العشيرة...

آراء وأفكار 2019/09/07 07:52:20 م

العشيرة...

 د. لاهاي عبد الحسين

لم يحدث أنْ تعرضت العشيرة إلى هجمة وتسفيه أكثـر شراسة مما يحصل هذه الأيام حيث يظهر عتاة الفاسدين مالياً وإدارياً وأخلاقياً

ودعاة العنف والطائفية والتقسيم مؤطرين بأسماء عشائرهم كما في "الشمري" و"الفتلاوي" و"الجبوري"، وغيرهم. وزاد في هذه الظاهرة بروز ما يسمى بـ "المودلز"، بألقاب عشائرية معروفة كالدليمي والعبيدي والعزاوي والمحمداوي والتميمي، إلخ، وهن يترنحن بثيابهن الفاضحة. ويظهر هذا في الوقت الذي يباهي فيه البعض بقيامه بمساعدة الدولة والتخفيف من أعبائها عن طريق المشاركة بتسوية جرائم القتل والإعتداء على الأموال والحرمات بالمصالحة ودفع الديات والفصل العشائري.

وتنقل وكالات الأنباء والمصادر الإعلامية بين فترة وأخرى أخباراً عن مصادمات عشائرية تستخدم فيها مختلف الأسلحة الخفيفة والثقيلة على السواء في الغالب على قضايا كان يمكن أنْ تحل بالتفاهم واللقاءات الأخوية والحوار المتبادل. وفات أمثال هؤلاء معرفة الناس بالتركيبة الطبقية للعشيرة التي تترك جل جمهورها نهباً للفقر والعوز بدلالة شمول الغالبية منهم وخاصة الذين يقيمون في المناطق الريفية أو المناطق الشعبية الأكثر فقراً بقانون الرعاية الاجتماعية. هذا مع العلم بأنّ دائرة الرعاية الاجتماعية التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية لا تشمل الا نسبة ضيلة منهم بحكم محدودية الموارد المالية المخصصة لها. ويشكو رجال الجيش والشرطة من تدخل العشائر والحيلولة دون تطبيق القانون على المخالفين والمتجاوزين عليه في ميادين تشكل خطراً مباشراً على بنية المجتمع كما في حماية تجار المخدرات والمتورطين فيها مما يقف حائلاً دون قيامهم بواجباتهم بالشكل المطلوب ويعرضهم لإنتقادات حادة من قبل المواطنين أصحاب المصلحة. وهذا ما أكد عليه تقرير صادر عن مكتب الجريمة والمخدرات التابع للأمم المتحدة في بغداد أكد فيه أنّ العشائر تحمي الجريمة المنظمة وتشجع على تداول المخدرات وتمريرها إلى دول الخليج العربي والعراق. 

تاريخياً، تلاعبت القوى المهيمنة على العراق بالعشائر لغرض كسب ولائها والمساعدة على بسط نفوذها. يذكر التاريخ الحديث أنّ قوى الإحتلال البريطاني اخترقت العشائر العراقية لإستمالتها فكان أنْ نجحت مع بعضها وفشلت مع بعضها الآخر. وحل البريطانيون هذا الإشكال من خلال تشريع "قانون العشائر"، ليعمل بصورة رسمية إلى جانب القانون الوضعي الحديث الذي سنّ في البلاد. وفعلت قوات الإحتلال الأمريكي الشيئ ذاته بعد 2003 من خلال محاولة التنسيق مع شيوخ العشائر. بيد أنّها سرعان ما أصطدمت بالبعبع الذي تهيأت للتفاهم معه حيث وجدت أنّ للعشائر أهداف وتصورات متباينة تبعاً لإنتماءاتها الدينية والمذهبية والعرقية والمناطقية. فكان على هذه القوات أنْ تفهم أنّ لعشائر الجنوب سياسة وتصور ووجهة نظر تختلف عن مثيلاتها في مناطق الوسط والغرب والشمال. وكان لهذا أنْ ساهم بإعاقة العمل على تأسيس هوية وطنية جامعة وساهم بخلق حالة من الفوضى تسببت بكوارث إنسانية باهضة الثمن. 

تعرضت العشيرة إلى الإنهيار بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي لعام 1959 الذي أدى من بين ما أدى إليه إلى انهيار سلطة شيوخ العشائر من الإقطاعيين الكبار ممن كانوا يبسطون سيطرتهم على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ويتمتعون بسلطات كبيرة على أتباعهم من رجال العشيرة. لم يساهم القانون المذكور بتفتيت ملكية الأراضي الزراعية فحسب بل كان لعدم توفر وسائل الدعم للفلاحين المعدمين أنْ شجع على هجرة الأرض والنزول إلى المدينة بحثاً عن فرصة للعيش والعمل في بيئة حضرية مثل مدينة بغداد. فكان أنْ صار هؤلاء المهاجرين عبئاً عليها ساهم بخلق الكثير من المشاكل الاجتماعية حتى تمكنت الدولة من توطينهم ودمجهم في مجتمع المدينة من خلال توزيع الأراضي والتعليم والعمل بمؤسساتها الرسمية. ولكن العشيرة شهدت مرحلة من الإنتعاش بعد تآكل سلطة النظام السابق على المجتمع خلال الحرب العراقية الإيرانية وإتساع ظاهرة الهروب من الخدمة العسكرية. فكان أنْ أتبعت سياسة "تصنيع الشيوخ"، من خلال مد بعض رجال العشائر بالسلطة والمال للمساعدة على رصد الهاربين من الخدمة العسكرية وملاحقة غير الموالين للنظام. وساهمت تلك السياسة بتوفير قنوات للتعاون والولاء للنظام إلا إنّ كثرة الشيوخ المصنعين سرعان ما ساهمت بمزيد من الزعزعة للبنية العشائرية نتيجة تزايد أعداد هؤلاء وصعوبة السيطرة عليهم لضمان ولائهم وتصادم صلاحياتهم مع صلاحيات الشيوخ الذين يعتبرون أنفسهم أكثر شرعية منهم تبعاً للأعراف العشائرية السائدة. 

