بنية الجذب من البراري..قراءة التماثل بين ملحمة كلكامش والتوراة

بنية الجذب من البراري..قراءة التماثل بين ملحمة كلكامش والتوراة

ناجح المعموري

2-2

لعبت البغيّ دور المروض والمهذب لشخصية أنكيدو وقادته بقناعته ، وجذبته نحو أوروك .

وفي الخطيئة التوراتية ، كان لحواء دور بارز ومعروف في إغواء آدم ، لإخراجه من الفردوس وطرده الى الأرض .

وهي التي قادت عملية التغيير الفكري والاجتماعي والسلوكي مع انكيدو ، مثلما فعلت حواء بعد تخليقها . وكلتاهما سببتا متاعب كثيرة لهما .

للمرأة في الملحمة ، وخصوصاً شمخت فعل مهم ، ودور منتج بذكائها وشخصيتها ومفاتن جسدها ، ولعبت في القصة التوراتية دوراً مهماً ، لم يكن لها لولا ذكائها وقوتها . وشكل هذا بعضاً من العناصر المشتركة في كثير من الأساطير والديانات البدائية ، وخصوصاً في الشرق الأدنى القديم فشمخت ، عشتار ، عشروت ، دليلة ....

وهيروديت ، استير ، عناة لعبن أدواراً حضارية وتاريخية خطيرة . لم تتحقق لولا ذكاؤها ، وقدرتها على استنهاض غواية الجسد والذكاء للانتصار على خطاب الرجولة ، الذي لا يعرف عبر التاريخ غير القوة . أما الخطاب الأنثوي ، فهو خطاب التحاور عبر الإغواء والذكاء ، وإثارة المفاتن والمكامن ، وهو أقوى الخطابات لحد الآن مثلما اعتبره ميشيل فوكو . ولم يستطع الخطاب الرجولي من الصمود أمامه ، وسفر هيروديت في التوراة دليل على قوة النتائج التي تحققت للخطاب الأنثوي في العلاقة مع (( اليفانا )) قائد جند نبوخذ نصر .

كانت الحيّة أحيل جميع الحيوانات الحقول ، التي صنعها الرب الإله . فقالت للمرأة (( أيقينا قال الله : لا تأكلا من جميع أشجار الجنة ؟ فقالت المرأة للحيّة : من ثمر أشجار الجنة نأكل وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه كيلا تموتا ) (1) ومارست الحيّة دوراً بارزاً وواضحاً في الإغواء الذي حصل : (( هل أكلت من الشجرة التي أمرتك إلا تأكل منها ؟ فقال الإنسان (( المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت )) فقال الرب الإله للمرأة : ماذا فعلت ؟ فقالت المرأة : الحيّة أغوتني فأكلت )) (2) ولهذا خسر الإنسان خلوده وحل عليه فعل الطرد من الفردوس . والحيّة هي التي سرقت عشبة الخلود من جلجامش الذي سعى إليها طويلاً ، وتحمل المتاعب والأهوال ، حتى حصل عليها ، ليمنح الإنسان من خلالها خلوده ، وليتساوى الإنسان كارثة الفقدان التي عاشها بموت خله وصديقه أنكيدو . لكن الحية أخذتها كما هو معروف ومنحت نفسها التجدد والشباب . وظل الخلود خاصية للإلهة فقط . وامتدت أسطورة الحية ، لتكون بعض عناصر الكثير من الأساطير في العالم وهي المسئول عن خسارتنا للخلود ، كما قال الأستاذ فراس السواح .

وقال لآدم : لأنك سمعت لصوت امرأتك فأكلت من الشجرة التي أمرتك إلا تأكل منها فملعونة الأرض بسببك بمشقة تأكل منها طول أيام حياتك وشوكا وحسكا تنبت لك ، وتأكل عشب الحقول بعرق جبينك تأكل خبزاً حتى تعود الى الأرض ، فمنها أخذت لأنك تراب والى التراب تعود ) (3).

التماثل مع هذا النص التوراتي واضح فأنكيدو ، سمع صوت شمخت واستجاب لها ، وغادر البراري وارتضى لنفسه دخول أوروك ، المدينة المحصنة لقد دخل الى حضارة الاحتراب والقتال : وخسر الى الأبد براري الهدوء والأمان وحلت عليه اللعنة والمتاعب وواجه الأهوال وكلنا تعرف بأن الإلهة ( اورور) غسلت يديها وخلقته من تراب والى التراب عاد بعد موته .

