قراءة متأنية للأمر الديواني المرقم 237 : مقتضيات المرحلة والتحديات الستراتيجية

آراء وأفكار 2019/07/10 06:42:37 م

قراءة متأنية  للأمر الديواني المرقم 237 : مقتضيات المرحلة والتحديات الستراتيجية

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

أصدر رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة الأستاذ عادل عبد المهدي أمراً ديوانياً عُدّ على سلم الأولويات الأمنية برقم 237

إستجابة مهمة لمقتضيات المصلحة الوطنية العراقية إنطلاقاً من الإيمان بالدور المميز لمقاتلي الحشد الشعبي في تخليص العراق من عصابة داعش الارهابية التي احتلت مايقارب من ثلث مساحة البلاد والاستمرار بحماية أراضي العراق من كل المخاطر المترتبة على إحتمالية تجدد بعض مظاهر الارهاب على تخومه الإقليمية مايستدعي تمتين وتعزيز إنسيايبة عمله من خلال بناء هيكلية جديدة تتوافق مع ظرف تعزيز الأمن الوطني العراقي. عشر نقاط رئيسة تضمنها الأمر الديواني أشير أولاً لبعضها بشكل مركز ومن ثم أقدم تصوراً عنها :

أولاً: أن تعمل جميع قوات الحشد الشعبي كجزء لايتجزأ من القوات المسلحة بإمرة القائد العام للقوات المسلحة ويكون مسؤولاً عنها رئيس هيئة الحشد الشعبي المعين من قبل القائد العام للقوات المسلحة. 

ثانياً: يتم التخلي نهائياً عن جميع المسميات التي عملت بها فصائل الحشد الشعبي وتستبدل بمسميات عسكرية تشمل الحشد الشعبي أو أية تشكيلات أخرى محلية أو على صعيد وطني. 

ثالثاً: تقطع الوحدات أفراداً وتشكيلات أي أرتباط سياسي أو أمري من التنظيمات السابقة. 

رابعاً: تستطيع الفصائل التي لاتلتحق بالقوات المسلحة أن تتحول إلى تنظيمات سياسية خاضعة لقانون الأحزاب ولقوانين ولضوابط العمل السياسي والمجتمعي السائدة ، مع منع حملها للسلاح إلا بإجازة ولغرض حماية مقراتها المدنية والقيادية تماماً كبقية التنظيمات السياسية. 

خامساً: تحديد معسكرات تجمع قوات الحشد الشعبي تماماً كما تحدد لبقية القوات المسلحة. من منظور مكمل خضوع هذه المقرات لما يعرف عسكرياً بنظام المعركة وفقاً للسياقات العسكرية المعهودة. 

سادساً: إغلاق جميع المقرات التي تحمل أسم فصيل من فصائل الحشد الشعبي سواء في المدن أو في خارجها. ولعل من المناسب الإشارة إلى أن أهمية الأمر الديواني ترجع أيضاً الى إغلاق المكاتب الاقتصادية الملحقة بها. 

سابعاً : منع وجود أي فصيل مسلح يعمل سراً أو علناً خارج هذه التعليمات حيث يعتبر خارجاً عن القانون.

ثامناً: حدد تأريخ 31 /7/2019 موعداً نهائياً لوضع الترتيبات النهائية موضع التنفيذ. 

تاسعاً: سيتم إصدار أوامر لاحقة لتبيان هيكلية وتشكيلات الحشد الشعبي. 