فردياً، أعطت المواجهة "الأفتراضية"، على مواقع التواصل الاجتماعي بين النائب فائق الشيخ علي والسيدة حنان الفتلاوي، مستشارة السيد رئيس مجلس الوزراء لشؤون المرأة نموذجاً للشراسة والتسفيه الذي تقحم فيه العشيرة. فقد رفعت الفتلاوي شكوى قضائية إلى محكمة تحقيق الرصافة ببغداد بتاريخ 29 آب 2019 ضد الشيخ علي بتهمة "القذف والتشهير بكلام غير لائق ... تسبب بإحداث ضرر أدبي ومعنوي"ـ بيد أنّها أستنفرت عشيرتها في اليوم التالي الموافق 30 آب 2019 لإصدار بيان تلاه رئيس عشائر آل فتلة المهناوية السيد نبيل الصكبان وصف فيه تصريحات النائب المذكور بأنّه "تناول بكلام بذئ شرف المرأة العراقية". أختتم البيان بالقول "لن نسكت ولن نسمح بمرور التعدي على شرف العراقيات بهذه الطريقة الفجة". وكانت السيدة الفتلاوي قد غرمت السيد بليغ أبو كلل المتحدث بإسم كتلة المواطن التابعة للمجلس الأعلى مبلغ مائة مليون دينار عراقي كجزء من الفصل العشائري الذي فرضته عليه بدعم من عشيرتها رداً على تصادمه معها في برامج تلفزيونية.

تقليدياً، لم تكن العشيرة إلا جزءاً من بنية اجتماعية يلوذ بها الأفراد طلباً للمعونة والمساعدة لضمان العيش الكريم من خلال مكافحة الفقر وسد الحاجات الأساسية وبخاصة في ظروف التفكك والكوارث الطبيعية وغير الطبيعية ومنها حالات الإنهيار العام في المجتمع في أعقاب الحرب أو تغير في النظام السياسي. تؤدي العشيرة دورها على هذا الصعيد كجزء من واجباتها الأدبية والأخلاقية المجردة. إلا إنّ العشيرة فشلت في اختبار القدرة على التحمل والمطاولة في ظل الظروف المتغيرة بعد الحرب وانهيار سلطة الدولة مما كشف عن تخلف في القدرة على التطور والمساهمة بتأسيس مجتمع متطور ومتضامن. على العكس، ظهرت العشيرة عقبة كأداء أمام أي تغير اجتماعي مرغوب فيه من خلال إصرارها على السماح بممارسات قهرية تصادر حق الإنسان المستضعف في الحرية والكرامة. على هذا الصعيد، نقلت وسائل التواصل الاجتماعي خبر اقتياد 51 امرأة من بينهن قاصرات كجزء من حالة "فصل عشائري" لتسوية نزاع بين عشيرتين متنازعتين تقيمان في أطراف محافظة البصرة. ويبدو أنّ الأمر لن يتوقف عند هذا الحد. فالعشيرة لا تتردد في أنْ تفاجأ العراقيين بين فترة وأخرى بالعودة إلى ممارسات اجتماعية لم يعد كثيرون يتعرفون عليها ومنها ما حدث في باحة مدينة الطب ببغداد قبل أسابيع من قبل عشيرة أقامت ما يسمى بـ "العراضة"، وهي ممارسة جماعية يهدف من خلالها إلى التعبير عن الدعم والموالاة لأحد رجالاتها مع كل ما يمتزج بذلك من ميل إلى التباهي والتفاخر المجرد والتهديد المبطن لمن يمكن أنْ يتهم بالتقصير في رعاية الشيخ والعناية بصحته. بدت هذه الممارسة غريبة وناتئة في زمن يتطلب دأباً وعملاً وجهداً لمواجهة حالة تقرب من الإنهيار على مستوى تقديم الخدمات وتيسيرها للمواطنين. لا يخفى على أحد أنّ عودة العشيرة كبنية اجتماعية والعشائرية كثقافة تقوم على العرف وغير الثابت من القيم والمعايير بإستثناء ما يخدم اللحظة الراهنة والمصلحة الذاتية المتضادة مع الوطنية والمسؤولية الاجتماعية إنّما هو تعبير جلي للنظام القائم على قواعد الإنقسام الديني والمذهبي والعرقي. نظام لا يمكن أنْ يؤدي إلى بناء دولة القانون والمواطنة التي تشمل الجميع بخيرها وعزها. وهذا ما يحتم العمل على تفكيك العشائرية من خلال تمتين مؤسسات الدولة وتمكينها لتؤدي واجباتها بدون تدخلات معطلة وغير منتجة. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top