كواليس: لغة المسرحية الفصحى والعاميّة

سامي عبد الحميد 2019/08/06 09:51:54 م

كواليس: لغة المسرحية الفصحى والعاميّة

 سامي عبد الحميد

- 2 - 

في معظم لغات الأمم المختلفة لا توجد اختلافات كثيرة بين مفردات وتركيبات اللغة الفصحى واللغة العاميّة أو اللهجة مثلما هي موجودة في لغتنا العربية كما أظن،

بل إن هناك اختلافات كثيرة حتى بين اللهجات المحلية العربية ومنها العراقية وذلك لأن هذه اللهجات هجينة حُشرت فيها العديد من المفردات جاءت من لغات أجنبية كالتركية والفارسية والانكليزية والأمثلة على ذلك كثيرة وعلى وفق هذه الاختلافات يقف الكاتب المسرحي العربي والعراقي أيضاً حائراً بين اللغة الفصحى واللهجات فتراه مرّة يكتب بالفصحى وأخرى يكتب بالعاميّة وأخرى حتى بالشعر ويبدو لي أن مؤلف المسرحية العربي يكتب بالفصحى عندما تعتمد مسرحيته على مادة تاريخية أو مادة من الماضي وبعكس ذلك يكتب باللهجة عندما يتناول موضوعاً وأحداثاً معاصرة وعندما تكون شخصيات مسرحيته منتمية إلى الفئات الشعبية أو من الطبقات المسحوقة وذلك لشعوره بأن اللهجة في مثل تلك الحالات أكثر صدقاً وتصديقاً وتكون أقرب إلى الواقع وإلى الكلام في الحياة اليومية حيث لا يتحدث ابناء الشعوب العربية باللغة الفصحى إلا في حالات خاصة.

من هنا تظهر إشكالية ترجمة النصوص المسرحية الأجنبية إلى اللغة العربية الفصحى فهناك من يقول إن الترجمة يجب أن تكون بالفصحى وهذا هو الغالب، وهناك من يعيب على المترجم الذي يترجم المسرحية الأجنبية باستعماله اللغة العاميّة أو اللهجة، وهذا ما حدث عندما قدمت مسرحية (الحيوانات الزجاجية) للكاتب الاميركي (تينسي وليامز) باللهجة البغدادية التي حوّلها الروائي (خضير عبد الأمير) من الفصحى وبوقتها بقيت أتسائل لماذا هذه الترجمة ، أليست العربية الفصحى هي لغة غير اللغة الانكليزية التي كتبت بها المسرحية ، فما الفرق إذا استبدلنا الفصحى بالعاميّة خصوصاً إذا كانت شخصيات المسرحية نفسها هي من عامة الاميركان، وسرى تساؤلي هذا أيضاً عندما أخرجت مسرحية ساموئيل بيكيت (في انتظار غودو) والتي ترجمها الأديب والناقد (جبرا إبراهيم جبرا) باللهجة البغدادية وكانت مقنعة للجمهور عند عرض المسرحية خصوصاً لكون اللغة العامية مناسبة لشخصيتي المتشردين (فلاديمير) و(ستراغون). 

بقي عليَّ أن أجيب عن سؤال خطر ببالي وأنا أشاهد مسرحية ألفها مخرج عراقي راحل وأخرجها مخرج مقتدر حاضر عن شخصية تاريخية نرتعب عندما يذكر اسمها. والسؤال هو : هل يجوز أن نحشر جملاً من اللغة العامية في حوار مكتوب بلغة فصحى عالية المستوى؟ أجيب بنعم إذا كان وراء هذا الحشر مبرر منطقي . شخصية الطاغية الجبار والمرعب والمتغطرس يتحدث باللغة الفصحى وإذا به فجاةً يلتفظ جملاً باللهجة ، فما هو المبرر ؟ قد يدعي البعض إن مثل هذا الاستعمال يدخل من باب (التغريب) البريختي. ولكن عامل التغريب يستعمل لغرض الإدانة لا لغرض إثارة ضحك الجمهور وبالتالي التخفيف من غلاظة الشخصية ورعبها . هذا من جهة ومن جهة أخرى أليس في ذلك الخلط بين الفصحى والعامية في مسرحية كتبها كاتبها بالفصحى كلها إساءة لمنجزه الإبداعي ، قد يعترض البعض قائلاً وهل نص المسرحية الأصلي كالكتاب المقدس لا يجوز التصرف به عند الإعداد. نعم النص المسرحي ليس مقدساً ولكن إعداده يجب أن يكون مدعوماً بتبريرات فنية أو منطقية وليس لأغراض أخرى.

أقول إن اللغة الفصحى هي الأفضل لكتابة المسرحية ما دامت هي لغة الثقافة والمسرح وإن اللهجة أو اللغة العاميّة تصلح أحياناً للشخصيات التي تستعملها فالفلاح مثلاً لايستخدم الفصحى في حياته وكذلك العامل أو حتى التاجر أو الأستاذ الجامعي يستعمل الفصحى في أغلب الاحيان وتتناسب اللغة العامية مع البيئة التي تعيش فيها شخصيات المسرحية وهكذا كانت مسرحية (النخلة والجيران) التي أعدّها عن رواية الروائي الراحل (غائب طعمة فرمان) المخرج الراحل (قاسم محمد) إذ كانت اللهجة مناسبة لجميع الشخصيات ومناسبة للمكان الذي عاشت فيه وهو أزقة بغداد وأحياءها الشعبية، وأقول أخيراً إن حشر بعض الجمل من العاميّة في نص مسرحي كتب بالفصحى قد يخدش الأسماع ويمنع المتفرج من متابعة العرض المسرحي إذا لم يكن ذلك الحشر منسجماً مع اللغة السائدة في النص ، وقد لا يرى البعض ذلك ولهم العذر.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top