آفاق التنوير في الفكر النجفي المعاصر 2-2

آراء وأفكار 2019/08/28 06:40:16 م

آفاق التنوير في الفكر النجفي المعاصر 2-2

د باقر الكرباسي

كانت النجف الأشرف في أواخر العهد العثماني قد رفضت حكم السلاطين وتسلط الظالمين ، وليس ذلك بالأمر الجديد،

فالنجف صرح حضاري من المخزون الثقافي المتجدد ومنبع من منابع الفكر الإسلامي المتطور، ومربض العلم الثرائي الرائد ومهد الشعر العربي السيّار ، وهي تحمل لواء النضال السياسي بِيَدْ، ولواء العلم الهادف بيدٍأخرى من خلال العلماء الأعلام وقادة الفكر والشباب اليقظ المتحفز فهي تريد للعراق حياة العز والاستقلال ، كما تريد للعراقيين كافة مناخ العدل والاستقرار.

يقول الشيخ علي الشرقي في كتابه (الأحلام): ( لقد خاضت النجف اعتباراً من 1908 معارك سياسية وحربية نضال و صيال ، انتفاضة تعقبها انتفاضة وكانت في النجف كتائب للإصرار تريد الحركة الإصلاحية والتجديد وجماعات أخر تريد الركود ولا تعرف التطور ، وأخيراً انتصر دعاة الإصلاح ، وكان للحركات السياسية والانقلابات في الأستانة وطهران تأثير على النجف لما هناك من الروابط المتينة وقد كانت الفتوى الصادرة من النجف تقيم وتقعد هاتين العاصمتين وكان الشعبيون من الساسة يستمدون العون من فقهاء النجف ، ولشدّ ما انتفضت وناضلت هذه المدينة المقدسة في تأييد النظام الدستوري وهزيمة الحكم الفردي وامتد الصراع إلى مقارعة الاحتلال الانكليزي)...(12)

وكان قادة الإصلاح الديني ورجال الحكم الدستوري ودعاة الحرية والديمقراطية في النجف الأشرف يستمدون الزخم الثوري من المرجع الأعلى الشيخ كاظم الآخوند الخراساني يدعمه في ذلك كل من الشيخ عبد الله المازندراني والميرزا الشيخ محمد حسين النائيني ومن ورائهم الجماهير الحاشدة والشباب المتحمس.

وفي عام 1909 أصدر الشيخ محمد حسين النائيني كتابه المهم (تنبيه الأمة وتنزيه الملّة ) بطبعته الأولى وكان إشارة أولى للتنوير في مدينة النجف وفي الفكر النجفي المعاصر بالذات ،اذ كتب الشيخ النائيني مقدمة لكتابه هذا حافلة بتحليل حقيقة الاستبداد ومشروعية دستورية الدولة ، والتدليل على أصالة الدستور ومجلس الشورى الوطني وتوضيح معنى الحرية والمساواة ، كان ذلك بقلم مشرق وأسلوب رفيع وذهنية عالية ومواضيع مهمة أساسية لتوعية النجفيين في ذلك الوقت ، وفي عام 1910 صدرت في النجف مجلة (العلم ) للسيد هبة الدين الشهرستاني الرجل الذي كان يكتب أشياء مهمة وجديدة على المجتمع النجفي في افتتاحيات هذه المجلة والتي تعد أيضا إشارة أخرى من إشارات التنوير في الثقافة والفكر النجفيين ،وفي عام 1917 قامت ثورة أكتوبر الاشتراكية وما صحبهامن أفكار تقدمية وعلمية ضد الاستبداد والتسلط وإعطاء الناس البسطاء الحق في العيش الرغيد وفي وقتها تأثر العالم العربي بأجمعه بهذه الأفكار ومنها العراق وبدأتالأسئلة المهمة حول هذه الأفكار الجديدة ،والقضية الأخرى هي جهاد ونضال السيد محمد سعيد الحبوبي (ت1915) الشاعر والمصلح والمجدد وصاحب الإحساس الوطني الذي أعطىللإشارات والبدايات التنويرية في النجف دفعاً كبيراً بجهاده ونضاله ومقاومته للاستعمار الانكليزي وما فعله في المنازلة المشهورة في الغراف والشعيبة..

