نزاعات دواوين الأوقاف وأيلولة المال الموقوف

آراء وأفكار 2019/07/23 06:39:32 م

نزاعات دواوين الأوقاف وأيلولة المال الموقوف

هادي عزيز علي

الوقف لغة : الحبس . واصطلاحا يعرفه الشوافع : (حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه ) . وعند الجعفرية : ( عقد ثمرته تحبيس الأصل وإعطاء المنفعة ) .

والحنابلة : ( تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة ) . والمالكية تعرفه : ( اعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازماً بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديراً ) . أما الامام ابو حنيفة فهو لا يجيز الوقف ويعده معطلاً لاحكام المواريث في سورة النساء أي لا حبس على الفرائض خلافاً لمحمد وابو يوسف ومن بعده الحنفية الذين أجازوه .

قرأ المشرع العراقي أحكام الوقف حسبما سطرها الفقهاء ولم يبتعد عن التعاريف الواردة فيه إذ عرّف الوقف في قانون إدارة الاوقاف بالشكل الآتي : الوقف الصحيح هو : ( العين التي كانت ملكا فوقفت الى جهة من الجهات .. ) المادة الاولى \ 4 من قانون إدارة الأوقاف رقم64 لسنة 1966 . وقسم الوقف بعدئذ الى أقسام : وهو إما أن يرد على الوقف الخيري وهو ما جعلت فيه المنفعة لجهة البر والخير والانفاق قربة الى الله . أو يرد على الوقف الذري ( ذرية الواقف ) وهو الخير الذي يشترك فيه الواقف وأهله وأقاربه . أو وقفاً مشتركاً . ومعلوم إن الوقف منتج فقهي ( منتج بشري ) وليس له مرجعية في أحكام الشريعة الاسلامية ، ومن هنا جاء الاختلاف الفقهي في جوازه من عدمه . وبأختصار فالوقف من حيث المبدأ وحسبما اعتمده المشرع العراقي في تشريعاته : هو حبس الاعيان من أجل البر وعمل المعروف والاحسان ويخرج مخرج الصدقة حسبما ذهب إليه الفقهاء .

إنشاء الوقف – يبدأ الوقف من نية الواقف لحبس عين من أعيانه لجهة الوقف التي يختارها ، ويشترط فيه البلوغ واهلية التبرعات وخلو إرادته من عوارض الأهلية . ويظهر للوجود على شكل إيجاب وهو إرادة الواقف المنصرفة للعمل الوقفي بشرط حيازة شروطه وهي : أن تكون صيغة الإيجاب منجزة وغير مضافة الى المستقبل ، وأن تفيد معنى التأييد ، وأن لا تقترن بشرط يؤثر على أصل الوقف . كما يشترط بالعين الموقوفة أن تكون مالاً متقوماً ، وأن يكون معلوماً ومتعيناً وقت وقفه ، وأن يكون مملوكا للواقف ملكاً باتاً حين الوقف .

يقدم الواقف طلباً الى محكمة الأحوال الشخصية يعلن فيه رغبته بوقف العين التي يملكها وقفاً خيرياً أو ذرياً او مشتركاً واذا كانت العين الموقوقة عقاراً يرفق بالطلب نسخة من سند التسجيل العقاري وتقوم المحكمة المذكورة بالاستفسار من دائرة التسجيل العقاري فيما إذا كان العقار باسم طالب الوقف فعلاً وخالياً من الرهن والحجوزات أو المنازعات وموانع التسجيل وبعد ورود الجواب بالايجاب يحضر الواقف مع شاهدين أمام قاضي محكمة الأحوال الشخصية ويبين نوع الوقف وشروطه وكيفية صرف منافعه أو التصرف به . 

كذلك شرط الواقف في المتولي الذي عيّنه الواقف بالاسم في حجة التولية الذي يجب أن يكون راشداً عاقلاً أميناً قادراً على إدارة الوقف وخضوعه لنظام المتولين وطريقة تعيينه وانتقال التولية من بعده وغيرها من الشروط الأخرى . وبعد أن يتأكد القاضي من تحقق الشروط المطلوبة في الواقف والعين الموقوفة وجهة الوقف ، تصدر الحجة الوقفية وترسل نسختين منها الى : الأولى الى مديرية التسجيل العقاري المختصة لتسجيلها في السجلات العقارية والثانية الى دائرة أوقاف المحافظة بغية اتخاذ الإجراءات القانونية فيما يتعلق بإدارة المال الموقوف . ( الفقرة 3 من المادة 3 من المادة 300 من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل ) .

