توني موريسون.. فصولٌ من سيرة كاتبة شُجاعة

توني موريسون.. فصولٌ من سيرة كاتبة شُجاعة

تأليف : بربارا كريمر

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

القسم الثاني

وُلِدت توني موريسون في بلدة (لورين) بولاية أوهايو في 18 شباط (فبراير) عام 1931 ،

وجاء ترتيبها الثانية في تسلسل أكبر الأشقاء المولودين للزوجين (جورج) و (راما) ووفورد . أطلق الوالدان على توني إسم (كلوي انتوني ووفورد) . 

بالرغم من أنّ كلوي ( توني ) ولِدت في أوهايو فقد كانت لها جذور جنوبية : تحدّرت عائلة أمّها من ولاية ألاباما ، وقد حصل أن غادرت تلك العائلة مكان أصولها الأولى ويمّمت وجهتها شمالاً في البواكير الأولى من القرن العشرين بحثاً عن وسيلة عيش أكثر هناءة وطيباً . أما والد كلوي فقد تحدّر من عائلة ذات أصولٍ تنتمي لولاية جورجيا ، وغادر موطن أصوله الأولى شمالاً عندما كان في السادسة عشرة يحدوه أملٌ في الخلاص من العنصرية العرقية الشائعة في الجنوب الأمريكي .

وُلِدت كلوي وسط الكساد العظيم الذي ضرب الولايات المتحدة الأميركية ، وحيث كانت البطالة في أقصى معدلاتها القاسية ؛ الأمر الذي دفع والدها للعمل في أي عمل يقيت العائلة ويبعد عنها غائلة الجوع بصرف النظر عن طبيعة العمل أو مشقته أو موقعه ، وقد تطلّب الأمر منه أحياناً أن يعمل في ثلاثة أعمال في اليوم ذاته لكي يُبقي عائلته على قيد الحياة ، وليست قليلةً تلك الأيام التي عمل فيها منظّف سيارات ، وعامل تعبيد طرقات ، ولحّام فولاذ ، ولحّاماً في مرفأ للسفن ؛ لكنه برغم هذه المشقات العظيمة كان ممتلئاً بالفخر بسبب عمله هذا المثقل بالكدح ، وقد حصل أن أخبر إبنته كلوي يوماً بأنه متى ماكان يكمل لحام وصلة كاملة في سفينة كان ينقش إسمه عليها ليكون بمثابة توقيع يخلّده . علّقت كلوي على هذه الواقعة لاحقاً بالقول : " لم يكن أحدٌ سواه يرى ذلك التوقيع ، أو حتى يأبه له ؛ لكنّ أباها كان وحده يتيه به جذلاً ، وهذا هو الأمر كلّه الذي كان يعني له شيئاً وليس من أمر آخر سواه . " 

لكن برغم حياة الكدح والمشقة فقد كان أبوها يغدو عاطلاً بعض الأحيان ، وحصل في يوم ما من أيام العطالة تلك ( كانت كلوي قد بلغت السنتين حينذاك ) أن عجز أبوها عن تدبير مبلغ الأربع دولارات اللازمة لتسديد تكاليف الإيجار الشهري لسكنهم ؛ وهنا طلب إليهم مالك الأرض التي يسكنون فيها المغادرة على الفور ؛ لكن جورج ووفورد رفض الإنصياع لهذا الطلب ، وحينذاك أضرم هذا المالك النار في المسكن . كانت كلوي وأبواها وشقيقتها الكبرى داخل المسكن عند إضرام النار فيه ؛ لكن المقادير الطيبة وحدها هي التي أنقذت الجميع من الأذى المحقق . 