كما نجد العناصر الأسطورية الخاصة بخلق الإنسان الأول ، تدخل في الرواية التوراتية . فقد خلق آدم من طين ومنه خلقت زوجته حواء . وقد ورد في سفر التكوين ، أشارات للروايات السومرية والبابلية ، التي تحدثت عن خلق الزوجين الأولين من طين أو من دم الإله الممزوج بالطين .

واسم ادم نفسه كما رأينا ليس إلا كلمة أوغاريتية تعني البشر أو الإنسان (5) وللتفاصيل بالإمكان الاطلاع على أسطورة انكي السومرية ، وأسطورة الخلق البابلي كما اتسعت مساحة تخليق الإنسان من تراب وامتدت الى أساطير العالم (6) .

خسر أنكيدو وهدوءه النفسي وتآلفه مع مكان مفتوح ، بدائي وزاحمته الحضارة والمتاعب عندما انتقل الى أوروك المسيجة والمحاصرة بقدرات الإنسان لحمايتها . وفقد براءته التي لم يستطع استعادتها ، مثل آدم بعد خطيئة الغواية التوراتية ، حيث ساح في الأرض المفتوحة ، حاملاً تعبه .

(( أضحى أنكيدو خائر القوى لا يطيق العدو كما كان يفعل من قبل . ولكنه صار فطناً واسع الحس والفهم رجع وقعد عند قدمي البغي وصار يطيل النظر الى وجهها ولما كلمته أصاح بأذنيه إليها كلمت البغي انكيدو وقالت له : صرت تحوز على الحكمة يا أنكيدو وأصبحت مثل إله فعلام تجول في الصحراء مع الحيوان ))(7) .

وتجاوز آدم وحواء على وصايا الرب وتناولهما من ثمرة الشجرة المحرمة ، اكتسبا الخبرة والمعرفة أيضا وقال الرب الإله : هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا ، فيعرف الخير والشر )) (8) 

كان أنكيدو عاريا مع حيواناته في البراري ، وبعد اكتسابه للفطنة والحكمة (( شقت ثوبها شقين ، ألبسته بواحد منهما واكتست بالثاني ) (9) . و (( أضحى أنسانا لبس اللباس وصار كالعريس )) (10) .

وبعدما أكل الزوجان آدم وحواء ، (( انفتحت أعينهما فعرفا أنهما عريانان . فخاطا من ورق التين وصنعا لهما منه مآزر )) (11) .

فنادى الرب الإله الإنسان وقال له : أين أنت ؟ قال : أني سمعت وقع خطاك في الجنة فخفت لأني عريان .

فاختبأت قال : فمن أعلمك أنك عريان (12) . و (( وصنع الرب الإله لآدم وامرأته اقمصه من جلد وألبسهما (13) . وبإمكاننا تعزيز هذا التماثل الواضح ، في عودتنا الى بعض العناصر الأسطورية الأخرى التي اقتربت كثيراً من موضوعة العري وأهمية الستر . حام أبو كنعان عندما دخل خيمة أبيه نوح وأبصر عورته بعد سكرته ، وأخباره لأخويه . وأخذ سام ويافت الرداء (( ووضعاه على أكتافهما ومشيا الى الوراء شطر الخيمة وسترا عورة أبيهما ووجهاهما الى الوراء ، فلم يبصرا عورة أبيهما ، فلما أفاق نوح من سكره علم ما فعل به ابنه الصغير . فقال : (( ملعون كنعان عبد العبيد يكون لأخوته . ومبارك إله سام . وليكن كنعان عبداً لهم . ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام وليكن كنعان عبداً لهم (14) أن للجسد في الديانات الزراعية القديمة قداسة خاصة ويبدو من خلال الإشارات التي وردت تأكيد صيانة الذكورة ولا يجوز تحويلها الى فرجة . وربما تقترن الذكورة أيضا بأبهة الأنوثة وسلطتها . وستر الذكورة يعني ضمن ما يعنيه تقديس للأنوثة من خلال احترام سلطة ذكورتها ، وستر أسرارها التي صارت علنا . ويبدو بأن الحماس لستر الذكورة المعلنة عن عريها من خلال خطيئة السقوط التوراتي وملحمة كلكامش وأسطورة آدابا ، وقصة معرفة نوح للخمرة ، تأكيد لأهمية الدور الرجولي في الحياة والمجتمع . وتعني هذه القصص والإشارات تسييداً للرجولة . ولها فيها حاكمية قوية جداً . وفي هذا أشارة أيضا الى أن السلطة الامومية فقدت دورها التاريخي . لكنها لم تخسر نهائياً مهابتها وقدرتها على التأثير والإغواء . وإشارات الستر ، التي مرت ما هي الا علامات على احترام الذكورة وتقديس الرجولة واعتراف بسلطتها ، التي احتلت موقعاً مهماً في الأساطير واعتمدت عليها للإعلان عن طبيعتها (15) أي طبيعية تلك المراحل . والعري سبة للرجولة كما في النص التوراتي ( ولانك حرمتني من ممارسة الفعل الشنيع في سواد الليل . سيولد أبناء كنعان سوداً دميمي الخلقة وسيكون شعر احفادك جعداً ، وستكون عيونهم قانية لأنك لويت عنقك لتتطلع الى عربي ، ولان شفتيك ابتسمتا لمصيبتي فستغلظ شفاه أحفادك ، ولأنك لم ترتم حرمة عربي ، فسيكتب على احفادك أن يعشوا عراه(16).

