وجهة نظر..ساكسونيا الرواية في المعنى الأخلاقي المعيب للكتابة

وجهة نظر..ساكسونيا الرواية في المعنى الأخلاقي المعيب للكتابة

محمد يونس

شكلت الرواية واحدة من أهم مقومات الفن الأدبي في التاريخ، حيث أن النشاط الروائي هو اجتماعي، وهذا يعني أن الرواية تنبثق من رحم المجتمعات،

وهي مثال أدبي لمجتمع ما، وكما هي مقياس للتغيرات النوعية التي يمر بها المجتمع ومؤشر لها أيضاً، وكما أن الرواية على رأي شوبنهاور هي اسمى وأجلّ ما يمكن أن يكون يمثل مستقبل البشرية، وعلى مستوى الأدب اثبتت الرواية جدارة استثنائية في تمثيلها الحيوي للقيم الحقة والمعنى الإنساني النبيل، وما انحرفت الرواية طيلة تاريخها عن ذلك المسار، وما كانت في يوم سلاح بيد سلطة، ألا من أن يكون كاتبها بلا تلك الروح المثلى، ويكون بشراً كما مسيراً بمنافع وطموحات، وممثلاً لايدلوجيا معينة، ولا يظن أحد أن شلوخوف كان يعبر عن الإرادة الشيوعية، بل كانت قيمة الانسان اسمى لديه، ولا ديكنز مثّل الطبقة المسحوقة وانحاز لها، ولا كان امبرتو ايكو ساكسونيا في رواية – اسم الوردة – وناقماً على الكنيسة، ولا حتى دان براون صب جام غضبه على الكنيسة الكاثولوكية في رواية – شفرة دافنشي -، فالفنان هو اسمى من ذلك، ويقول الروائي ليو تولستوي وهو أحد قمم الإبداع الروائي عالمياً (أيسر على المرء أن يكتب في الفلسفة مجلدات عدة عن أن يضع مبدأ واحداً في حيز التطبيق)، وذلك لابد من إقرار به فالتجربة الإنسانية روائياً هي أبلغ بكثير من كتابة تلك المجلدات، والتي قد تجعلك تدور في دائرة فلسفية دون رضا، وتلك التجربة الانسانية تحتاج روح مشرقة ونفس بفطرة سليمة، وليس أن يكون المؤلف سيفاً في يد عمله يبطش به بشكل ساكسوني .

إن الرواية لا يمكن أن تكون أداة ساكسونيا بأي حال من الأحوال، فهنا ستكون حماقة وليس ذلك المعنى المنشود الذي تنجذب اليه أنفسنا، ولا يمكن للأدب أن يفاوض على القيمة الحقة، ولا يضع أبداً في حسبانه القبول بتلك المراهنة، فهذا عمل ألبير كامو – الغريب – كم هو من غير اللائق أن تكون قد وضعته تصورات معينة في خانة ساكسونية، وحصرته بفهمها الايدلوجي، وعلى اعتبار أن – ميرسو – قد قتل الجزائري بدم بارد، لكن هذا تبرير وليس معنى محيط بكل الفكرة، وكان من منظومة التلقي تلك دراسة ميرسو من أبعاد اجتماعية ونفسية، وليس فقط اسقاط الاتهام الايدلوجي عليه، ولا بد من مراعاة الهدف الانساني الذي قصده ألبير كامو، وأيضاً هناك فكرة ضيقة عن كونستانس جورجيو في رواية – الساعة الخامسة والعشرون – والتي لا ننفي أنه تؤشر مجريات القهر والعذاب التي مر بها شخص يهودي، لكن أبرزت ذلك على المستوى الإنساني، ولم تبرز صراع الايدلوجيات وتسابقها إلا لتبدي موقفها الساكسنوي، حتى وأن كان مسالماً ذلك الموقف السكاسوني والذي بدا واضحاً وجلياً في آخر جمل الرواية، حين وضع مورتيز ابن غير شرعي، وما اكتفت ساكسونيا النفس الايدلوجي الامريكي، حيث طلب الجند من موريتز الابتسام رغما عن جرحه الإنساني العميق .

قدم ايفوندريتش لوحة بارعة إنسانياً في روايته – جسر على نهر درينا – فقدم مأساة الانسان البوسني، وتلك الرواية التي كتبت في الاربعينيات إبان الحرب العالمية الثانية واحتلال المانيا دول البلقان، وأيضا يعتبر إسماعيل قادرية أفضل من رسم صورة باهرة لأمته التي بدت كشعب اساطير، فتفوق جمالياً وقيمياً في رواية رشيقة - من أعاد دورنتين -، وقدم مثالاً انسانياً بارعاً، فواجه ساكسونيا السلطة بأسطورة استثنائية لا قبل للسلطة من مواجهتها، وانتصر قادرية بتلك الأسطورة لإنسانه المجرد وليس المعين .

قدم نجيب محفوظ في رواية – اللص والكلاب – أحد الأمثلة النوعية لإنسانه ضحية ظروف ساكسونية، ورغم الهدف الإنساني الذي سعى إليه محفوظ، أطر بالحيرة والانكسار والضياع الملامح التي بدت على شخصية سعيد مهران، ليقر كما عبد الرحمن منيف في رواية – الأشجار واغتيال مرزوق بأن الانسان العربي هو ضحية الاقدار والسياسة على السواء، وإن إنسانه مسلوب منه عنوة .

كلمة أخيرة لمن يحول الرواية الى سلاح ساكسوني لغرض سياسي او شخصي، سوف تجني الندم حتماً، مجرد ما أن تصدم فطرتك الانسانية بحاجز ايدلوجيتك أو هدفك الشخصي، وعلى مستوى القراءة لن تجد لك حيزاً مقبولاً، وأنك مهما كتبت لن تتجاوز المعنى الأخلاقي المعيب للكتابة .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top