قراءة في حال، شجون ومستقبل التنمية الإنسانية المستدامة في العراق

آراء وأفكار 2019/08/06 09:56:53 م

قراءة في حال، شجون ومستقبل التنمية الإنسانية المستدامة في العراق

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

هموم وشجون وشؤون التنمية المستدامة في العراق مسألة حيوية ذات مظاهر وأبعاد مجتمعية –اقتصادية متنوعة لابد من إهتمام صناع القرار بها ،

إضافة للنخب العراقية المثقفة بل وكل فرد عليه مجابهة تداعياتها الاستراتيجية .

عرفت لجنة برانتلاند Brundtland Commission في عام 1987 على أنها "تنمية تلبي إحتياجات الحاضر دون المساومة على قدرة الأجيال القادمة في الاستجابة لإحتياجاتها المستقبلية". تبنى التنمية المستدامة على 3 ركائز رئيسة : اقتصادية بيئية وإجتماعية مستدامة تنمية شاملة يمكنها أن تتحقق فقط من خلال إعمال التوازن النسبي أو المقايضة بين قطاعاتها المختلفة. بعض الكتّاب وسعوا من مضمون التنمية المستدامة ليشمل جوانب ثقافية ، سياسية أو مؤسساتية. جدير بالاهتمام على أن التنمية المستدامة تعد مفهوماً داينمياً حيوياً شاملاً ذا منهج إندماجي تتوازن كل جزئياته ومفاصله الحياتية بصورة دقيقة نسبيا .

ضمن هذا التصور تبنت قمة التنمية المستدامة التي انعقدت في الأمم المتحدة في 2015 أجندة 2030 للتنمية المستدامة2030 Agenda for Sustainable Development حيث غطت17 هدفاً أساسياً تناولت إنهاء الفقر والجوع ، ومقارعة عدم المساواة والعدالة إتساقاً مع التعامل المستمر مع قضية العصر للتغيير المناخي Climate Change . نبتدأ بتحديدها أولاً ومن ثم نحاول ثانياً ربط ما تحقق أو قد يتحقق من بعضها بمستقبل التنمية المستدامة في العراق : 

أولاً : إنهاء الفقر بكل إشكاله في كل مكان.

ثانياً: إنهاء الجوع وتأمين الأمن الغذائي مع المضي قدما بتحسين جودة الغذاء الصحي وتنمية الزراعة المستدامة. 

ثالثاً: ضمان العيش الصحي والرفاه الاجتماعي لكل الأعمار. 

رابعاً : ضمان جودة التعليم الشامل المتساوي لجميع البشر بالاتساق مع توفير فرص مناسبة للتنمية التعليم المستمر للجميع (بضمن ذلك كبار السن).

خامساً : تحقق المساواة بين الجنسين إضافة لتمكين كل النساء والشابات. 

سادساً : ضمان توفر المياه واستدامة الإدارة الجيدة لها مع توفر المياه الصحية. 

سابعاً : ضمان الوصول للطاقة الحديثة التي يمكن تحمل تكاليفها بشكل مستمر. 

ثامناً : ضمان نمو إقتصادي مستمر ، جامع ومستدام إتساقا مع عمالة كاملة منتجة ، تتناسب مع القيم الاخلاقية للجميع.

تاسعاً : بناء بنية تحتية مرنة قابلة للتكييف في إطار تنمية مستدامة جامعة للتصنيع ولرعاية وتعزيز الابداع. 

عاشراً : تقليص حالة عدم المساواة داخل الدول وفي مابينها. 

حادي عشر: بناء مدن ومستوطنات بشرية ، مستدامة ، جامعة – آمنة – ذات قابلية للتكييف مع متغيرات العصر. 

ثاني عشر: ضمان تشكل نماذج إستهلاكية ومنتجة مستدامة. 

ثالث عشر: إتخاذ إجراءات فاعلة طارئة لمواجهة التغيير المناخي وتداعياته "الخطيرة". 