كانت كلوي أصغر بكثير من أن تتذكّر تلك الواقعة القبيحة ؛ لكنّ أبويها أعادا رواية الواقعة على أسماعها مرة بعد أخرى عندما كانت تنمو لتغدو فتاة يافعة ، والغريب أنّ موريسون تقول أنّ تلك الواقعة علّمتها ضرورة أن يمتلك المرء شيئاً من حسّ الدعابة عند مواجهة شدائد الحياة ، ثم تردفُ بأنّ ذلك الحس من الدعابة كان الوسيلة الوحيدة للتعامل مع ذلك النمط القبيح من الشرّ الذي يمكن أن يقترفه كائن بشري . إنّ التفكّر بضآلة حيوات البشر فضلاً عمّا تعنيه تلك الحيوات بالنسبة لمالك الأرض كان أمراً كفيلاً بقتل الروح من جراء الإحباط والإكتئاب ؛ لكنّ موريسون ، وعلى العكس من ذلك ، قابلت ذلك الإحباط بضحكة عالية ، وهي تقول بشأن هذا الأمر : " هذا ماتفعله الضحكة المنبعثة من أعماق القلب . أنت تستعيد بتلك الضحكة حياتك التي توشك على الذبول والإنطفاء . " 

والدة كلوي ، راما ووفورد ، كانت إمرأة قوية العزيمة ، ولطالما آمنت بأهمية الجهر بالقول المناهض لغياب العدالة والحسّ الإنساني . تتذكّر موريسون في هذا الشأن : 

" عندما وجدَتْ أمي أنهم لايسمحون للسود بالجلوس في أماكن محددة من المسرح المحلي كانت تتقصّد الجلوس في أماكن الصفوة المنتقاة من البيض ، وكأن لسان حالها ينطق بالقول " أنا فعلتها وجلست هناك ؛ لذا فإنّ أياً منكم - أيها السود - يمكنه أن يعيد الكرّة ويجلس حيث جلست . " 

حصل مرّة خلال الكساد العظيم أن تسلّمت عائلتنا حصّة مجانية من دقيق القمح خصّصته الحكومة للعوائل المعوزة ؛ لكن أمي إكتشفت أن الدقيق موبوء بالحشرات الطفيلية الصغيرة ، وهنا أبانت راما كلوي عن معدنها الأصيل وقوة شكيمتها فبعثت بشكواها إلى أعلى المستويات الحكومية عبر كتابة رسالة مباشرة إلى الرئيس فرانكلِن روزفلت شخصياً . علّقت موريسون بشأن هذه الواقعة لاحقاً : " لطالما آمنَتْ أمي بأنّ شيئاً ما يتوجّب فعله دوماً إزاء الأوضاع غير الإنسانية . " 

لكن برغم كلّ تلك الأوقات العصيبة فإنّ طفولة كلوي لم تكن كئيبة مظلمة : كان مسكن ووفورد يصدح بكلّ أشكال الموسيقى ، وكانت راما ووفورد ذاتها إحدى عضوات الجوق الكنسي ، واعتادت على الغناء دوماً في أفناء المسكن الخارجية مردّدة أنماطاً مختلفة من الغناء : جاز ، بلوز ، ترانيم كنسية ، أوبرا ،،، إلخ . فضلاً عن كلّ هذا فقد إعتاد جدّ كلوي ، جون سولومون ويليس ، على عزف الكمان ( الفيولين ) ووظّف موسيقاه تلك ، ولبعض الوقت فحسب ، في إعالة أسرته . 

كان حكي القصص جزءً متأصّلاً في تسلية عائلة كلوي ، وفي هذا الشأن تتذكّر موريسون أبويها وهما يرويان حكايات الأشباح المدهشة : " كانت الحكايات التي يرويها أبي هي الأفضل والأكثر قدرة على بعث الخوف والرهبة في القلوب ، وكثيراً ماكنّا نتوسّل إليه طلباً لإعادة سرد حكاياته التي بثّت الرعب في قلوبنا أكثر من سواها . " 

