المتمردون..عندما تكون الشمس أحياناً مظلمة !!  -  الحلقة 15

المتمردون..عندما تكون الشمس أحياناً مظلمة !! - الحلقة 15

 علــي حســـين

أعلم أن هناك شيئاً في العالم ، له معنى .. ذلك هو الإنسان - ألبير كامو 

في الساعة الثانية عشرة والربع ظهراً من يوم الاثنين الرابع من كانون الثاني عام 1960

اصطدمت سيارة مسرعة بإحدى أشجار البلوط الضخمة في الطريق المؤدي الى جنوب العاصمة الفرنسية باريس ، وعندما هرعت الشرطة وجدت السيارة محطمة وبداخلها امرأتين في حالة إغماءمصابتين بجروح طفيفة ، فيما السائق يعاني من إصابات خطيرة وسيلفظ أنفاسه بعد أربعة أيام في المستشفى .

الشخص الرابع كان مصاب بجرح في رقبته ويبدو إنه مات بعد الحادث مباشرة ، تبدو على وجهه علامات السؤال والدهشة وحين فتّشت الشرطة في جيب معطفة وجدت بطاقته الشخصية مكتوب فيها : ألبير لوسيان كامو .. مواليد 7 تشرين الثاني عام 1913 في موندوفي – الجزائر .. ، مع تذكرة قطار كان كامو قد قطعها للسفر بالقطار ، لكنه في اللحظة الأخيرة قرر أن يترك القطار ويسافر بالسيارة مع صديقه الناشر ميشيل غاليمار ، ولم يكن ضابط الشرطة الذي أعلن خبر حادث السير أن محطات الإذاعة والتلفزيون في العالم ستقطع أخبارها لتذيع خبر وفاة الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب ، وإن الرئيس الفرنسي شارل ديغول سيسارع بإرسال برقية تعزية الى عائلة الراحل يكتب فيها :" لقد فقدت فرنسا الكاتب الذي كان شديد التعلق ببلده . فرنسا ، وناضل من أجل أن تحظى بمكانتها الحقيقية بين الأمم " .

في "أسطورة سيزيف" ، يبحث ألبير كامو عن إجابته على السؤال الموروث من كيركيجارد ودوستوفيسكي ونيتشه ، وهو: هل يستطيع المرء أن يعيش بدون الله ، وبدون أمل في الخلاص في وجه الموت؟ سيجد كامو الجواب في إجابة سنتياغو في الشيخ والبحر لأرنست همنغواي :" من الممكن تدمير الإنسان ، ولكن ليس من الممكن قهره " ، كان كامو قد قرأ الشيخ والبحر وأذهله إصرار العجوز على مواجهة المستحيل .. يكتب في رسالة الى همنغواي :" هل يمكننا أن ندرس الإنسان من دون أن يزداد إيماننا وأملنا في الخلاص ، تلك الأشياء يحتاجها كل واحد منا في سفره خلال مصاعب الحياة ؟ دعنا نرى إذن أي إلهام يمكننا أن نستوحيه من الموت " ..يقتبس كامو من نيتشه: "ما يهم ليس الحياة الأبدية ، إنه الحيوية الأبدية. يتعلق الأمر بمصير الإنسان المتمرد في محاولة استخراج شيء من لا شيء ، لإنقاذ حياته من خلال الموت نفسه " .

