المتمردون..لقد حان الوقت لكي أروي قصتي  |   الحلقة التاسعة   |

المتمردون..لقد حان الوقت لكي أروي قصتي | الحلقة التاسعة |

 علــي حســـين

إن الفرصة الوحيدة المهيأة لنا للتجديد ، هي أن نفتح أعيننا لكي نرى الفوضى التي تعم كل شيء " صموئيل بيكيت

عندما فاز بجائزة نوبل للآداب عام 1969 وصفته مجلة تايم الأميركية بأنه أشبه بقطعة لحم طويلة مغطاة بالتعاسة والشرود ، ونشرت على صفحاتها الداخلية العبارة التي يقولها أحد أبطال مسرحية نهاية اللعبة : "ليس هناك شيء أكثر تسلية من التعاسة". ، فيما وصفت لجنة جائزة نوبل أعماله بأنها :" تكتسب قيمتها ورفعتها في تصوير عذابات وتعاسة الإنسان المعاصر " .

يعترف صموئيل بيكيت المولود في الثالث عشر من نيسان عام 1906 في إحدى ضواحي مدينة دبلن في إيرلندا ، إنه لم يعرف السعادة يوماً ، كان الأبن الثاني لعائلة ميسورة الحال ، والده يعمل مسّاحاً للأراضي ، محب لقراءة الروايات الغرامية بينما كانت الأم تلقّن أبنائها الصلوات والتراتيل ، وفي يومياته يخبرنا أن لديه ذكريات قبل ظهوره الى الدنيا :" أتذكر إنني كنت محشوراً حبيساً ، وغير قادر على الإفلات . كنت أبكي كي يسمحوا لي بالخروج لكن أحداً لم يكن يسمعني . لم يكن يصغي أليّ أحد " . ونعرف أن ولادته كانت عسيرة ، حيث استغرقت أكثر من عشر ساعات . منذ اليوم الأول لولادته حظيّ بعناية متميزة من والدته .

تمنّى في شبابه أن يصبح لاعب غولف شهير ، وعندما لم يفلح توجه لسباق الدراجات النارية ، وفي النهاية قرر أن يصبح كاتباً :" إنها مهنة تحترم خصوصيتك " ، في سن الحادية والعشرين نشر كتابه " أحلام المرأة العادية " وهو كتاب وصفه النقاد آنذاك بأنه مجموعة من الهذيانات ، بعدها بعام يقرر أن يرحل الى باريس دون مال ، ترجم قصيدة رامبو " المركب السكران " لمجلة أميركية من أجل أن يوفر بعض المال ، حلِم أن يصبح ناقداً أدبياً ، أرسل مقالات للعديد من الصحف لكنها لم تُنشر ، يتعرف على جيميس جويس الذي بدأ يفرض تأثيره الكبير عليه ، لكنه رفض أن يكتب بمثل طريقة جويس :" يتمثل اختلافي عن جويس ، في إنه كان يحسن معالجة مادته وبشكل رائع ، وقد يكون الأعظم في هذا المجال . كان يعطي الكلمات أقصى ما تحمل ، ولا نجد عنده مقطعاً زائداً.أما نوع العمل الذي أمارسه ، فهو عمل لا أجدني فيه سيداً لمادتي ..كان جويس يميل نحو العلم الكلّي والقدرة الكلية للفنان ، أما أنا فأعمل في العجز ، وفي الجهل " . 

يستهويه مارسيل بروست فيقرر أن يكتب عنه كتاباً – ترجمه الى العربية حسين عجة – كان آنذاك في الثانية والعشرين من عمره ، يعمل مدرساً للغة الانكليزية ، مغرم بالفلسفة الالمانية التي قرر دراستها ، وشغوف بعمل دانتي الكبير " الكوميديا الإلهية ، ومغرم بشكسبير ، وجد في رواية مارسيل بروست " البحث عن الزمن المفقود فكرة الزمن ، ذلك :" الوحش ثنائي الرأس الذي يصب اللعنات ويهب الخلاص " ، كما وجد إن أدب بروست قد بُني على وهم خادع بتمامه ، في مسرحيته " شريط تسجيل كراب الأخير " يحاول بيكيت أن يقدم صورة ساخرة للزمن المستعاد " زمن لا نجد فيه أنفسنا قط " ، رأى في عمل بروست الكبير" البحث عن الزمن المفقود " عالم لاثبات فيه ، ومن ثم فإنه عالم يعيش فيه الإنسان في طلب ضرورة الانتظار . انتظار واقع ملتبس وغريب ..يقول لكاتب سيرته :" بما أن الفرد متغير بصورة مطردة ، ولما كانت القاعدة الوحيدة السارية المفعول للحقيقة هي التجربة والخبرة ، فإن الأقوال المتكررة التي تدعي وجود إمكانية خارج انصهار الزمن من جهة وبعيداً عن الإدراك النفسي المتغير للفرد من جهة أخرى ، يجب بالضرورة أن تكون كاذبة " .