رابع عشر: الحماية المستدامة للمحيطات / للبحار / وللكائنات البحرية في ظل مناخ للتنمية المستدامة. 

خامس عشر: حماية ، استعادة وتنمية الكائنات الارضية ضمن إطار مايعرف بإنظمة الارض الكونية Terrestrial Eco-system – والإدارة المستدامة للغابات ، مكافحة التصحر، إيقاف وعكس عملية الانحدار النوعي للتربة مع وضع حدود مانعة لتغييرأو فقدان التنوع البايولوجي. 

سادس عشر: إثراء المجتمعات السلمية والاندماجية بغية تعزيز التنمية المستدامة وتوفير إمكانية الوصول للعدالة للجميع مع بناء مؤسسات جامعة فاعلة ويمكن محاسبتها على كل المستويات.

سابع عشر: تعزيز طرق تنفيذ وإعادة إنعاش الشراكات العالمية بهدف التوصل للتنمية المستدامة.

إن الاهداف ال17 للتنمية المستدامة المشار إليها المرتبطة أساساً بالتنمية الإنسانية Human Development تعد ستراتيجية مثالية من المنظور النظري ولكنها قابلة للتحقق عملاً إذا ما توفرت الإرادة السياسية لصناع القرار هذا من جانب ، مشفوعة من جانب آخر بضرورة توفر البيئة المناسبة والاستعدادات والامكانات المادية والبشرية المتخصصة الكافية لتلبية المشروعات الاساسية للتنمية المستدامة. الشيء الذي يجب أن نتفق عليه في العراق وفي كل أنحاء المعمورة أن الأرض التي نعيش عليها لابد من صيانتها والاهتمام المستمر بها لأنها مصدر الطاقة والموارد الطبيعية والبشرية التي لاغنى عنها للمجتمعات البشرية جميعاً. من هنا ، أهمية المحافظة على التوازن البايولوجي والايكولوجي –البيئي لكوكبنا الذي علينا جميعاً أن نحافظ عليه ليس لجيلنا فحسب بل ولإجيال المستقبل الذين تزداد أعدادهم ومعها تتصاعد إحتياجاتهم ومطالبهم وآمالهم الحياتية. إن تسليط الضوء الكافي على مفهوم ، أهداف ومؤشرات وتداعيات التنمية المستدامة بشكل واضح كمياً "مؤشرات إحصائية" ونوعياً "وصفياً" سيمكننا من بلورة أسئلة - تساؤلات مهمة حول كيفية بناء رؤية شفافة ومحاسبة لما تحقق او سيتحقق من نتائج عملية هي في النهاية تخدم مصلحة دول العالم خاصة الدول النامية أو التي هي في طريق النمو ومن ضمها بشكل أكيد العراق. ضمن هذا التصور نظم برنامج الامم المتحدة الانمائي UNDP بالشراكة مع وزارة التخطيط في بغداد ووزارة التخطيط في أقليم كردستان "ورشتي عمل متتاليين لمراجعة الخطط والسياسات ومناقشة مدى أنسجامها مع تحديد اهداف واولويات التنمية المستدامة". إن موعد إطلاق المبادرة "قد جاء عند محطة مهمة ، وهي تقديم العراق تقريره الاول عن المراجعة الوطنية الطوعية في المنتدى السياسي رفيع المستوى في عام 2019 لمشاركة خبراته في تنفيذ خطة 