عاش طفولة فقيرة جداً ، ولِد في السابع من تشرين الثاني عام 1913 في مدينة القسطنطينية بالجزائر ، أبوه لوسيان كامو من أصول فرنسية ، يعمل أجيراً في إحدى المزارع ، لم يمضِ عام على مولده حتى تندلع الحرب العالمية الأولى ، وسيسافر والده الى فرنسا لتأدية الخدمة العسكرية ، لكنه سيموت في الأشهر الأولى من الحرب ، والدته " كاترين سانتيز " من أصول إسبانية ، نصف صمّاء لا تعرف القراءة والكتابة حيث ستنشأ بينهما علاقة خاصة يصفها لنا في روايته الطاعون ::" كان يعرف ما تفكر فيه أمّه ، وبأنها في هذه اللحظة ، تحبه .ولكنه كان يعرف أيضاً ، بأن حب شخص ما ليس شيئاً مهماً ، أو على الأقل بأن الحب ليس قوياً بما يكفي ليجد تعبيره الخاص . وهكذا فإنه وأمّه سيحبان بعضهما في صمت وستموت بدورها ، أو سيموت هو ، دون أن يكونا قد تمكنا طيلة حياتهما ، من الذهاب بعيداً في التعبير عن حنانهما " ..

لم ينسَ كامو عالمه الفقير هذا ، وقرر أن يجعل من أبطاله يتمردون على واقعهم :" ثمة وحشة في الفقر ، لكنها وحشة تعطي لكل شيء ثمنه الحقيقي " ..وظل كامو يؤمن بأن الفقر يعمل على تكوين الإنسان ، وفي مقدمة أول كتبه الخطً والصواب الذي نشر عام 1937 يكتب :" الفقر حال بيني وبين الإيمان بأن كل شيء يسير على ما يرام تحت الشمس وفي التاريخ ، والشمس علمتني بأن التاريخ ليس كل شيء . نعم علينا أن نغير الحياة ، لكن ، ليس علينا أن نغير العالم الذي أقدسه " 

بعد وفاة الأب تقررالعائلة أن تغادر مدينة مندوفي التي ولِد فيها كامو الى العاصمة الجزائر لتعيش مع أهل زوجها في غرفة صغيرة سيتقاسمها مع والدته وشقيقه الأكبر وجدته قاسية الطبع ، وعمه الذي يعاني من شلل في الأطراف . وسيكتب كامو في كتابه لعبة الأوراق والنور عن حياته هذه :" لقد نشأت في البحر ، وبدا الفقر لي شيئاً رائعاً ، وفيما بعد ، عندما أضعت البحر ، بدت لي ضروب الترف كلها شهباء كالحة . وبؤساً لايطاق . " سيشغله الفقر والحرمان في البحث عن معنى العدالة الاجتماعية ، يكتب فيما بعد :" لا مراء في أن ما يبدو لي إنه معنى الحياة الحقيقي ، إنما لمسته في حياة الفقر هذه ، بين هؤلاء الأناس المتواضعين منهم أو المزهوّين" .

التحق بالمدرسة الابتدائية سنة 1919 ، ليحصل عام 1924 على شهادة الابتدائية ، في تلك السن كان الخيار أن يترك المدرسة للمساعدة في إعالة عائلته ، إلا أن مدرِّسه " لوسيان جرمان " سيُقنع الأم أن مستقبل ابنها في الدراسة ، وبسبب تفوقه يحصل على منحة دراسية في مدرسة "الليسيه" ، والتي كانت الدراسة تقتصر فيها على أبناء الأثرياء .. في المكتبة المدرسية يعثر على كتب ستترك تأثيرها الكبير عليه ، وسيقرأ بلزاك وفاليري وبروست ، بعدها يلتحق بجامعة الجزائر طالباً للفلسفة ..حيث سيقدم بحثاً عن تأثير أفلوطين على والقديس أوغسطين للحصول على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة ، وسيتعرف على فلسفة أبيقور وتشغله تساؤلات كيركجارد عن الوجود ..وقد وجد أن حقيقة الوجود في نظر هذا الفيلسوف الدنماركي في اصطدامها بالتناقضات والألم ، والقلق الناجم عن الحرية وأخطاء الإنسان ، فالعبث يحدّد المسافة التي تفصل بين الشخص باعتباره ذاتاً وبين المنطق الذي يعتبر بمثابة محاولة لخلق نظام عقلاني . 