في العام 1930 يعود الى إيرلندا بعد أن علم بموت والده فجأة ، كان الخبر بالنسبة له مؤلماً وجعله مكتئباً ، مما دفع أمه أن تدخله مصحة للعلاج النفسي ، وقد ساعده ذلك العلاج على أن يتخذ قراراً ببدء حياة جديدة بفضل معرفته للعديد من اللغات ، فغادر الى ألمانيا للدراسة فيها لمدة سنة واحدة ، وهناك يتفرغ للغوص في أعمال شوبنهور ، كتب الى أحد أصدقائه :" كانت قراءته أشبه بنافذة فتحت فجأة في غرفة تفوح منها رائحة العفن . لقد عرفت على الدوام إنه من بين أكثر الأشخاص أهمية في حياتي ، وبدأت أفهم الآن ، لماذا كانت قراءة شوبنهور متعةً أكثر حقيقية من كل المتع التي ذقتها منذ زمن طويل . إنها لمتعة أيضاً أن تجد فيلسوفاً يقرأ كما يقرأ شاعراً " .

لقد قرر نهائياً أن يتبنى وجهة نظر شوبنهور التي تتفق مع نظرته الى العالم والأشياء . القطيعة النهائية بين الإنسان والطبيعة ، وبين الإنسان والإنسان ، والحياة المليئة بالألم والموت والضياع والوحدة والفراغ .

يعود من جديد للقاء معلمه جيميس جويس ، وقد ربطت بينهما صداقة استمرت حتى موت جويس ، كان الاثنان يحبان الصمت : " كانت المناقشات بيننا تقتصر غالباً على تبادل الصمت " . كان جويس يجلس جلسته المعتادة ، وقد لف ساقيه وقدميه ويتخذ بيكيت برغم قامته الطويلة الوضع نفسه .

في السبعين من عمره وبعد أن حصد الشهرة والمال كتب بيكيت :" كل ما أندم عليه هو إنني ولدت ، لقد بدا لي دائماً إن الموت يستغرق زمناً طويلاً ، وإنه متعب " . ومع مرور الزمن أصبحت هذه الفكرة تطارده فنجده يكتب نصاً بعنوان " ولادتي كانت خسارتي " . بعد أن ينتهي من الثلاثية ظل يشعر بإحباط شديد ، يخبر زوجته سوزان :" إنني أجاهد نفسي ، كي أصارع الحالة التي تركني عليها اللامُسمى ، أي ما هو أكثر قرباً من العدم.وخلال الـ " 35 " عاماً التي عاشها بعد صدور روايته اللامسمى – توفى بيكيت عام 1989، وحصل على جائزة نوبل للآداب عام 1969 –عاش بيكيت حياة أقرب إلى اللاجدوى ، لكنه في المقابل ظل كريماً وحنوناً تجاه الآخرين ، حيث ظل يهب المال سراً وباستمرار ، لكل الأقارب والأصدقاء الذين يعانون من صعوبات مالية ، لم يهتم أبداً لشراء منزل جديد ، كما إنه لم يبدِ مبالاة تجاه المأكل والملبس . كان يريد أن يعيش كما هو ، إنسان يتمرد على كل ما يراه من خراب .

******

الحياة قاسية وتضيّق على خناق الإنسان، وتوجع أرواحنا دون هوادة. وعندما نشعر بأنّ قيودها قد تراخت، نستطيع أن نحسّ بألطافٍ مُبينَة.

مارسيل بروست

العام 1955 سيكون حداً فاصلاً في تاريخ تطور المسرح الانكليزي ، ، في هذا العام ظهرت على أحد مسارح لندن الترجمة الانكليزية لمسرحية " في انتظار غودو " ، فقد ساهمت هذه المسرحية بظهور ما سمي جيل الغضب والذي كان أبرز دعاته جون أوزبورون ، وهارولد بنتر ، وكولن ويلسون ، ودوريس ليسينغ ، وألان سيليتو ، وجون وين ، وكنجسلي أميس ، وآيريس مردوخ .