لعبت قوة الجذب دوراً عبر الأنوثة والذكاء ، في سحب أنكيدو من البراري الى أوروك . واشتغلت سلطة الطرد لآدم وحواء من الفردوس التوراتي وبقوة الرب .

اختلاف بين الاثنين . لكن تماثلاً حاصل في النتائج . كلاهما ساح في الأرض ، وواجه ما يواجهه البشر من تعب وموت . كما أن قوة الجذب خارجية ، آتية من أوروك . وسلطة الطرد متولدة من الداخل . أنها قوة الرب الذي لا يعصى ، وقوة الجذب مزودة بقوة مادية ، هي متراكمات الحضارة والسلطة . سلطة الطرد مزودة بقوة الرب الروحية والماورائية .

اعتمد الطرفان في غذائهما على ما موجود في مكانهما ، ولم يفكروا بغيره أبدا أكل انكيدو العشب وشرب من لبن الحيوانات وتناول آدم وحواء من ثمار الأشجار غذاء . ولم تؤسس الملحمة بشكل مباشر امتداداً نسلياً لانكيدو ، حيث استعاض عنه بالرعاة اولا وسكان اوروك ثانياً . وفي الاسطورة التوراتية ، خلق لآدم امتداده النسلس . وربما كان الغياب النسلي لانكيدو ، متأت من طبيعة التأسيس الفني للملحمة ، بشكل عام حيث غلبه التراجيديا ، كموقف فكري في موت أنكيدو .

حصلت في الملحمة مشاجرات وخصومات قادت في نتائجها الى القتل وانقذت اوروك من طوفان الشر الخارجي وكانت لها اسباب دفاعية ، لكنها في الحكاية التوراتية حصلت بين الاخوة الاعداء . ولها أسباب كثيرة وعاش أنكيدو مع الحيوانات ورفه عن قلبه معها وهي بمثابة تحشيد لحياة في البراري . وتضمنت الملحمة تفاصيل العلاقة معها . وفي الحكاية التوراتية ، وردت اشارات لتخليقها ووجودها في الفردوس فقط .

المرجعيات : 

1. التوراة / سفر التكوين 2: 4 ـ 16.

2. التوراة / سفر التكوين3: 1 ـ 16.

3. التوراة / سفر التكوين3: 1 ـ 16.

4. التوراة / سفر التكوين3: 1 ـ 16.

5. فراس السواح / مغامرة العقل الأولى ـ دار الكلمة ـ بيروت 985 ص209.

6. فراس السواح / مغامرة العقل الأولى /ص11.

7. طه باقر / ملحمة كلكامش ، وزارة الثقافة 980 / بغداد ـ ص 84.

8. التوراة / سفر التكوين3:4 ـ6.

9. طه باقر / ملحمة كلكامش ص88.

10. نفس المصدر ص88.

11. التوراة / سفر التكوين3: 1 ـ 16.

12. التوراة / سفر التكوين3: 1 ـ 16.

13. التوراة / سفر التكوين3: 1 ـ 16.

14. التوراة / سفر التكوين9: 15ـ 27.

وواضح بأنه من النصوص المضافة من قبل اليهود لخدمة أغراض فكرية معروفة .

15. من دراسة للمؤلف عن أساطير الخلود ، غير منشورة .

16. التوراة / سفر التكوين9: 15ـ 27.

ويلاحظ في المستل النصي الغرض الفكري لتداخلات اليهود في الصياغة التوراتية من أجل خدمة أهدافهم العنصرية ، وتوجهاتهم العرفية في التعامل مع الكنعانيين حتى يجدوا المبرر الديني للاستيطان التام في فلسطين وممارسة الاضطهاد معهم .

كانت الدراسة أصلاً محاضرة قدمت ضمن أعمال الحلقة النقاشية المقامة عن علاقة طه باقر في محافظة بابل .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top