في تلك السنوات سيجد كامو نفسه في مواجهة سؤال عن مغزى رحلة الإنسان في هذا العالم ، وهو السؤال الذي كان يشغل معظم شباب أوروبا دون أن يجدوا له أجوبة ، لكن كامو ومعه بعض المهتمين بفلسفة الوجود أصروا على أهمية العثور على جواب لسؤال : ما الغاية من الحياة ؟ .. لقد كان معظم الذين يطرحون هذه الأسئلة متأثرين بفلسفة نيتشه وبأعمال الروائي الروسي دوستويفسكي ، وقد تلقفوا كتاب أوسفالد شبينغلر " تدهور الحضارة الغربية " بإعجاب شديد ..وقد كان السؤال الذي يشغل كامو الشاب كيف يمكن الوقوف بوجه العدمية هذه ؟ .. ولهذا نجده عام 1934 يلتحق بالحزب الشيوعي الفرنسي إلا أن إقامته في الحزب لم تكن طويلة فبعد عامين وبالضبط في آذار عام 1936 يقدم استقالته بسبب موقف الحزب من الجزائريين العرب ، فقد اعترض كامو على هذا الموقف الذي يؤيد الاستعمار الفرنسي للجزائر يكتب في دفتر يومياته :" إن السؤال بجملته هو هذا : من أجل عدالة مثالية ، أيجوز لنا أن نؤمن بالسخافات " ... وسيظل كامو على موقفه المخلص للجزائريين العرب ، الذين كان يعتبر نفسه واحداً منهم .

بعد التخرج من الجامعة اتّجه للمسرح ، فأنشأ عام 1935 مسرح العمل وقد أعدّ للمسرح عدداً من الأعمال كان أبرزها قراءة لبروميثوس وأسخيلوس ومقاطع من الإخوة كارامازوف لدستويفسكي . وما ان نشبت الحرب حتى تطوّع للخدمة العسكرية ، لكنه أعفي من الخدمة لأسباب تتعلق بحالته الصحية . عام 1940 سافر للسكن في باريس وبعد عام أصبح عضواً في الحزب الشيوعي الفرنسي ، لكنه سرعان ما اختلف معه حول قضية الجزائر فترك الحزب ، في باريس أكمل دراسته العليا في الفلسفة وكانت أطروحة تخرجه عن العلاقة بين الفلسفة اليونانية والفلسفة المسيحية ، عام 1942 ينضم للمقاومة الفرنسية ضد الاحتلال الألماني ويتولّى إدارة تحرير جريدة المقاومة "كومبا" والتي استمر العمل بها بعد نهاية الحرب ، في تلك الفترة نشر كتابه الشهير "أسطورة سيزيف" ، والذي قدّم فيه للمرّة الأولى مفهوماً فلسفياً للعبث ، بعدها أصدر أعماله الكبرى: الغريب والطاعون ومسرحيته الشهيرة "سوء تفاهم" ، ثم السقطة والمنفى والملكوت وكتابه الشهير "الإنسان المتمرد" ، في أواخر عام 1957 منح جائزة نوبل للآداب وكان في الرابعة والأربعين من عمره ، ويعد أصغر الحاصلين على الجائزة .

