عندما تكون غريباً في وطنك

آراء وأفكار 2019/08/03 06:32:16 م

عندما تكون غريباً في وطنك

 د. أثير ناظم الجاسور

قد تكون للانسان مساحة تفكير أو مراجعة ذاتية يراجع فيها ما له وما عليه وما خسر وما ربح بناءً على مجموعة من الأحداث

التي بطريقة أو بأخرى كانت سبباً في تحديد مصيره لتبدأ المقارنة بين ما كان والحالي، وتتوضح الصورة بين متضررين كثر ومستفيدين قلة بعد ان أفرزت هذه السنوات الطوال الفارق بين الاثنين، فبالنسبة للمتضرر هو أيضاً ساهم برسم هذه الصورة غير المنطقية للحياة بالتالي هو يشعر بانه كان سبباً في هذا الضرر بعد ان أعطى ثقته لحفنة من الأحزاب والأشخاص عملت على استغلاله مناحل مصالحها ومطامعها وسيرته وفق ممارسات جعلته يحتل أدنى المراتب في سلم التصنيف البشري، مقارنة المتضرر هذه تحتوي على قائمة طويلة تتضمن احتياجاته الأساسية من خدمات تمس حياته اليومية الى أبسط الحقوق، بالمحصلة وجد إنها غائبة والأكثر إيلاماً إن من ساهم في ان يحتل الوطن المواطن هذه الدرجات الدنيا ما هو إلا منفذ لمجموعة من الأجندات الخارجية لدول تسهم في تدميره كي لا يكون الأفضل أو في خط متساوٍ معهم. 

لم تكن لحظات الحياة عبارة عن كلمات قد يساق الفرد في سبيلها الى الهلاك بعد ان يتيقن أن أحلامه ما هي الا خطوط يرسمها في مخيلته لتنسج له واقعاً اقل ما يقال عنه مريراً ملؤه سوداوية وطرق مغلقة، فمن بديهيات الحياة داخل أسوار الوطن أن تكون فيها الكرامة والحياة والحقوق وحتى الواجبات مصانة بقدر قدسية حياة الإنسان، والسؤال هل للانسان قدسية بعد ان يتم حذفه وهو حي من لائحة هذا الوطن ؟ وهل له أن يكون عزيزاً بعد ان نال أكبر جرعة إهمال وعدم اكتراث وخذلان؟، بالتاكيد هو اليوم يعيش غربة كبيرة استلاب كبير بعد ان ترسخ في تفكيره ان ما يحدث في وطنه لا يمسه لا من قريب ولا من بعيد، شعور أن الوطن يُدار من قبل الآخرين لمصلحة الآخرين بالمحصلة هو أمام خيارات كلها غير مرضيه. 

أن تكون غريباً عندما تتجه في تفكيرك صوب اللاشيء بعد أن يتبين أنك خارج حسابات القابعين في السلطة المتسترين بالدين والقومية وبمختلف المسميات، أن تكون غريباً في وطنك بعد أن تجد الارض فراشك أمام المؤسسات والدوائر الحكومية لكي تحصل على أقل ما تستحق وأن تبحث عن حق ضائع، أن تكون غريباً حين تجد كل من ليس له قيمة يتحكم بمصيرك لا بل يكون هو صاحب القرار في بداية أو نهاية حياتك، أن تكون غريباً وأنت تشاهد الحدث تلو الآخر والتقلبات والتحولات والمشاهد المؤلمة كأنها في عالم آخر لا يعنيك سوى انك رقم سيتم طرحه في الأزمات القادمة، أن تكون غريباً عندما يُحولك كل من حولك الى إنسان عاجز لا تفكر ابعد من خطوات قدميك وقد يتم اتهامك اذا ما اعترضت على سوء أو خطأ، ستجد الغربة عندما تجد مضمون حياتك عبارة عن تساؤل فحواه كيف أوفر لقمة العيش لا غير؟ وكيف أكون من ضمن الناجين من صراع الأحزاب وظلمها، وستجد أن أرقاماً فلكية صرفت ولازالت تصرف كانت قد تحول حياتك الى أروع ما يتصورها المتصورون لكنها وبساطة أعطت عنواناً آخر لا يمت بمستقبلك بصلة. 

لا غرابة ان وجدت الحفر والعقبات التي تعيق مسيرك لكن بالنتيجة ستصل لما تريد، لكنك ومع وجود العقبات والتحديات التي ترافقك طيلة مشوارك والتي تدخل حتى في أحلامك تجد انك بلا نتيجة مع توفر الهدف الذي بات مشروعاً مؤجلاً لا تحسن فيه أن تضع له مدة زمنية لاعتبارات متعددة أهمها إنك تشعر بين الحين والآخر بأنك بلا فائدة، وقد يتعاظم ذلك الشعور الذي يعطيك إشارات بانك أصبحت مواطن من الدرجة الثانية ثم الثالثة لتصبح في النهاية غريباً في وطنك. 

مؤلم جداً حين ترى عقول وطاقات تفترش الأرض باحثين عن وظيفة تعينهم على سوء الحياة وترى ابناء المتحزبين يملؤن السفارات والوظائف، ومؤلم حين تجد أفواج من الشباب بعد معاناة سنوات طوال لكي ينال شهادة جامعية يتحصنون بها وطنهم الوحيد بعد تخرجهم بيوتهم بعد أن عجزت كل مؤسسات الدولة ومستشاريها ومفكريها الحزبيين أن يجدوا حلاً لهم، ليقفز تساؤل آخر يتحدث عن أي تنمية وتقدم ممكن أن يتحقق ونحن لا زلنا نفكر بعقلية الحزب المعارض ونتوجه صوب تلك التوجهات النفعية الضيقة؟، وأي تحول إيجابي سوف يشهده العراق ونحن نشاهد خزين العراق من الشباب بين مهاجر وعاطل عن العمل ومنتحر بعد ان انقطعت بهم سُبل الحياة ؟، نعم هي الغربة في الوطن والغرابة من ما يحدث فيه. 

نعم هذا ما صنعته أحزاب الإسلام السياسي التي جاءت برعاية أميركية ودعم إقليمي، هي اليوم تتربع على عرش العراق المنهك بسبب سياستها الطائفية ومحاصصتها التي مزقت نسيج مجتمعه، هي من قادت مشروع تدمير العراق الذي يعد من أكبر مشاريعها، هي راعية سياسة قتل الشعور بالوطن بعد أن جردت المواطن من أبسط حقوقه وجعلته يشعر بانه غريب في وطنه، فبين المقدس والحرام والعيب وغير الجائز ستجعل كل شيء بعيد عن الحياة والطمأنينة والانتماء.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top