بيت (المدى).. يستذكر أحد رواد النهضة الثقافية  جبرا ابراهيم جبرا

بيت (المدى).. يستذكر أحد رواد النهضة الثقافية جبرا ابراهيم جبرا

 بغداد/ محمد جاسم  عدسة/ محمود رؤوف

جمعة اخرى تجمعنا فيها الثقافة في بيت المدى لنستذكر رموز الثقافة العراقية على امتداد الزمن.

 

وهذه المرة كانت حصة الاستذكار للاديب والمترجم والناقد والفنان "جبرا ابراهيم جبرا". وهو افضل من ترجم شكسبيرومسرحياته الى العربية. وجبرا الذي ملأ الفضاء العراقي في الخمسينيات والستينيات، نجماً متألقاً من نجوم المجتمع الثقافي المخملي، كان يبدو مستقراً في المكان رغم اقتلاعه من موطنه الأول فلسطين. والمستقر الثقافي، على هذا النحو، هو المكوث في الأدب، باعتباره قيمة تتشكل من خلالها مواطنية الجدارة. عاش في العراق واكتسب الجنسية العراقية، وتزوج لميعة العسكري ابنة ضابط من الضباط الكبار في العهد الملكي.

كان انتساب جبرا الى العراق في ذاكرة المثقفين الذين عاصروه وأتوا بعده، أقرب إلى البداهة، فلم تخطر ببال المجتمع الثقافي إشكالية ما في هويته، حتى بعد أن كتب روايته "البحث عن وليد مسعود" وبطلها الفلسطيني المهاجر. بيد ان الشاعر أحمد دحبور يرى ان "ثنائية العراقي الفلسطيني كانت تلازمه دراميا بما يتجاوز الفصام إلى عملية التوحد، فهو في العراق نجم المجتمع الناجح، المثقف المسيطر، ولكنه في الأعماق، ذلك الفلسطيني المسيحي الخليط من فلاح ومدني والمجروح وطنياً، إلى حد ان أصبح الجرح شخصياً". وأيا كانت القراءات السايكولوجية لهوية جبرا، فقد فضل المكوث في العراق رغم خراب أزمنته، وتوفي بعد رحيل رفيقة عمره بسنتين

مثقف موسوعي

جلسة المدى ادارها الباحث "رفعت عبدالرزاق" وشارك فيها مجموعة من نقاد الادب والفن التشكيلي. والكتاب وجمهور عريض امتلأت بهم قاعة المدى في شارع المتنبي.. اشار رفعت الى:- يستحق جبرا منا كل التقديروالاهتمام. لكثرة اهتمامه وانجازاته في الادب والفن والترجمة والنقد. في نهاية الاربعينيات جاء جبرا الى العراق وكان معه الموسيقار روحي الخماش والطبيب النفسي الفذ علي كمال. وكان جبرا قد درس في جامعة القدس التي خرجت الكثير من الادباء منهم ابراهيم طوقان. وسافرالى لندن ليدرس الادب الانكليزي في جامعة كامبردج لينال الماجستير. وعمل ايضا في مجلة العاملون في النفط. وشارك في العديد من الانشطة الثقافية كرابطة النقد التشكيلي. وكان بعيدا عن السياسة بقصد. وله علاقات متميزة مع السياب وجواد سليم.. كان يسكن في شارع الاميرات بالمنصور وهو من ارقى شوارع بغداد. وهو مثقف موسوعي وله اهتمامات كثيرة في الادب والفن.

ظاهرة عربية وليست عراقية فحسب

الدكتور"جواد الزيدي" قال:- تحية للمدى لانها تستذكر اليوم قامة ابداعية كبيرة مثل جبرا الذي تجاوز بأدبه وفنه الحدود المحلية واصبح ظاهرة عربية ايضا. كما اسس هوية ثقافية للعراق. ووثق الكثير من الظواهر الادبية والفنية. وربما هو الاول الذي كتب رواية مع اديب آخر هو عبد الرحمن منيف. وكذلك اسهم في تشكيل رؤية عراقية بالفن التشكيلي. كما اسس مع جواد سليم جماعة بغداد الفن الحديث مع كثير من الفنانين والادباء. وقدموا الكثير من الاعمال الخالدة، وبرزت منهم تنظيرات كثيرة في الفن التشكيلي العراقي. كما كان متابعا بشدة لكل التطورات الفنية في مضمار التشكيل. وكتب عن الكثير من الفنانين الدراسات والكتب. كما وثق من خلال علاقته الوطيدة مع جواد سليم الكثير من آرائه وطروحاته في كتاب، لاسيما ما يتعلق بنصب الحرية وفلسفته ورؤيته للنصب ومغزاه. ولولا جبرا وكتابه لما تعرفنا عن معاني واهداف نصب الحرية. كما كان له الدور الابرز في رابطة الفن التشكيلي بعد ان كانت رابطة الادب هي المهيمنة. كما قدم رؤية فنية واقعية نقدية في التشكيل العراقي بعد ان كانت النقود تقتصرعلى الانطباعات الصحفية.