************

أو ربما كان ذلك بالأمس ، لا أدري على وجه التحديد ، تلقيت برقية من البيت مؤداها ( أمك ماتت .. الجنازة غداً ) ولا يعني هذا أي شيء ، إذ ربما كان ذلك بالأمس " ، يقرر أن يذهب لدفنها وهو حزين ، لكن بلا شعور بالاهتمام ، ثم يعود الى المدينة ليقابل الفتاة التي يحبها ، ويذهب معها الى السينما ، ثم يذهب مع صديقه الى ساحل البحر ، فيُفاجأ ببعض الأشخاص يهددونهم بسكين ، يأخذ ميرسو من صديقه المسدس الذي يحمله خوفاً من أن يتورط بجريمة قتل ، ويفترق الصديقان ، لكن ميرسو يلتقي صدفة من جديد بأعداء صديقه ، ويشهر أحدهم سكيناً، ويشاهد لمعان نصل السكين في الشمس التي تضرب أشعتها عينيه ، فيخرج المسدس ويطلق رصاصة على حامل السكين . "صدفة سخيفة" هكذا يقول للقضاة عندما حاكموه ، وهو يشرح لهم كيف إنه ذهب لدفن أمّه ، ثم شاهد فيلماً سينمائياً والتقى بصديقته ، وأطلق الرصاص من دون سبب ، وتقرر المحكمة إنه يستحق الإعدام رغم تعاطف المحلفين معه . في اليوم التالي تصفق باريس للكاتب الجديد الذي يريد أن يقول إن مأساة الإنسان المعاصر تتلخص في عبث الحياة الذي نعيشه كل يوم ، رواية لا بداية لها ولا نهاية ، لكنها تعكس التحوّلات التي تجري على حياة الناس كل يوم .

" أما أنا فقد كنت أصغي وأسمع إنهم يرونني شخصاً ذكياً ، لكنني لم أكن أفهم جيداً كيف يمكن أن تصبح سمات شخص عادي تهماً فادحة " . تقول جيرمين بري في كتابها " ألبير كامو " : "ربما كان كامو يفكر في سارتر عندما خط هذه السطور من روايته الغريب ، غير إنها تنطبق عليه شخصياً ، كأنه كان يتنبأ بما سيقدمه للناس " .

بعد عام على صدور "الغريب" يكتب سارتر في الأعداد الأولى من مجلة الأزمنة الحديثة :" ليست الجريمة الحقيقية هي ما يحاكم ميرسو عليه ، بل هي جريمة أخرى سيفهمها فهماً تاماً في النهاية، عندما يدرك مستوى جديداً من الوعي ، إن رواية الغريب عمل كلاسيكي منهجي مؤلف عن العبث وضد العبث " . قبل ذلك كان سارتر قد قرأ "أسطورة سيزيف" وهو يعد مسودات كتابه الكبير "الوجود والعدم" فيقرر أن ينشر مقالاً مطولاً عن كامو وسيزيفه فيكتب :"العبث ليس كامناً في الإنسان ولا في العالم إذا ما فكرنا في كل منهما بمعزل عن الآخر ، ولكن حيث إن الخاصية المهيمنة للإنسان هي الوجود في العالم ، فإن العبث في النهاية جزء لا انفصال له عن الظرف البشري ، ومن ثم لنقل بادئ ذي بدء إن العبث ليس موضوع فكرة مجردة ، وإنما يتكشّف لنا في استنارة باعثة على الحزن ، الاستيقاظ والتنقل بالسيارة وأربع ساعات عمل وغداء ونوم والاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس والجمعة والسبت على النمط نفسه ، ثم فجأة ينهار المشهد ونجد أنفسنا في حالة من وضوح الفكر العضال" . يكتشف سارتر في الغريب وأسطورة سيزيف نمطاً جديداً من الكتابة يستلهم الوجودية لكنه يخلطها بالعبث ، فيما بعد بسنوات يقول سارتر:"الشعور بالعبث يسطع وجه الإنسان عند أية زاوية من زوايا الطريق" ونجد في صفحات أسطورة سيزيف كلمات قريبة مما قاله بطل الغثيان ، وإذا قلبنا الصفحة الأولى من كتاب كامو سنجد اسم رواية سارتر يشار إليه بشكل واضح :" هذا الغثيان كما يسميه كاتب من كتاب اليوم هو أيضاً العبث ."

