عند نُصب المذيع السوفيتي ليفيتان

عند نُصب المذيع السوفيتي ليفيتان

أ.د. ضياء نافع

يقولون إنه النصب الوحيد في العالم لمذيع في الإذاعة , وبالنسبة لي شخصياً وحسب معلوماتي المتواضعة ,

فأنا لا أعرف فعلاً أي شيء مماثلاً لهذا الذي شاهدته اليوم في إحدى ساحات مدينة فلاديمر الروسية , مسقط رأس المذيع السوفيتي الشهير ليفيتان , وهي المدينة التي تبعد في حدود 200 كيلومتر عن العاصمة الروسية موسكو , والتي كانت في غابر الأزمان واحدة من مراكز روسيا القديمة .

ولد المذيع يوري بوريسوفيتش ليفيتان في مدينة فلاديمر العام 1914 , وأصبح المذيع الأول في الاتحاد السوفيتي , وهو الذي أذاع يوم التاسع من مايس / مايو العام 1945 بيان الدولة السوفيتية عن استسلام المانيا الهتلرية وانتهاء الحرب وإعلان النصر , وهناك احصائية طريفة تشير ,الى أن المذيع ليفيتان قرأ اكثر من ( 2000 ) نشرة أخبار عن مسيرة وأحداث تلك الحرب , والتي يسميها الروس – ( الحرب الوطنية العظمى ) , وهكذا ارتبط اسم ليفيتان بيوم النصر في تاريخ روسيا . لقد سمعنا عندما كنّا طلبة في الاتحاد السوفيتي في ستينيات القرن العشرين , إن الالمان قرروا ان يعدموه بعد ستالين رأساً , ولكن المصادر الروسية الرسمية الحديثة اعتبرت هذا القول مجرد إشاعة تداولها الناس - ليس إلا- انطلاقاً من شهرته وسعة شعبيته بين المستمعين آنذاك, وأشارت تلك المصادر الى أن هناك وثيقة ألمانية تعلن مكافأة قدرها( 250 )ألف مارك ألماني لمن يقبض عليه أو لمن يقتله, وهو مبلغ ضخم وكبير جداً بالنسبة لتلك الأيام , ولهذا فقد كان ليفيتان محاطاً دائماً برجال الحماية أيام تلك الحرب , وكان مكانه سريّا . وللعلم , نود أن نضيف هنا, إن ليفيتان هو الذي أذاع خبر انطلاق اول انسان سوفيتي الى الفضاء يوم الثاني عشر من نيسان / ابريل العام 1961 , عندما طار غاغارين الى الفضاء وعاد سالماً , وهو حدث تاريخي عالمي طبعاً , لهذا يطلقون على ليفيتان الآن تسمية – ( صوت التاريخ وصوت النصر ).

امتدت حياة ليفيتان من العام 1914 الى العام 1983 , وقد اتخذت إدارة مدينة فلاديمر ( مسقط رأسه ) توصية بشأن ضرورة الاحتفال بالذكرى المئوية لولادته العام 2014 وذلك باعتباره الابن البار للمدينة التي تفخر باسمه, وقررت تلك الإدارة إقامة نصب خاص به في مدينة فلاديمر تخليداً له , وهكذا تم إعلان المسابقة بين النحاتين الروس , وشارك في المسابقة ( 36 ) نحّاتاً روسيّاً من كل أنحاء روسيا , وفاز بها النّحات الذي قدّم فكرة لاقامة نصب يتميز بالابتكار( وبكل ما تعني كلمة الابتكار فعلا ), إذ أن النصب ركّز على الصوت وكيف كان الناس ينتظرونه ويصغون إليه عن طريق المذياع بكل لهفة وتعاطف, أي أن النّحات جسّد مهنة المذيع وطبيعتها , ولم يجسّد شكل المذيع او جسمه كما جرت العادة في التماثيل والنصب الأخرى , وهكذا تم تنفيذ تلك الفكرة , وتم تدشين النصب العام 2015 ( في يوم الراديو الذي يصادف 7/5 , وعندما كانت روسيا تحتفل بالذكرى السبعين للنصر). وضع النصب في ساحة وسط مدينة فلاديمر أطلق عليها اسم ساحة ليفيتان. نرى هناك شخصيتين في ذلك النصب هما الجد وحفيده , ينظران ويستمعان بكل انتباه الى ميكروفون معلّق أمامهما على عمود به مصباح لاضاءة الشارع , وعلى هذا العمود توجد لوحة حديدية صغيرة, فيها صورة للمذيع ليفيتان مع الإشارة الى سنين حياته . لقد أراد الفنان أن يقول , إن الجد العجوز( وهو يتوكأ على عصا بيده ) مع حفيده الصبي كانا يستمعان الى بيان النصر , أما الابن ( والد الصبي ) فقد كان يحارب آنذاك في جبهات القتال .

الساحة التي يقف فيها النصب معبّدة بالحجر بشكل جميل وأنيق, وتحيطها الأشجار الباسقة , وفي أطراف الساحة توجد المصاطب المنسقة الجميلة . لقد جلست أنا على إحدى هذه المصاطب , وتأملت النصب الطريف هذا بدقة, واكتشفت إن الجد وحفيده يرتدون ملابس بسيطة سوفيتية الصنع ومن طراز ذلك الزمان بالذات , وشاهدت أسراب الحمام تتطاير حول النصب وتتمشى حوله بسلام ووئام , وجاءت امرأة مسنّة , وأخذت ترمي الحبوب لتلك الطيور , وكانت الطيور تتزاحم على هذه المرأة كي تحظى بالطعام ... وكان هناك أناس بمختلف الأعمار يسيرون – ذهاباً وإياباً - حولنا بهدوء دون أن ينظروا الى النصب أو الى تزاحم الطيور حول تلك المرأة.... 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top