هل تكون الثقافة جزءا من الحلول

في حين اشار الناقد "علي الفواز" الى ان استعادة جبرا ثقافيا وانسانيا هي استعادة لوعي ثقافي عميق، ولاثر مهم من فعلنا الثقافي، ظلت روائحه عالقة على اوراقنا. استعادة جبرا الروائي والشاعروالناقد والترجمي والفنان. استعادة لجماليات نرجو ان لا تكون غائرة وبعيدة. اذ ان جبرا الجامع للنص والسعادات كان يمنحنا دائما الاحساس بضرورة ان تكون الثقافة جزءا من الحلول. وجبرا كان مثقفا شموليا وكونيا، ويمتلك ابعادا عميقة عن مفاهيم الثقافة عموما. ويبدو ان ثقافته تعمقت من خلال وجوده للدراسة في لندن، حيث امتلك وعيا اضافيا عن ماهية الثقافة ودورها. وبحكم اطلاعه على تجارب الغير تأثر كثيرا بالشعراء الرومانسيين في العالم. وحين جاء العراق عاش قريبا من كل التجارب التي بدأت تتشكل في الثقافة العراقية. كان يفصل بين السياسة والثقافة والفن. وكان قريبا جدا من السياب وشعره وريادته. كما فهم بعمق دورالسياب في استثمار الاسطورة في الشعرالعراقي وكتب عنها كثيرا.

المثقف الفاعل والشمولي

واضاف الفواز: كان من ابرز النقاد في الادب والفن واتى بطروحات ثقافية جديدة على الوسط الثقافي العراقي. وقد كتب جبرا مقدمة لديوان بلند الحيدري تحدث عن الريادة والشعر الحر. وهو واحد من الذين اسسوا للنقد العراقي والعربي، وصار نبراسا للنقاد الذين جاءوا من بعده. وكان يدعو النقاد الى ان يكونوا شموليين بالمعرفة وفاعلين في افكارهم وتطبيقاتهم النقدية. وجبرا كان عراقيا بالرغم من ولادته بفلسطين لان نتاجاته وابداعه الكبير كان في بغداد لاغيرها، وقد تأثركثيرا بالمكان (بغداد) واعطاه معنى آخر.

يوم بلا قراءة وكتابة يعد يوما ضائعا

وقال الكاتب شكيب كاظم سعودي:- ولد جبرا في بيت لحم عام 1920. وانتقل مع ابويه الى القدس،عام 1948 غادر الى العراق وظل فيه الى حد وفاته. ورغم انه قضى في العراق النصف الآخر من حياته لكن فلسطينيته كلهجة ظلت ملتصقة في حديثه. ودائما ينفي انه بطل رواياته كما يشير النقاد، في حين يقول انه يكتب بضمير المتكلم. ومع ذلك لا ينفي ان بعض اعماله تمثل جزءا من شخصيته. ويعتقد ان اليوم الذي لا يقرأ او يكتب فيه هو يوم ضائع. ولا يعرف لحياته معنى من غيرالكتابة، هذا الفن المعذب والجميل في آن. وحين يمرض جبرا يناجي ربه ان يطيل بعمره حتى ينجز ما بين يديه. وكان اخوف ما يخافه ان يئد الموت احلامه بانجاز مايسعى اليه في حقول المعرفة. كان طموحا في افكاره ومشاريعه الكبيرة. وحين توفيت زوجته تركت اثرا والما وفراغا واسعا في حياته. 

لانها كانت كما "الزا" بالنسبة للشاعر الفرنسي لوي اركون او سيمون لسارتر او غادة السمان لكنفاني. وكان القاص غازي العبادي من زواره الدائمين الى منزله. وله الحق ان يفخربمشروعه الثقافي في ترجمة اعمال شكسبيرالتي تعد الافضل من بين كل الترجمات السابقة، كترجمة خليل مطران وعبد القادر القط. 

استاذ الأدب الإنكليزي

ويضيف سعودي:- جبرا حين غادروطنه نحو دمشق شاءت المصادفة وجود وفد جامعي عراقي في دمشق يبغي التعاقد مع اصحاب الشهادات العليا، فالتقى جبرا برئيس الوفد الدكتورعبد العزيز الدوري ووقع معه العقد لتدريس الادب الانكليزي في كلية الآداب. هذا الفتى المقدسي الذي عاش في العراق، نحو نصف قرن ومات ودفن فيه، لم يقف الدارسون عنده الا لماما عند مشروعه الثقافي الذي استقطب الصفوة من شباب الادب واعني بها (مجلة العاملون في النفط). لكنها لم تدرس كما بقية المجلات في وقتها..

الكاتب المسرحي ليس مؤرخا

كما تحدث الفنان الدكتور "حسين علي هارف" عن فترة معرفته بجبرا مطلع الثمانينيات اثناء دراسته للماجستير. وقد زاره ثلاث مرات في منزله، وقدم له مساعدة كبيرة من المشورة والكتب التي افادته في دراسته الاكاديمية. وذكر مقولته الشهيرة (الكاتب المسرحي ليس مؤرخا بل انه يبحث عن المساحات التي لم يتطرق لها المورخ). كما صحح هارف معلومة عن فيلم الرسالة فقال لم يكتبه جبرا بل قام بترجمة الحوارات الاجنبية الى العربية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top