توني موريسون.. فصولٌ من سيرة كاتبة شُجاعة

توني موريسون.. فصولٌ من سيرة كاتبة شُجاعة

تأليف : بربارا كريمر

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

القسم الأول

ثمة دهشة في أروقة حرم جامعة برينستون . إنه اليوم السابع من تشرين أول ( أكتوبر ) 1993 ،

وقد حصل أن أذيع إعلانٌ مهمّ للتوّ : توني موريسون ، إحدى عضوات السلك التدريسي في الجامعة ، قد أختيرت لنيل التكريم العالمي الأعظم حظوة في الأدب والذي يمكن أن يناله - ويتوق له - كلّ كاتب أو كاتبة . إنها جائزة نوبل في الأدب ! . راح المراسلون الصحفيون يتقاطرون على الحرم الجامعي آملين الحصول على كلمة وجيزة من موريسون ؛ لكن برغم كلّ هذا الصخب لم يكن الأمر بالنسبة لموريسون ذاتها يتعدّى كونه " عملاً " عادياً كسائر الأعمال التي نهضت بها في مسيرة حياتها الحافلة ، ولكون الأمر هكذا بالنسبة لموريسون فقد توجّب على المراسلين الإنتظار حتى تفرغ من إلقاء محاضرتها الإعتيادية ذلك اليوم .

بدأت موريسون يومها ذاك في الرابعة والنصف فجراً - مثل سائر أيامها الأخرى - عندما نهضت لتشرع في الكتابة . إندهشت وأصابها الفزع عندما رنّ هاتفها قرابة الساعة السابعة صباحاً : " عرفتُ أنها أخبارٌ مروّعة " ، هذا ماتستذكره عن ذلك الصباح ، ثم تواصل إستذكارها : " وعندما قالت لي صديقة في تلك المحادثة الهاتفية : هل سمعتِ بالخبر ؟ أدركتُ حينها أنّ الأمر كان ينطوي على قدر غير قليل من الرهبة ". كانت صديقتها التي هاتفتها قد علمت لتوّها بأنّ موريسون قد أختيرت لنيل جائزة نوبل في الأدب لعام 1993 ، وقد عمدت على الفور إلى مهاتفتها وتقديم التهنئة الواجبة لها . 

تلقّت موريسون في وقت لاحق من ذلك النهار مهاتفة رسمية من سكرتارية الأكاديمية السويدية تؤكّد لها أنها الفائزة بجائزة نوبل لذلك العام ؛ وبرغم ذلك كانت تعاني عنتاً في تصديق ذلك النبأ حتى بعد أن تأكّدت مصداقيته بصورة رسمية . أخبرها مكتب السكرتارية بأنّ رسالة موجّهة لها في الطريق إليها ، وهنا تستذكر موريسون " قلتُ لهم : ولِمَ لاترسلون الرسالة لي عبر جهاز الفاكس ؟ تنبّهتُ حينذاك إلى أنني لو رأيتُ رسالة السكرتارية مرسلة لي بالفاكس فسأتيقّنُ من أنّ الامر ليس حلماً عابراً أو هلوساتٍ ذهانية لشخص معتلّ .... " 

سُمّيت الجائزة بإسم صاحبها ، ألفرد نوبل ، العالِم السويدي ، وهي تُمنَحُ على نحوٍ سنوي في طائفة من المجالات هي : الفيزياء ، الكيمياء ، الطب والفسيولوجيا ( علم وظائف الأعضاء ، المترجمة ) ، الأدب ، السلام ، الإقتصاد . وفي إعلان مقتضب كتبته موريسون وأذاعه ناشرها قالت : " الفوز بجائزة نوبل للأدب أمر عظيم الخصوصية والأهمية بالنسبة لي كأميركية ؛ لكنّ الفوز لأميركية سوداء هو الحدث المدهش الذي يشكّل إنعطافة رائعة وغير مسبوقة ... " 

عقب شهرين من ذلك اليوم سافرت موريسون إلى ستوكهولم ، السويد ، لكي تتسلّم الجائزة الموعودة . وصلت يوم الإثنين الموافق 6 كانون أوّل ( ديسمبر ) بعد رحلة طيران إستغرقت الليل بأكمله ، وكما هو معروفٌ فإنّ النهارات الشتوية قصيرة للغاية في ذلك الطرف القصيّ من العالم ؛ فالشمس كانت قد أشرقت في الثامنة وخمسٍ وأربعين دقيقة صباح ذلك اليوم ثمّ سرعان ماآلت إلى الغروب في الثالثة بعد الظهر ؛ لكن لم يكن ثمّة الكثير من الوقت لملاحظة النقصان الفاضح في ضوء الشمس خلال ذلك النهار السويدي . كان المسؤولون في لجنة جائزة نوبل قد عُهِد إليهم أمر التخطيط الكامل لأسبوع حافل من الوقائع والمراسيم البروتوكولية بكلّ ماتنطوي عليه من تفاصيل دقيقة وصغيرة تخصّ دعوات العشاء ، والكونشرتات الموسيقية ، والمؤتمرات الصحفية . 