خطوة تستتبعها إجراءات غاية في الأهمية بانتظار التنفيذ الفعلي . أول إرهاصات التداعيات تبدو مرحبة وإلى حد بعيد بصدور الأمر الديواني ولعل مبادرة زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر بفك ارتباط فصيله "سرايا السلام" مباشرة تمهيدً لإلحقائه بالمؤسسة الأمنية – العسكرية خير دليل على أن قرار القائد العام للقوات المسلحة تلقى ردود فعل إيجابية تتسع باستمرار طالما توفرت الإرادة السياسية للاستجابة وللتنفيذ الفعلي.في ذات السياق رحب بالقرار زعيم تيار الحكمة السيد عمار الحكيم وكذلك رئيس تيار النصر رئيس الوزراء السابق الدكتور حيدر العبادي وقيادات أخرى مهمة من الفتح وتحالف المحور الوطني وغيرها.. الترحيب ولاشك يُعد مسألة مهمة جداً ولكن المساندة غير المتحفظة في متابعة تنفيذ التوجيه والاستقامة في التطبيق القانوني على الجميع دون تمييز أو تمايز أمر حيوي لضمان عدم تسيس المؤسسات الأمنية المستقلة وعلى رأسها المؤسسة العريقة للجيش والشرطة العراقية . يمكن القول إن ماصدر من توجيه رسمي من قبل حكومة السيد عادل عبد المهدي حول صيغة إدماج الحشد الشعبي في المنظومة الرسمية المهنية - العسكرية ليس أمراً مستجداً (يرجع لعام 2016) ، ووفقاً لرأي المحلل العراقي فاضل أبو رغيف قد جاء القرار التاريخي عقب توافق محتمل بين القائد العام للقوات المسلحة وهيئة الحشد. يرجع الفارق بين قرار عام 2016 والأمر الديواني 237 إلى إختلاف في طبيعة ،تعقد وحساسية المرحلة الراهنة التي تتميز بإنعكاس حالة الاستقطاب الحاد والتوتر الشديد المتصاعد بين إيران من جهة والولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى على مستقبل الوضع العراقي الذي يتطلب بالضرورة وبشكل حازم وسريع إنهاء كل أنواع مظاهر المليشيات العسكرية وشبه عسكرية على الساحة العراقية التي قد تعطي ذريعة للولايات المتحدة الاميركية لضرب بعض مواقعها داخل العراق إذا ما وصلت الأزمة الاميركية – الإيرانية لسياسة حافة الهاوية .

بينما من منظور مقابل متحسب لإمكانية تطبيق القرار بصورة دقيقة أشار المحلل الستراتيجي أحمد الشريفي إلى أن القرار "جزّأ المؤسسة العسكرية ، في الوقت الذي يحتاج فيه العراق إلى توحيد مؤسسات الدولة من أجل رصد موارد مالية والارتقاء بالقدرات البشرية ضمن مفهوم الجيوش الحديثة التي تقتضي أن تعزز القدرات البشرية بقدرات تقنية". في تقديرنا المتواضع إن تفصيلات الهيكلة والقضايا الفنية المهنية المرتبطة بكيفية واساليب الانضمام والوقت المتاح ستأخذ ربما وقتا أطول وتحتاج بالضرورة لدعم واضح وقوي من المؤسسة السياسية والعسكرية العراقية، علما بإن الحشد الشعبي سيستمر النظر إليه منظمة وطنية ولائها الحقيقي للدولة العراقية فقط ، مايقتضي أن يضبط دورها قانونيا ، مهنيا ، جغرافيا وعمليا إلى جانب القوات المسلحة العراقية معطيا رسالة واضحة ومؤثرة عن أهمية استمرار محاربة الارهاب الداعشي وكل المظاهر المسلحة بكل صورها وأشكالها. 

ضمن هذا التصور تؤكد الخطوط العريضة للأمر الديواني على طبيعة الرسالة المهمة الصارمة التي وجهتها حكومة السيد عادل عبد المهدي لفصائل الحشد الشعبي : " أما أن تكونوا جزءا من المنظومة الأمنية أو أن تكونوا خارجها، وفي هذا الحال لن تتحمل أي تداعيات قد تحدث". علماً بإن للرسالة بعد سياسي يمكن فصائل الحشد من الانخراط في العملية السياسية إذا ما توفر الاستعداد وتطبيقات المناسبة التي تواكب حراك جدي لقيام دولة مدنية بعيداً عن عسكرة المجتمع "مسألة ليست يسيرة المنال ولكنها ليست مستحيلة التحقق". من المهم الإشارة إلى أن وجود مايقارب من 60 فصيلاً عسكرياً أو أكثر منضوياً تحت عباءة الحشد الشعبي دفع الحكومة العراقية السابقة للدكتور حيدر العبادي والحالية برئاسة الاستاذ عادل عبد المهدي لإطلاق وللدفع بمثل هذه المبادرة المهمة جداً التي هدفها إعطاء قيمة وهيبة عليا للدولة من خلال إخراج كافة أنواع السلاح المنفلت من العراق التزاما بالاختصاص القانوني –السيادي للدولة التي لوحدها حق احتكار السلاح ومنحه ضمن ضوابط قانونية منتظمة مرعية تضع مصلحة العراق أولاً .