2030 وأهداف التنمية المستدامة". ضمن هذا السياق تم إعداد خطة التنمية الوطنية (2018 -2022) التي شملت أهم قطاعات التنمية الانسانية حيث الاولوية دائما لبناء الانسان السوي والمتمكن. ترتيبا على ذلك : "وضعت إستراتيجية الحد من الفقر بإستهداف اضعف فئات الشعب ، خصوصا في أشد المناطق حرمانا والمناطق النائية ، إلى جانب هيكلية إعادة الاعمار والتنمية (2018-2027) كذلك شاركت الحكومة في وضع رؤية 2030 التي تتواءم مع خطة 2030 للتنمية المستدامة". من جانبه أعلن وزير التخطيط العراقي عن أكتمال الاطار المؤسسي لرؤية العراق للتنمية المستدامة 2030، والتي تسعى نحو مواطن ممكن في بلد آمن ومجتمع موحد في ظل إقتصاد متنوع وبيئة مستدامة ينعم ، فيها بالعدل والحكم الرشيد". لعل من المناسب الإشارة إلى أهمية الدور اللامركزي "المحلي" إلى جانب الدور الوطني الأكثر إتساعاً في تلبية أقل الطموحات جدوى من خلال دور متجدد نشط لوزارة التخطيط وللجان التي يفترض متابعتها علمياً وعملياً لكل قطاع من قطاعات التنمية الاقتصادية الشاملة. على ضوء ذلك أكد وزير التخطيط السيد نوري صباح التميمي على أهمية "تشكيل لجان في المحافظات ، لتحقيق أهداف التنمية المستامة، والعمل خلال العام المقبل (2020) على توفير آلية ، أسهل وأسرع لتمكين المحافظات من الموازنات المقرة لها، ضمن رقابة من وزارة التخطيط ومجالس المحافظات في تنفيذ جميع المشاريع ، والحرص من خلال ذلك على الاستثمار الامثل للموازنات وتقديم افضل الخدمات للمواطنين" ولعل من المناسب الإشارة إلى أن دور وزارة التخطيط في إعداد وتنفيذ استراتيجية التنمية المستدامة يعتمد على مدى إتساع كم ونوع العملية التشاركية الواسعة للقطاعين العام والخاص لتنمية المشاركة الشبابية لمنظمات المجتمع المدني التي أبدت حرصاً على بلورة ستراتجية واقعية موضوعية لإنجاح إعادة إعمار العراق في المديات المتوسطة والستراتيجية. مايهمني التطرق إليه ضمن هذا السياق الضرورة العاجلة "الأمد القصير" لتبني العراق ستراتيجية حيوية لتمكين الشباب والشابات في إطار إنهاء مايعرف بحالة الفقر المدقع الذي وصل لحدود كبيرة جدا تستوجب استخدام كل مايمكن من قدرات وتقنيات العصر "الحديث" .من الأرقام الرسمية بلغت نسبة الفقر في العراق 22.9 في عام 2007. علماً بإنها إحصاءات لازالت تحتاج لدقة أكبر لإن نسب نزوح وهجرة السكان لازالت لم تعالج جيداً ما يجعل مثل هذه الاحصاءات "ليست دقيقة نسبيا" ولكنها وبرغم ذلك ووفقا للتصور الحكومي للتقرير المعني قد خفضت قليلا بفضل جهود الحكومة والشركاء إلى 18.9 في عام 2012. 