حضرت موريسون دعوة لتناول الغداء في السفارة الأميركية يوم الثلاثاء ، وكان ثمّة موكب من الشرطة إصطحبها في مراسيم إحتفائية للأكاديمية السويدية حيث المكان المعهود الذي ستلقي فيه محاضرتها النوبلية العتيدة . إرتدت موريسون ثوباً أسود مصنوعاً من نسيج الترتر لهذه المناسبة ، وكانت التوهجات اللامعة تنعكس من سطح الثوب بفعل الإضاءة القوية المنبعثة من الثريّات الكبيرة التي زيّنت قاعة الإحتفال . 

إستهلّت موريسون محاضرتها النوبلية بكلمات إعتاشت عليها أجيال من الأطفال الذين إعتادوا سماعها وكأنها حكاية معولمة : " كان فيما مضى .... " . ألقت موريسون محاضرتها وهي تنطق بكلماتها بطريقة هادئة ، إيقاعية ، مموسقة ، وتَمَحْور جوهر المحاضرة في حكاية عن إمرأة عمياء وحكيمة في الوقت ذاته .

في الوقت الذي كانت فيه موريسون تلقي كلماتها تناهى صوت حفيف أوراق يبعث على الرغبة في الإستفهام من جانب الحضور الذي قارب أربعمائة شخصٍ . كانت نسخٌ من محاضرة موريسون قد وُزّعت بصورة مسبّقة على جميع الأفراد الحاضرين ، وراح البعض من هؤلاء يقرأ في نسخته المطبوعة من المحاضرة في الوقت الذي كانت تتكلّم فيه موريسون ، ولم يكن يرغب في أن يتجاهل حتى ولو كلمة واحدة من تلك المحاضرة . تحدّثت موريسون لما يقاربُ النصف ساعة ، ثمّ تمّت المراسيم الإحتفائية لمنحها الجائزة وسط تصفيق الحاضرين وهم واقفون لتحية هذه الكاتبة الشجاعة . 

إذا ماشئنا الحديث عن الإحتفاء الحقيقي فقد جرت وقائعه مساء يوم الجمعة اللاحق ؛ فقد بدأت مراسيم الإحتفائيات بجلبة أصوات الأبواق ( الترمبيت ) المصاحبة لموكب رافق فيه ملك السويد توني موريسون .

كانت القيمة المالية لجائزة نوبل في الأدب تعادل عام 1993 مامقداره ( 825,000 ) دولاراً أميركياً ، وقد سأل المراسلون الصحفيون موريسون بشأن ماهي فاعلة بهذا المال فأخبرتهم بأنها لاتعلم حقاً ، ثمّ أردفت بنبرة مازحة : " هذا الأمر جديد عليّ تماماً ؛ إذ لم يسبق لي من قبل أن توجّب عليّ تقرير ماالذي ينبغي أن أفعله بمثل هذا المقدار من المال . ليس لديّ تأريخ سابق بقرارات كهذه !! " 

تركت موريسون بصمتها على عالم الأدب باعتبارها محرّرة ، ومُدرّسة ، وكاتبة . روايتها الأولى ( العين الأكثر زرقة ) حكت قصّة فتاة أميركية - أفريقية إعتادت أن تصلّي كلّ ليلة من أجل أن يمنحها الربّ عيوناً زرقاء ؛ فهي قرنت العيون الزرقاء بالجمال وعدّت هذه القرينة أمراً واجباً مفروغاً منه ولاسبيل للطعن بمصداقيته . نُشِرت هذه الرواية الأولى لموريسون عام 1970 ، ثمّ أعقبتها روايات أخرى ، منها : سولا ، أنشودة سليمان ، طفل القار ، محبوبة ( التي فازت بجائزة البوليتزر عام 1988 ) ، ثمّ رواية جاز التي نُشِرت عام 1992 .

عندما كانت موريسون طفلة لم تحلُم أبداً بأن تكون كاتبة ؛ إذ أنّ جُلّ ماسعت إليه هو أن تكون راقصة مثل ( ماريا تالتشييف ) راقصة الباليه الأمريكية ذائعة الصيت . بدأت موريسون الكتابة عندما بلغت أنضج أطوار عمرها ، ومع نشر روايتها الأولى علمت أنّ الكتابة شيء ليس في مستطاعها الإقلاع عنه ، وقد صرّحت بهذا الشأن : " لم أكن أستطيع التوقّف ؛ فقد مثّلت لي الكتابة الطريقة العجائبية الأكثر إمتاعاً ودهشة في التفكير والشعور ، واستحالت الكتابة مع الزمن الشيء المتفرّد الأوحد الذي أفعله وليست لي نيّة على العيش بدونه بأي شكل من الأشكال ."

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top