كانت القراءة - إلى جانب حكي القصص - مصدراً إضافياً للبهجة . إنتمت والدة كلوي إلى نادٍ للكتاب على الرغم من أنّ العائلة لم تكن تملك الكثير من المال ، وعلّمت إبنتها كلوي منذ بواكير صباها أنّ الكتب أشياء ينبغي أن تُثمّن وتُعامل كما الكنوز تماماً . حصل فيما سبق أن ذهب جدّ كلوي مرة واحدة فحسب إلى المدرسة في أحد الأيام لكي يخبر المعلّم فيها إنّه لن يعود إليها في قادم الأيام ، وقد كتبت موريسون لاحقاً بهذا الشأن : " لكن برغم ذلك فإنّ جدّي قضى معظم أيام حياته البالغة وهو يقرأ بنهم غريب ، وقد شاركه هذا الفعل كلّ أصدقائه الذين لم يذهبوا يوماً للمدرسة !! ". تعلّمت كلوي القراءة في وقت مبكّر من حياتها ، وكانت الطفلة الوحيدة التي تجيد القراءة في صفها المدرسي الأوّل عند إلتحاقها بالمدرسة الإبتدائية في بداية سنتها الدراسية الأولى . 

عاشت عائلة ووفورد وسط جيرة تضمّ شتى الأعراق البشرية ، وعندما إلتحقت كلوي بالمدرسة كان يشاركها الحضور أطفال ألمان وإيرلنديون وإيطاليون ويونان وأمريكيون أفارقة . " الناس المقيمون في بلدات الغرب الأوسط الأمريكي قدموا من كلّ بقاع الأرض " - هذا ماأبانت عنه موريسون في أحد أحاديثها ؛ ولكن برغم هذه التعشقات العرقية كان ثمة حدود دينية وإثنية أتفق الناس على عدم تجاوزها أن التعدّي على حرمتها . كان الأمريكان الأفارقة ممنوعين من إرتياد بعض الأماكن في البلدة التي كانت تقيم كلوي فيها ، ومنها - مثلاً - البحيرة في متنزّه المدينة حيث إعتاد الأطفال البيض على السباحة فيها . 

تتذكّر موريسون أيضاً الشتائم العنصرية التي إعتاد الأطفال البيض على التفوّه بها وهم يرشقونها وزميلاتها بقطع الصخور ويطلقون عليهنّ أسماء غريبة مقزّزة . تعلّق موريسون على هذه الواقعة بالقول : " كنت افكّر في تلك اللحظات كم كان هؤلاء المتنمّرون ضعفاء خائرين في دواخلهم : أطفال بعمر الرابعة عشرة يتهجّمون بعدوانية قبيحة على فتيات صغيرات بعمر السادسة فحسب ، وهنّ لايكدن يبلغن نصف قامات هؤلاء الفتية المتنمّرين " . وبرغم أنّ موريسون كانت تتعامل معهم حينذاك بطريقتها الناضجة التي صارت معلماً رئيساً من معالم حياتها اللاحقة ، وتجاهلت تلك الأسماء الشنيعة التي كانوا يطلقونها عليها ؛ لكنّ هذا التجاهل لم يكن ليخمّد مخاوفها المتعاظمة لأنّ " سيل الصخور المقذوفة نحوها لم يكن يتوقّف بقدر ماكانت ضراوته تشتد كلّما مضت في تأكيد تجاهلها .... " 

وفّرت المدرسة لكلوي تعليماً يعدُّ أحد نمطين تعليميين في حياتها ؛ أما التعليم الآخر فكان التعليم الثقافي الأميركي - الإفريقي الذي تحصّلت عليه من والديها وجدودها ؛ فقد علّمها هؤلاء كلّ مايختصّ بشأن الحياة الأميركية - الإفريقية في جوانبها كافة : الفلكلور ، الأساطير ، الإشارات الرمزية ، الأخلاقيات التشاركية ، العادات والتقاليد المتوارثة . كان للخوارق مكانة جوهرية في الحياة اليومية لعائلة كلوي ، وتستذكر موريسون بشأن هذه الجزئية : " نشأتُ في عائلة إعتاد أفرادها الحديث عن أحلامهم وكأنّ لها ذات السطوة التي يتحدّثون بها عن وقائع حياتهم الحقيقية . "

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top