ضمن هذا السياق من المفترض أن تتم الاجراءات العملية للضم بالتواز مع تقديم معالجة رسمية مركزية مهنية تفصيلية لموضوع الحشد تضعه اولا في صلب أو قلب الاهتمام المركزي للدولة وثانيا تعتبره عملا جهة وطنية تتبع مسارا فوق أية ميول ، إعتبارات وهويات أو ولاءات فرعية عشائرية ، مذهبية وعرقية أو مناطقية. من المناسب الاشارة إلى أن اهمية بناء عراق قوي ليس عملية هينة أو سهلة المراس أو التطبيق نظرا لإن للوضع العراقي خصوصية تاريخية - مجتمعية يجب مراعاتها ومعالجة كافة إشكالاتها مع إمكانية مقارنتها بتجارب الدول الاخرى التي مرت بإوضاع أو حالات مماثلة نسبيا للاستفادة من نماذج النجاح لديها والتخلي عن امثلة الفشل . إن مدى نجاح المشروع الجديد يعتمد على مدى خلوص النوايا وأهمية بناء الثقة المتبادلة بين مؤسسات الدولة الرسمية من جهة وفصائل الحشد الشعبي وهو أمر يعتمد على التفكير الجدي ببناء عراق مدني وطني التوجه بعيدا عن اعلاء قيمة الهويات الفرعية سواءا أكانت دينية –مذهبية -عرقية –قبلية –عشائرية أو مناطقية "جهوية" وبعيدا عن ولاءات اقليمية وايدولوجية . ترتيبا على ذلك يمكن الاشارة إلى مايلي: 

1. إن الوقت المتاح لعملية الانجاز قصير نسبياً (31 من تموز الحالي) مايتوجب أن يتابع تنفيذ التوجيه بشكل منتظم ومهني وعلى أعلى مستويات القيادة للحكومة المركزية – الفدرالية- وقيادة هيئة الحشد بصورة تنم عن تناغم وإنسجام نسبي في الادوارقانوناً ومجتمعياً وصولاً لبلورة دور قيادي ناضج - مهني ومتكامل للمؤسسة الأمنية – العسكرية الموحدة في توجهاتها الوطنية بعيداً عن أية تقاطعات فرعية أو مصالح فئوية تدخلها وتدخل بلادنا في حومة استقطابات أقليمية ودولية غير محسوبة العواقب وبعيدة عن مصلحة العراق.

2. إن مشروع الدمج أو الانضمام يجب أن يعالج من الجنبات القانونية – الدستورية والمالية - الاقتصادية غيرها بصورة توصلنا إلى صيغة موحدة فاعلة في التأثير الايجابي على بناء عراق موحد يحتسب لكافة المخاطرأو مظاهر التهديدات سواء أكانت داخلية ام خارجية المصدر حماية للعراق ومستقبل ابنائه. 

3. تقديري أن أحداث الأيام والأشهر الماضية التي أظهرت بشكل واضح انتشار نزاعات عشائرية (تجد أمثلتها في مناطق مختلفة من العراق مثل الفضيلية – محافظة بغداد وفي المحافظات الأخرى على رأسها البصرة ، نينوى وديالى والأنباروغيرها) كلها تعطي أنطباعاً واضحاً مفاده ضرورة أن تكون الدولة العراقية هي الجهة الرئيسة الوحيدة المالكة لزمام الشأن الأمني – العسكري والسياسي بحيث لا تعطى فرصة لأية جهة مهما أعطيت من أهمية دعائية من ممارسة دور يخل بالنظام العام للدولة خاصة إذا عدت من صور جماعات مليشياوية أوعشائر متناحرة مايعرض وحدة العراق وهيبته إلى إخفاقات أوتساؤلات لابد من نقاشها موضوعياً وحسم كل أزماتها بضمنها ما يعرف بالدكة والنهوة العشائرية . 

4. نظامي التعليم والثقافة في العراق لابد من الاهتمام بهما كثيراً كونهما أساسيان لخلق باكورة من جيل جديد مسؤول معرفياً وثقافياً قادر على حماية البلاد وأهلها من كل المخاطر الراهنة والمحتملة بالتواز مع استثمار حقيقي للمصادر البشرية التي لم تنل حظها بصورة مناسبة وصحيحة في خدمة البلاد ما سينمي العراق مستقبلاً ويجعله يحتل مكانة مهمة. 

5. "الحكم الرشيد" المسؤول والشفاف في إجراءاته وسياساته الرصينة والمعني بتطبيقها بشكل يحفظ وحدة العباد والبلاد سيخفف كثيراً من معاناة البشر مادياً ومعنوياً خاصة إذا ما إعتمدت رؤية وخطة جيوسياسية هدفها بناء وإنماء العراق على أسس وطنية بعيداً عن كل مايفرق ولايجمع من سياسات وآليات وتوجهات هدفها الرئيس الإعلاء من هيبة ومكانة العراق. 

6. إن النجاح في تطبيق التوجيه الديواني الجديد سيرتب مسؤوليات مهمة لتطبيق أوامر ديوانية أخرى على كل الجهات التي يفترض أن تكون ضمن إطار المؤسسات الأمنية الرسمية للدولة العراقية مايعزز كثيراً من هيبة الدولة ومكانتها. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top