مرحلة التسجيل العقاري – عندما تصل حجة الوقف الى مديرية التسجيل أو الحكم القضائي المكتسب درجة البتات تباشر المديرية المذكورة بإجراءات تسجيل الوقف باسم الجهة الواقفة والموقوف عليها مع ذكر نوع الوقف وشروطه والمتولي إنْ كان من الأوقاف الملحقة ، ويقصد بالوقف الملحق : ( هو الذي يديره متولٍ ومشروط صرف غلته أو جزء منها على المؤسسات الدينية والخيرية ويشمل الوقف الذري الذي يديره متولٍ ومشروط صرف غلته الى من يعينهم الواقف من ذريته أو من غيرهم . وكذلك الوصية بالخيرات التي تخرج مخرج الوقف ) .

كما يسجل الوقف باسم دائرة الأوقاف إذا كان من الأوقاف المضبوطة مع ذكر شروط الواقف . ويقصد بالأوقاف المضبوطة : ( وهو الوقف الصحيح الذي لم تشترط التولية عليه لأحد أو انقطعت فيه شروط التولية ، والوقف غير الصحيح ، أو الوقف الذي مضت على إدارته خمس عشرة سنة من قبل الإدارة الوقفية وأوقاف الحرمين الشريفين ، أو أعيان الجهات الخيرية الآيلة للأوقاف وفق مرسوم تصفية الوقف الذري .

وحيث إن تسجيل الحجة الوقفية تتم في مديرية التسجيل العقاري المختصة على وفق أحكام المواد من 256 - 260 من قانون التسجيل العقاري رقم 43 لسنة 1971 المعدل ، فأن ما تصدره هذه المديرية من سندات عقارية للأعيان الموقوفة تعد سنداً رسمياً معتبراً من الناحية القانونية وحجة على الناس لما دون فيه من أمور قام بها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة في حدود اختصاصه أو وقعت من ذوي الشأن في حضوره ، وقد عد القانون سجلات التسجيل العقاري من قبيل السندات الرسمية ( المادة 22 من قانون الاثبات رقم 107 لسنة 1979 المعدل .

هذه هي – باختصار- الآلية التي ينشأ فيها الوقف ويكتسب فيها وجوده الذي رسمه القانون من حيث الشروط الواجب توفرها في الواقف ، وشروط المال الموقوف ، والجهة المقصودة بالمال الموقوف وما انصرفت اليه إرادة الواقف من هذا التصرف ، فاذا كان الغرض من العقار الموقوف تأسيس مدرسة للأطفال اليتامى أو الغرض منه إنشاء مسجد ، أو بستان توزّع غلته على الفقراء ، فإن ذلك يتم ضمن نظام قانوني حازم وباشراف القضاء ابتداءً من صدور حجة الوقف وتعيين المتولين ومتابعة التسجيل في مديرية التسجيل العقاري مبيناً فيها اسم الواقف والمال الموقوف والجهة المستفيدة . وسند التسجيل العقاري الذي اعتبرته النصوص القانونية سنداً رسمياً لايجوز الطعن به إلا إذا كان مزوراً .

وأمام هذا الوضوح والشفافية في الإجراءات الرسمية المتعلقة بالوقف وسلامة الإجراءات ، فيكون من الصعب جداً الادعاء بأمور تخالف ما تضمنته السندات الرسمية تلك :: ( حجة الوقف وسند التسجيل العقاري ) . كالادعاء بعائدية العقار الموقوف له . أو تغيير جهة الوقف المثبتة قانوناً أو الادعاء والقول إنه الجهة المقصودة من الوقف ، أو تغيير الغرض الذي قصده الواقف كأن يكون الوقف ذُرياً ويدعي إنه خيري ، وسواها من الادعاءات الأخري التي تحفل بها النزاعات الوقفية حاليا وتشغل الرأي العام وتثقل المواطن المتعب أصلاً من الأوضاع الحالية المنتجة للتأزم المتواصل . عليه وفيما لو ثبت أن الادعاءات تلك لا سند لها من القانون وتخالف المعطيات التي استندت عليها الوقف ، فهذا يعني إن صاحب الادعاءات تلك يعبث بالنوايا النبيلة للواقف النازعة نحو البِر والخير والإحسان ويلزم إيقافه وفرض حكم القانون عليه .

تعليقات الزوار

  • حجي فلاح

    قاضي الاحوال طلب احالة للجنة نفسية رغم ان العمر ٥٥ سنة وطبيعي ومعروف في المنطقة وبشهادة العديد ولا يوجد ما يشير الى خلاف ذلك . هل هذا الاجراء صحيح وواجب ام الامر متروك للقاضي في اهلية الواقف ؟

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top