في العام 1948 ، ينتهي بيكيت من كتابة مسرحيته " في انتظار غودو " لكنه يواجه رفض المسارح تقديمها ، لأنها مسرحية بلا حكاية ولا أحداث 

ويستمر الأمر حتى يوم الثالث من كانون الثاني 1953، ففي ذلك اليوم كان الباريسيون على موعد مع مسرحية ديكورها مختصر الى أبعد حد ، شجرة جرداء وممثل يحاول خلع حذاءه ، إنه استراغون، وسرعان ما يلحق به فلاديمير ، ويبدو للمشاهد إنهما إلتقيا بالأمس فقط ، لكننا نكتشف إنهما تعارفا منذ خمسين عاماً ، إنهما ينتظران في هذا المكان شخصاً على موعد معهم ، لانعرف سوى أن اسمه غودو ، وهما يشغلان وقتهما بانتظار مجيئه بحديث مشتت تختلط فيه الشكوى بالحنين والذكريات والتأكيد على الصداقة ، والتذمر أيضاً ، ورغبة في الذهاب ، لكنها سرعان ما تتلاشى 

- هيا بنا . 

- لايمكننا الذهاب 

- لماذا 

- إننا بانتظار غودو 

ولسوف تتكرر هذه العبارة سبع مرّات ، ويستمر ذلك الإنتظار الرتيب على طول مدة المسرحية :" لاشيء يأتي ، لا شيء يحدث، لا أحد يجيء ، إن هذا لايطاق " ، لكن شخصين جديدين يظهران على المسرح ( بوزو ولوكي ) تبدو على الأول سمات الطاغية ، فهو يمسك بالثاني في حبل ، ويُحمل عليه حقائبه ، ويلقي عليه أوامره بقسوة ، ولا يفعل شيئاً سوى المرور على المسرح ، وعرض مشهد يرقص فيه لوكي بناء على أوامره ، وبعد ذهاب هذين الشخصين ، يعود استراغون وفلاديمير الى الإنتظار ، حتى لحظة وصول صبي يعلن أن غودو :" لن يأتي هذا المساء ، لكنه سيأتي غداً بكل تأكيد " .

الفصل الثاني وهو اليوم الثاني حيث نشاهد الشجرة مكسوة ببعض الأوراق ، ونجد أن الأحداث نفسها تتكرر على المسرح مع تغيرات بسيطة ، عاد فلاديمير واستراغون ليلتقيان مرة أخرى وعادا الى الإنتظار والى حديث متقطع ، حيث نجد استراغون يتحدث دائماً عن الرحيل ، لكنه يخفق دائماً في الوصول إليه . ويعود بوزو ولوكي ، لقد أصبح الأول أعمى ، والثاني أخرس ، ومرة أخرى لن يأتي غودو ، ويعود الغلام نفسه لينقل الرسالة ذاتها ، وينتهي الفصل الثاني بعبارة مكررة حرفياً من نهاية الفصل الأول : 

- نذهب إذاً

- هيا بنا ( ولا يتحركان) .

إذن نحن أمام مسرح يتحول الجميع فيه الى كتلة لحميّة . فاستراغون وفلاديمير ، بوزو ولوكي ، ليسوا سوى تسميات لحضور وحيد هو : الإنسان . لكن الأكثر غموضاً بالنسبة لجمهور المسرح ، بالتأكيد هو غودو ، والذي أفسح اسمه وغيابه الدائم لتفسيرات عديدة ، فالاسم جعل البعض يعتقد إنه مشتق من الكلمة الانكليزية " God " أي الله ، ويتضح بذلك في مجمل أحداث المسرحية ، إذا كان فلاديمير واستراغون في انتظار الإله ، لكن هذا لم يأتِ ، ونكون بذلك أمام مشهد يمثل بؤس الإنسان من غير الإله ، وإن الله غير آبهٍ الى قدر الإنسان العابث ، وتبقى النتيجة إن الإنسان لايعرف إلا وجوداً بلا معنى ، لقد خُلِق ليموت ، وما حياته إلا حركة جوفاء لاترتبط بأية أهمية ، ولعل أهمية "في انتظار غودو" تأتي من إنها كانت خلاصة للفلسفة الحديثة من شوبنهور وعدمية الوجود ، الى هيدغر وعبارته الشهيرة الإنسان خلق للموت الى وجودية سارتر " لايمكن تفسير الوجود ، إنه عبثي".

