنين من وفاته حين استلم حصته من مبيعات "مزرعة الحيوانات" التي حققت نجاحاً كبيراً ربما لم يكن هو يتوقعه. وبينما أصبحت حالته الصحية مشكلة دائمة وعويصة (كان مصاباً بالسل ولكن دون أن يُشخص المرض بشكل صحيح) منذ عودته من بورما في سن الخامسة والعشرين. في السنوات اللاحقة كان يخضع لعلاج متكرر ومطول ومؤلم في أحيان كثيرة في مستشفيات متعددة. وفي السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة من حياته القصيرة (مات في سن السادسة والأربعين) كان شخصاً معلولاً، لكنه أصرّ معظم الوقت على الاستمرار بنشاطه العادي.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top