يقول الشيخ علي الشرقي واصفآ السيد الحبوبي :{كان الحبوبي مثلآ اعلى للأخلاق،شيخ تحسبه من الطراوة والطلاوة في ميعة الشباب ،طاهر لمّاع بالفضيلة ،عذب الروح مهيب الطلعة ،الحشمة في مداعباته ،والحكمة باسمة على شفتيه،فصيح صريح،خشوع للحق بعيد عن الحشو}13دوّى صيته في الآفاق مجتهدآ مجددآ واشتهر أخلاقيآ متميزآ وعرف عالمآ يترع إلىالإصلاح ويدعو إلى التجديد والصلاح وكان له زملاء في الدراسة لهم اثرهم الفاعل في الأمم والشعوب وكان أبرزهم السيد جمال الدين الأفغاني الداعية الإسلامي المعروف - الذي مكث في النجف أربع سنوات يستقي منها العلوم - فتوثقت الصلة بين الرجلين كأفضل مايكون حتى بعد خروجه من النجف وتطوافه في البلاد الإسلامية ، زار الأفغاني النجف متنكرآ عام 1891 وأجتمع بالسيد الحبوبي لساعات طوال وقد أذكى كل منهما في أخيه جمرة النضال الوطني فكان منهما ماكان (14) .

وفي العشرينيات من القرن الماضي بدأت أفكار جديدة تدخل إلى العراق عن طريق مطبوعات سورية ولبنانية ،تلقفها العراقيون بشغف،اذ أن الساحة العراقية بشكل عام والساحة النجفية بشكل خاص كان خالية من النشاط الحزبي حتى عام 1934سنة تأسيس الحزب الشيوعي العراقي الذي أسس بداية بصورة سريّة واستطاع أن ينتشر بين العمال والفلاحين والفقراء من الناس ويكوّن له قاعدة عريضة جدآ ،وكانت النجف من بين المدن التي نشط فيها الشيوعيون بشكل ملفت للنظر سيطرت على الشارع النجفي وعلى الرأي العام فيه،وأنضم اليه مؤيدون من العمال والفقراء والطلبة وبعض المحامين والأطباء والمثقفين،وشهدت قاعدة الحزب الشيوعي في النجف توسعآ ملحوظآ خاصة بعد إعدام قاعدة الحزب وكان منهم الشهيد محمد الشبيبي وهو ابن النجف ،كما أنهم استطاعوا ان يكسبوا لتأييدهم بعض رجال الدين وخطباء المنبر الحسيني .. وبالرغم من العمل السري للحزب الشيوعي إلا أنّ تنظيمه كان تنظيمآ جيدآ متمثلآ باجتماعات خلاياهم المستمرة وبتثقيف أنفسهم بأدبيات الحزب والنظرية الماركسية كما انّ نشاطهم الملحوظ أدى إلى تخريج العديد من كوادر الحزب المتقدمين والذين أصبحوا من أعضاء اللجنة المركزية للحزب والمكتب السياسي منهم حسين محمد الشبيبي وحسين أحمد الرضي (سلام عادل) الذي صار فيما بعد سكرتيرآ عامآ للحزب أما الكوادر المتقدمة الأخرى في النجف منهم :صاحب الحكيم ومحمد موسى التتنجي وعلي عبود السيد سلمان وحسن عوينه ورحيم عجينة وحميد السكافي وشاكر جريو ورضا عبدالله وحسين سلمان ومحمد حسن مبارك وحسين علوان الرفيعي ويوسف علوية وكاظم الصفار وزوجته وعدنان تقي الواعظ وعبد الرضا فياض وشمسي مهدي الكرباسي وآخرون كثيرون ... 

ظل الشيوعيون سادة الموقف السياسي وسادة الشارع بعد أن تمَّ توحيد صفوفهم عقب الانشقاقات التي حدثت في أواخر الأربعينيات إذ ان المظاهرات كانت لا تقوم الاّ بهم ، وكانت الاعتقالات لا تتم الاّ منهم ، هذه الجذوة وهذه الصحوة التي أفرزها الحزب الشيوعي العراقي في البلاد من طولها إلى عرضها جعلت العراقيين يطالبون بحقوقهم وفوق ذلك كله بسيادة واستقلال العراق... ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي هو التنوير الحقيقي في الفكر النجفي المعاصر تبعها العقد الخمسيني والذي انتهى بتفجير ثورة الرابع عشر من تموز المباركة عام 1958 بقيادة الشهيد الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم.