أصيب بيكيت بذهول من النجاح الذي حققته ، فقد عرضت خلال شهور في ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ، وترجمت فيما بعد الى عشرين لغة ، ووجد نفسه ينتقل من العزلة الى الشهرة ، وكان عند كتابة المسرحية يتوقع لها الفشل ، فحياته التي عاشها تكونت من لحظات الإخفاق والتمرد ، ولهذا كان يرى إن الفشل ، مناسبة جديدة للإبداع ، فهو حسب قوله " تمرد مستمر للفنان المبدع " ، ولهذا راح بيكيت يسأل نفسه عن هذا النجاح الكبير الذي حققته مسرحيته " في انتظار غودو" ، فربما انطوى هذا النجاح على بعض التساهل الذي لم ينتبه إليه ، فيكتب :" في المسرحية التالية ، لن اخفض جناحي لأحد " . والمسرحية التالية ستكون " نهاية اللعبة " التي ستبدأ بالعبارة التالية " انتهى كل شيء " .. وعندما تُسدل الستارة تكون الأشياء والشخوص والكلمات قد تآكلت وتلفت ، وكل شيء يصل حد الاختناق ، حيث لايلوح لأبطال المسرحية أي أمل لبلوغ خاتمة يطمئنون إليها ..في " نهاية اللعبة " تتصارع ثلاثة أجيال الجدّان والأب والابن ، ونجدهم جميعاً يعيشون في بيت لا أثاث فيه ، يغمره ضياء باهت " يتعذر معه تمييز الليل من النهار ، باستثناء نافذتين صغيرتين تطلان على الخارج .. والمسرحية تصور مصير الإنسان الذي يقع في شرك الزمن ، ومحاولته أن يخدع نفسه بانتظار الأمل يقول بطل المسرحية هام :" النهاية كامنة في البداية ، إلا اننا لانقطع الرجاء " .

في مسرحيته " الأيام السعيدة "سيؤكد بيكت على أن حياة الانسان مليئة بالكثير الذي يجب أن تتحمله والقليل الذي تتمتع به ، فاليوم الفارغ الذي تحياه بطللة المسرحية تحاوله أن تقضيه بحركات مليئة بالطاقة المستمرة لإظهار قدرة الإنسان على المقاومة والتحمل .

*****

صدرت روايته الأولى " مورفي " عام 1938، كان قد واصل كتابتها على مدى ثلاث سنوات ، نشرها الناقد الفني هربرت ريد على حسابه الخاص اعجبت جيميس جويس ، لكنها لم تعجب القراء ، بطل الرواية الذي نتعرف عليه في الصفحات الاولى جالساً على كرسيه الهزاز ، وهو الشيء الوحيد في هذا العالم الذي يتمسك به ، حاول في الرواية أن يستعرض قدرته على مزج الفلسفه بالسرد الروائي ، فنقرأ على لسان البطل إشارات إلى بيركلي وليبنيتز وشذرات من فتغنشتاين وتلميحات إلى أفلاطون ، كتب أحد النقاد أن مورفي تمثل خلاصة فكر غربي يعتبر أن الجسد هو سجن للعنصر الروحي في الإنسان ، يشارك في فصائل المقاومة الفرنسية ضد النازية ، ينجو بإعجوبة من الأسر ، يكتب أثناء الاحتلال الالماني لفرنسا روايته الثانية " وات " وسنتعرف من خلالها على هذا الإنسان الذي يراقب تمزق العالم ، وهو رجل له " أنف أحمر كبير ، وليس له عنوان ثابت " نراه فجاة يهبط من أحد الباصات ويشق طريقه باتجاه محطة القطار ، ليستقل قطاراً لا على التعيين وبدون أن يفسر لنا الوجهة التي يريد الوصول إليها ، فهو يواصل رحلته شأنه شأن معظم أبطال بيكيت " مشوش الفكر ومشلول الإرادة " . إن "وات" كما يصفه أحد النقاد أشبه بآلة منطلقة بلا عجلات ، تندفع الى الأمام بحكم الواجب .عام 1951 ينشر روايته مُولُوي في دار نشر غير معروفة بعد أن رفضتها معظم دور النشر ، وفي يومياته يخبرنا بيكيت أن زوجته سوزان أخذتها لصاحب دار نشر صغيرة ، في اليوم التالي يخبرها الناشر ، إنه قرأ الرواية في طريق عودته الى البيت ، وقد أخذته ضحكة رعناء وهو يواصل القراءة مما أثار استغراب ركاب الباص ، بعدها قرر أن ينشرها ، وعندما التقى بيكيت بالناشر وجده إنسان طيب ، فكتب في دفتر يومياته :" آسف جداً لأن هذا الرجل سوف يعلن إفلاسه بسببي ، فالاحتمال قليل في أن يقرأه الكثيرون ، ولا يمكننا أن ندرك في أي مستوى من سوء الفهم يمكن أن يضعه حظه أمام القراء " .