إلا أن حتى هذا الرقم يعد كبيرا لم يستمر طويلا كنتيجة لاستمرار الازمة المزردوجة المتمثلة أولاً بانخفاض قيمة عوائد الدولة من النفط لسنوات بسبب تناقص سعر الدولار والتي رافقتها ثانياً بداية جهود الحكومة الامنية – العسكرية في محاربة الارهاب عقب سقوط الموصل والمحافظات الاخرى ما رفعها مرة اخرى إلى 22.5 في عام 2014. وفي عام 2018 انخفضت النسبة الى 20.8 بسبب الانتصار ضد داعش حيث استقر الوضع الامني نسبيا ممهدا لإرضية مقابلة في المناخ الاقتصادي . ولكن ونقول وبكل أمانة ان هذه الارقام المسجلة جميعا تبقى أقل من النسب الحقيقية التي قد تصل (إذا ما نفذت جهود إحصائية جديدة رصينة) الى مايقارب 30 -35% خاصة تلك التي بين خريجي الجامعات والمؤسسات الاكاديمية والفنية والمدرسية الذين يعاني الكثير منهم حالياً من العنت والقهر ومعاناة حياتية لامثيل لها كنتيجة طبيعية لعدم استقطابهم عمالة منتجة بلدنا بإمس الحاجة اليها. ولعل استمرار عدم نجاح الدولة في تنمية وتفعيل قطاعات الاقتصاد الخاص مع استمرار إنتشار حالات الفساد بكل اشكاله وتداعياته مايؤدي إلى نتائج مآساوية إنسانياً شاملة تنعكس سلبا على استتباب الامن والازدهار الاقتصادي – الاجتماعي . كل ذلك مع عدم الالتفات لكيفية التعامل المهني القانوني الصحي السليم مع الازمات الحياتية.. أما على المستوى المناطقي فيشير التقرير الحكومي إلى وجود تباينات واضحة بين محافظات الدولة حيث تعتبر السليمانية من اقل المحافظات معدلات للفقر (4.5%) أما أكثرها بنسب فارقة كبيرة هي محافظة المثنى (52.1%). إذ وبرغم تحسن الحالة الأمنية في وسط وجنوب العراق لفترة طويلة نسبياً تبقى معدلات الفقر كبيرة جداً كونها ليست فقط متوارثة ولكنها غير مفعلة جيداً معها لم تعمد الحكومات المتعاقبة لتحسينها بصورة تحفظ للمواطن كرامته وحياته وعلى رأسها البصرة ، ذي قار ، ميسان، الديوانية ، والديوانية وواسط . أما عاصمتنا العتيدة بغداد فنسبة الفقر فيها 11% نعم إنها نسبة (إن صحت تعد قليلة) ولكنها نسبة مهمة وربما ليست حقيقية إذا ما أخذنا تراكم أعداد خريجي الجامعات والمدارس الذين ليس لهم في الغالب أعمال تناسب تخصصاتهم لا من قريب ولا من بعيد . أما محافظة الموصل "نينوى" (تضم مايقارب خمس المجموع الكلي لحالات الجوع في العراق) لازالت تعاني من عدم الاعمار خاصة لجانبها الأيمن تترافق مع أعداد كبيرة جدأ من النازحين . يمكننا الإشارة إلى أن نسب الفقر في المحافظات المحررة (نينوى ، الانبار ، صلاح الدين وكركوك) كبيرة هي الأخرى وصلت في عام 2018 الى مايقارب 18.5. إن إهمال الخدمات العامة والزراعة لفترات طويلة ترافقها مراحل تصاعد حدة التغيير المناخي حيث تسهم كثيراً بإرتفاع مستويات ومعدلات الفقروانتشار الجوعى في دولة تحصل يوميا مايقارب من 264 مليون دولار فقط من عوائد النفط . الأكثر خطورة نجد تصاعد واسع لحدة الفقر بين الأطفال إذ تبلغ 57% من مجموع الفقراء في العراق خاصة وأن الكثير مهم أضحوا معيلين لعائلات باكملها خاصة وإن الكثير منهم لم يحصلوا على أبسط مستلزمات حياتهم الاساسية من أمن ، صحة وتغذية صحية وبيئة مناسبة مايجعلهم بحاجة لبرامج حقيقية للتنمية والحماية الاجتماعية ، إضافة لغياب التعليم الأساس الذي يتكييف مع الحاجة للتخصصات العلمية والعملية التي يحتاجها سوق العمل وتناسب مرحلتهم العمرية ومتغيرات العصر الابداعية المستقبلية سريعة الايقاع وللحديث بقية تتناول تحليل جوانب أخرى مهمة تخص كيفية مواجهة التحديات المختلفة على رأسها "الفساد والتعجيل بتمكين السكان" من أجل بناء عقد إجتماعي جديد شامل يؤسس ويحكم لعلاقة إنسانية – قانونية شاملة مبنية على الثقة المتبادلة بين المواطن والدولة ومنظمات المجتمع الدولي وصولاً للتنمية الإنسانية المستدامة. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top