وبعد : قال المفكر اللبناني التقدمي الشهيد حسين مروة وهو يتحدث عن سنين تلمذته في النجف :( تتبعت كلَّ شيء أنتجه الناشرون من عراقيين وسوريين ولبنانيين ومصريين وكانت النجف آنذاك سوقاً لجميع المنشورات العربية..)

ومن العلماء المجددين والمصلحين الذين درسوا في النجف ونهلوا منها العلم والمعرفة الشيخ محمد حسين الخالصي ومحمد جواد مغنية والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ حسين مروّة ، وقد يطرح سؤال بأن النجف هل كانت مركزاً علمياً قبل عهد الشيخ الطوسي (ت460هـ) والإجابة على هذا السؤال : هناك اتجاهان:

الأول: يذهب إلى وجود حركة علمية في المدنية المقدسة وأدلتهم هي:

1- أورد السيد ابن طاووس بأنَّ عضد الدولة البويهي زار المشهد العلوي عام 371هـ وتصدق وأعطى الناسَ على اختلاف طبقاتهم وكان نصيب الفقراء والفقهاء ثلاثة آلاف درهم .

2- صدور إجازات علمية من النجف الاشرف قبل ورود الشيخ الطوسي إليها.

3- وبعضهم يقول إن قصيدة الحسين بن الحجاج التي قالها عند زيارته المرقد الشريف : يقول فيها بيتاً يدل على أن النجف كانت مركزاً علمياً:

وقل: سلام من الله السلام على أهل السلام وأهل العلمِ والشرفِ

الثاني: يقول إن الجامعة العلمية في النجف أسست على يد الشيخ الطوسي بعد انتقاله من بغداد عام 449هـ.

أما مسألة التجديد والإصلاح في الحوزة العلمية فقد انقسم الباحثون على ثلاثة أقسام:

1- قسم يرى أنّ الدراسة التي استقرت قواعدها ومناهجها وكتبها وتقاليدها منذ زمن طويل أكسبها طابعاً تراثياً أصيلاً يجب الالتزام بِهِ.

2- قسم يريد الإصلاح ولكن من داخل الحوزة نفسها إذ إنه يتحدث عن التوازن بحيث لا يرضى أن يضحي بالأصالة على مذبح الحداثة ولا بالعكس ، وكان من دعاة هذا الرأي الشيخ المظفر وصالسيد محمد تقي الحكيم.

3- أما القسم الثالث يرى أن الكيان الحوزوي لا يمكن إصلاحه وقد سبقته حركة الزمن ويدعو إلى ترك الدراسات الحوزوية والبحث عن أكاديميات جديدة ومعاهد أخر ، وهذا الاتجاه لم يجد طريقه إلى مجتمع النجف.

هذه هي مدينة النجف مدينة الحراك الثقافي في صباحاتها وأمسياتها فهي كانت ومازالت تؤلف بيئة علمية وأدبية وهي مدينة حوار الأديان إضافة إلى كونها مركزاً سياسياً هاماً .

تمتاز مدينة النجف بخصائص يندر وجودها في مدن العراق الأخرى ،فأكثر السكان في هذه المدينة ليسوا من أهل النجف الأصليين ، وكثير من الأسر النجفية هي تلك الأسر المهاجرة إليها لسببين:

1- طلب العلم في مدرستها العلمية والفكرية .

2- مجاورة مرقد الأمام علي (ع) تبركاً وعملاً.

ولذلك تسمى مدينة الوافدين ،إذ أنّ الوافد إليها لا يؤثر فيها بقدر ما يتأثر بشمائل أصلها والطابع العام لسكانها فالعشائرية والنخوة ورعاية الجار والكرم والضيافة سمات بارزة يلمسها كل وافدٍ عليها.

فيما تقدم هي محاولة لدراسة اللمسات الأولى للتنوير في الفكر النجفي المعاصر.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top