في مُولُوي يروي لنا بيكيت رحلة العودة إلى الذات ، حيث نتعرف على بطل الرواية مُولوي الذي يجهل مكان وجوده ، فهو تائه باستمرار ، ولايتمكن من أن يتعرف على المدينة التي يبحث عنها ، وأثناء رحلة البحث المضنية يتلاشى جسده ، فبينما نراه في البداية منطلقاً على دراجة ، نجده ينهي رحلته المزعومة زاحفاً ، ولا يعود مهتماً أثناء تقدمه ما إذا كان يصل إلى المدينة التي تسكن فيها أمه ، أم لا . إنه مشغول بفعل التقدم فقط ، وفي الرواية نقرا القصة التي يكتبها مُولُوي عن نفسه ، فهو قد حُمل إلى هذه الغرفة ، بعد أن انتشلوه من حفرة وقع فيها:" لا أعرف كيف وصلت إليها " ، لقد كانت رحلته يائسة وكئيبة ، حيث تصلبت ساقه ، وتثاقلت قدماه ، فكان ان ترك الدراجة واستخدم عكازا ، ثم اضطر أن يزحف ، إنها أوديسة الإنسان المعاصر ، لكنها مختومة بالعذاب ، فهو يستعيد ذكريات حياته ، لكن دون أن يتمكن من التمييز بين الحقيقة والوهم ، ومثل بطل مارسيل بروست ستكون حياته مرتبطة كلها بحديثه عن الماضي .

في القسم الثاني من الرواية سنتعرف على رجل الشرطة جاك موران الذي يتلقى أوامر بتقديم تقرير عن مُولُوي ، ولسوف تكون هذه الرحلة الثانية أكثر سوءاً من الأولى ، لأنها سرعان ما ستفقد هدفها الأساس حيث نجد موران بعد وقت قصير من رحلة البحث ينسى ما كان عليه أن يفعله تجاه مُولُوي ، فهو أيضاً يصاب بعجز في قدمه ، ويهجره ابنه ، وتداهمه الأمراض حتى يصبح " غير قادر على الحركة " ، وإذ يعود الى بيته يجد أن خادمته قد هربت ، وحديقته قد اقتلعت والدواجن ماتت ، ولم يبق أمامه بعد أن عاد وهو على عكازين ، إلا أن يكتب التقرير المطلوب عن مُولُوي :" عندئذ عدت إلى المنزل وكتبت . في منتصف الليل . والمطر يضرب زجاج النوافذ بسياطه . لم يكن منصف الليل ، وما كانت تمطر " .

ويصل التشابه بين شخصية مُولُوي وموران إلى درجة أن القارئ يسأل نفسه هل أن موران يمثل في الحقيقة ماضي مُولُوي البعيد ، أن موران لايختلف عن أبطال كافكا ، فقد كان يعيش حياة مستقرة ومنظمة بصرامة قبل أن يكلف بمهمة تقديم تقرير عن مولوي ، وهكذا نجد ( مُولُوي وموران ) يعيشان في عالم متجمد كل شيء فيه يتجه نحو الظلام ، ورحلتهما برغم عذابها وشقائها إلا إنها في النهاية رحلة نحو اكتشاف الوجود .

