قضية للمناقشة: ليتها لا تكون رقابة

آراء وأفكار 2019/09/04 06:54:05 م

قضية للمناقشة: ليتها لا تكون رقابة

فريدة النقاش

اشتركت منذ سنوات في مجلة ” اليسار الجديد ” الإنجليزية التي تصدر كل شهرين ( لشح الموارد طبعاً ) ـ وظلت المجلة

منتظمة في الصدور والوصول حتى عام مضى ثم توقفت بعد ذلك ، خاطبنا المركز في لندن وأكد القائمون عليها أنهم يواصلون إرسال المجلة بانتظام ، وحتى اطمئن أعادوا إرسال بعض الأعداد الأخيرة ، ولكن بقى الحال هو الحال ، فلا الأعداد الجديدة وصلت ، ولا وجدنا القديم حتى لدى البريد المركزي .

وتمنيت من كل قلبي أن لا تكون الرقابة هي التي صادرت الأعداد ، لا فحسب لأن دلالة مثل هذه المصادرة إن حدثت هي سيئة للغاية ، بل إنها دليل مايمكن أن نصفه بالغيبوبة ، فكل ما تنشره الصحف والمجلات وجماعات حقوق الإنسان ومراكز البحث بل ودوائر الحكومات وأجهزة الأمن في كل أرجاء العالم سرعان ما يجري توفيره على مواقع التواصل .

وحيث قررت الحكومات الغربية أن تعاقب ” جوليان أسانج ” صاحب موقع ” ويكيليكس ” الذي نشر وثائق لأجهزة مخابرات ـ خاصة الأميركية ـ نفضح بعض الأكاذيب التي روجت لها عن احترامها للحريات العامة ، ومراعاتها للقانون الدولي في إدارة العلاقات بين الدول ، بينت هذه الوثائق أن حجم ومدى الانتهاكات التي ترتكبها هذه الأجهزة ضد الشعوب والأفراد ـ حتى في داخل بلادها ـ هو أكبر وأوسع كثيراً من أي تصور .

وكان أن قامت السلطات الأميركية بمطاردة مؤسس الموقع وصاحبه إلى أن احتمى بإحدى سفارات الدول التي وافقت على حمايته في العاصمة البريطانية ، وبقية القصة معروفة .

ولكن ، وبالرغم من هذه الملاحقة والفضيحة فقد جرى نشر الوثائق ، وأطلع الجمهور الواسع على ما كان يعرف بعضه ولا يعرف أغلبه ، لتتأكد شكوك كل الذين يطعنون في مصداقية الالتزام الأخلاقى الذي تدعيه هذه الأجهزة ، وتأكد لدى هؤلاء أن ما يحكم سلوك هذه الدول ” الكبرى ” هو قانون القوة ، وأخلاق البلطجة لا أكثر .

اكتشفت في هذه الأيام التي فقدت فيها مصدراً مهما من مصادر المعرفة العميقة والنزيهة بتوقف وصول مجلة ” اليسار الجديد ” أنني أصبحت في الأيام الأخيرة ألجأ كثيراً لنصوص الدستور ، وكأنما ألوذ به من الحماقة التي قيل إنها أعيت من يداويها.

وأقول لنفسي في كل مرة إن السلطات المصرية لم تسق لنا مبرراً واحداً لتباطؤها ـ بل أقول امتناعها عن تطبيق مواد الدستور الجديد ، وأثمن ما فيه ـ من وجهة نظري ـ هو صيانته للحريات .

ولطالما توقفت أمام المادة “71” التي تحظر ـ بأي وجه ـ فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها ، ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زمن الحرب أو التعبئة العامة ” .

مجلة ” اليسار الجديد ” ليست صحيفة مصرية ـ وغالباً ما سوف تقول لنا الجهة التي صادرتها ذلك ـ إن كانت المصادرة قد حدثت ، وهو منطق شكلي سليم ، ولكنه لا يصمد أمام واقع أن مئات ـ بل آلاف الوسائط الإعلامية من صحف ومجلات وقنوات تليفزيونية ووسائل تواصل جديدة ـ تتزايد كل يوم وجميعها تنشر مواد متنوعة عن الأوضاع في مصر سواء فيما يتعلق بالحريات العامة أو بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ، ونعرف عنها من رد السلطة عليها .

ويستحيل على سلطة في العالم ، لا أن تمنع وإنما حتى أن تتابع وتراقب كل هذه الوسائط ، وكذلك فإن الجمهور المتعطش لمعرفة حقيقة ما يحدث في بلاده ـ بعد أن فقد الثقة تدريجياً في المنابر والمنصات الوطنية ، هذا الجمهور سوف يجد طريقه للحصول على الحقائق دون تزويق أو تزوير .

وبطبيعة الحال فإن الجهات ـ حكومات أو منظمات أو أفراد ، والتي هي في خصومة سياسية مع الحكومة المصرية ، سوف تقوم كالعادة بالمبالغة في عرض ما قد يكون قد توفر لها من معلومات عن الأوضاع في مصر ، ويظل الجمهور يدور في الحلقة المفرغة بين الإثبات والنفي لأن السلطة سرعان ما تقوم بنفي ما تبثه هذه الوسائط ويبقى مثل هذا الجدل العقيم الأقرب لمسرح العبث قائماً طالما ظلت هناك قيود على الحريات العامة ، وتجاهل لحق الجمهور في المعلومات ، وهي أوضاع لا تخص قضايا الحريات فحسب ولكنها تخص أيضاً قضية جوهرية أخرى هي المشاركة الشعبية في اختيار السياسات وتنظيم الأولويات والتعبير الحر عن التطلعات وكلها أهداف طرحتها بعمق كل موجات الثورة التي شهدتها البلاد لامنذ 25 يناير 2011 فقط ، ولكن منذ نهاية القرن الثامن عشر حين واجه المصريون المحتل الفرنسي ببسالة ، وفي كل هذه المواجهات مع الأجنبي ومع الاستبداد المحلي كان هناك دائما مكون أساسي يتعلق بحق الشعب في السيطرة على مصيره وتقرير السياسات والخيارات التي تتحكم في هذا المصير ، ولاتزال هذه الأهداف مطروحة على جدول أعمال المصريين ، ولا نستثني أحداً على حد تعبير الشاعر الراحل ” مظفر النواب ” اللهم إلا هؤلاء الذين وجدوا أن القيود على الطبقات الشعبية والوسطى توفر المناخ الملائم لخدمة مصالحهم المشروعة وغير المشروعة ، وهم يواصلون استغلال المصريين ، وتسميم حياتهم ورب ضارة نافعة كما يقال ، فقد جعلني انقطاع النسخة الورقية من مجلتي المفضلة أنهى قطيعتي ـ بل قل خصومتي مع التكنولوجيا ، وأتعلم قراءة المجلة على الكمبيوتر رغم أنني مازلت أعشق الورق ، ورائحة الكتب التي اعتدت عليها لأكثر من خمسين عاماً .

ومرة أخرى أقول ليتها لا تكون رقابة ، وإن كانت ممارسات كل من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للصحافة لا تدعو للتفاؤل ، فكأن هناك في المؤسستين من يتربص بالأفكار ، وكأنهم لا يقرأون دروس التاريخ بعد أن أثبت أن كل رقابة الدنيا لن يكون بوسعها أن تحجب نور العقل

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top