في " مالون يموت" وهي الجزء الثاني من الثلاثية ، يصر بيكيت على تأكيد فكرة الضياع ، حيث نحن أمام شخصيات يصل بها الحد إلى إستحالة أن تقول " أنا " ، فمالون الممد على سريره يعاني من عجز تام ، إنه بين الحياة والموت :" سأصبح محايداً خاملاً . سوف يكون ذلك هيناً بالنسبة إليّ .. سأموت فاتراً ، دونما حماس " ، ولهذا لم يبق أمامه ، إلا أن يشغل وقته ، وكانت أمامه ثلاثة سبل لذلك ، الحديث عن الحاضر ، تعداد ممتلكاته المبعثرة في الغرفة أو الحديث مع نفسه ولنا عن :" قصص ليست جميلة ولا رديئة ، لن يكون فيها قبح أو جمال أو حُمى ، سوف تكون بلا حياة تقريبا ، مثل الفنان " ، ولهذا هو يخبرنا أن قصصه غير ملزمة للقارئ ، وينبغي أن لاتكون لها أهمية :" أنه وقت للتسلية ، ولسوف ألعب " . ولهذا ربما يسأل القارئ من هو مالون ، هل هو شخصية روائية أم نسخة من بيكيت ، إن مالون يكشف عن نفسه كبطل في رواية ، ثم يكشف عن باقي الشخصيات والتي هي بالتأكيد صور ذاتية لبيكيت نفسه الذي ينبهنا على لسان مالون :" لقد انتهى إبداع الشخصيات ، وسوف نستطيع الإستغناء عنها ، إذ نعلم الآن إنها ليست إلا نسيان خادع للذات ، تلك التي تحاول البحث عن نفسها في صوت ما " ، تنتهي مالون بعبارة مؤثرة " ها هو اللا شيء " ويحعلنا بيكيت نتساءل من أين أتى مالون ؟، لقد كان يناضل ضد الموت وينتظره في نفس الوقت ، وأراد من خلال الكلمات أن يكافح الصمت الذي يهيمن على حياته ، وكأن بيكيت أراد أن يطرح علينا سؤال عن وجودنا العبثي ، و سيكون هذا السؤال مفتاحاً للجزء الثالث الذي يضع له عنوان " اللا مسمى " ، ففي هذه الرواية يفتتح بيكيت بسؤال ثلاثي " أين الآن ، متى الآن ، ومن الآن " ويحاول بيكيت أن يربط بطل الرواية بأبطال روايته السابقتين :" إنني أعرف أمثال مورفي ومولوي ومالون جيداً . لقد جعلوني أضيع وقتي سدى ، إذ تركوني أتحدث عنهم ، بينما كان علي أن اتحدث عن نفسي فقط ، كي اتمكن من الصمت " ، هكذا نجد اللامسمى في إنكاره للآخرين يريد أن يؤكد حقيقة واحدة " ليس هناك إلا أنا .. وهذا الظلام الأسود " ، هكذا يقرر اللامسمى أن ينخرط في الوجود من خلال شخصيتين ، الأولى ماهود الذي نراه هائماً منذ بداية الرواية ، قبل أن يستقر به المقام في جرة كبيرة تستخدم لافتة أمام مطعم ، وهناك فورم الذي هو نقيض لماهود ، فهو لايتكلم إلا بهمس غير مفهوم وهو غير قادر حتى على تدوين ملاحظاته ، أقرب المخلوقات إلى العدم ، إنه لايعرف :" ماهو ، وأين هو ، وماذا يجري ، وما يجهله ، هو أن هناك شيئاً ما يمكن معرفته " . لكن رواية اللامسمى إذ تختتم الثلاثية ، فإنها أيضاً تختتم مشوار بيكيت في الرواية ، لهذا نراه يعلن عام 1956 :" لن يكون نهاية كتابي شيء سوى الغبار . فقد كان هناك تفكك تام في روايتي الأخيرة اللامسمى .. ولم تبق هناك وسيلة للاستمرار " .

تبدو الرواية بالنسبة لصمويل بيكيت كما يقال أشبه بـ" ملل ميت " وهي محادثة بين الإنسان وخيالاته .يكتب ناثان سكوت في كتابه عن سيرة بيكيت إن :" بيكيت يتصدى للعرف التقليدي كله في الأدب .. الذي يمثل الرواية كنمط الفحص التجريبي الخالص للمعاناة الإنسانية " ، ولهذا نجده يبدأ بالموت ، وينتهي بأن يضاعف البؤس الإنساني ، وهو مثل كافكا وكامو يرسم عالماً منافياً للعقل بلغة منطقية وجمل مترابطة أحياناً ومفككة في إحيان أخرى ، خالقاً بذلك رواية جديدة لا بالموضوع فقط ، وإنما بالشكل أيضاً . 

إن عالم بيكيت الروائي أسود ، بل هو شديد السواد ، وبوسعنا أن نعثر على ملامح شخصيات في انتظار غودو ، كما يمكننا أن نعثر على الأعمال اللامعقولة التي فرضت على بني البشر منذ لحظة ولادتهم .. وبمقدور القارئ أن يتبيّن توق الشخصيات للعدم يعبر عنه بوضوح على امتداد الثلاثية ، مثلما سيعبر عنه في معظم أعماله القادمة : " لانكاد نولد حتى نموت ، ما يحدث بين الواقعتين لايستحق الذكر " .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top