سيتذكر ألبير كامو عام 1951 أستاذه في قسم الفلسفة " جان جرينيه " فيهدي له كتابه " الإنسان المتمرد " حيث يذكره بدروسه التي تعلمها منه عن قيمة الحياة ، وسيكتب في مقدمة الكتاب قد يكون من الخطأ أن نظن أن الحياة هي اختيار مستمر ، وسيؤكد كامو أن التمرد له مكانة في حياة الانسان تعادل مكانة العقل التي أكد عليها ديكارت :" أنا افكر إذن أنا موجود " ، ولهذا فأنا اليوم متمرد إذن أنا موجود ..كان كامو في تلك الفترة يحاول مهاجمة فكرتين ترسختا في اليسار السياسي ، الأولى تتمثل في العقيدة المأخوذة عن هيغل والمتمثلة والقائلة بحتمية التاريخ والثانية تتمثل في طبيعة المواقف السياسية في فرنسا والتي تقول : كل شيء أو لاشيء ..كان كامو يريد تفحص فكرة التمرد ، كما تفحص من قبل فكرة العبث .. يبدأ كامو في المتمرد بدراسة الصراع الإنساني بين السيد والعبد ، تلك المشكلة التي تناولها من قبل ماركس وهيغل ، وقد نظر هيغل الى هذه المشكلة من حيث استلاب السيد لحقوق العبد ، السيد هو الذي ينفي ذات العبد ، وينظر اليه كشيء من الأشياء ، فالسيد يعي ذاته كذات ، بينما هو يعي العبد كشيء حي 

إن السيد بواسطة العبد يمكن أن يستمتع بالعالم والأشياء ، وهو يحقق ذاته على نحو أفضل . أما العبد ، فهو ذلك الإنسان الذي لا يعرف إلا مقاومة الأشياء لرغباته ، وتكون مهمة العبد هي شغل المادة وتطويعها ، ووظيفته خدمة السيد ، الذي يمتلك المادة ويستهلكها من خلال العبد ، وقيمة العالم ، بالنسبة للعبد ، هي في عملية الإنتاج التي يقوم بها من أجل السيد .. فيما ذكر ماركس أن الصراع بين السيد والعبد ، هو صراع اقتصادي على أساس الثورة والعمل ، وهو أيضاً صراع اجتماعي بين الطبقات ، السادة الأغنياء ، الذين يمتلكون رأس المال ، أما الفقراء" العبيد " فهم لا يملكون شيئاً 

أما ألبير كامو ، فإنه يطرح هذه المشكلة على مستوى الوجود ، وبالتحديد على مستوى الوجود الإنساني ، العبد حين يتمرد ، إنما يطالب بأن يكون كل شيء أو لاشيء ، أي إنه إما يحقق حريته ، أو يموت مقهوراً بقوة الأسياد ولهذا يكتب :" خير للإنسان أن يموت واقفاً ، من أن يحيا خاضعاً ، جاثياً على ركبتيه ، وفي تجربة التمرد يكتشف العبد معنى القيمة في الوجود ، لأن القيمة هي ما ينبغي أن يرغب فيه الإنسان ، والحرية هي القيمة الإنسانية العليا ، ولذلك ، فالإنسان يثور على الكذب ، كما يثور على القهر والعبودية ، وكامو يؤكد إن التمرد لا يعبر عن أنانية فردية ، وإنما عن مشاركة طبيعية للآخرين ، وبعبارة أخرى الانسان في تجربة التمرد يتجاوز ذاته في الآخرين ، وبالتالي فإن هذه المشاركة الإنسانية هي مشاركة وجودية ، وفي التمرد تكون مشاركة للذين فقدوا حريتهم ، والمكبلين في الأغلال

*********

كنت آنذاك مثل كامو في الخمسين .. لم أكن افهم أن الحرب نتيجة مترتبة على صراعات داخل المجتمهات البرجوازية 

جان بول سارتر

كتاب "الإنسان المتمرد" اعتبره البعض إسهاماً بارزاً في النظرة المناهضة للماركسية ، واعتبره آخرون فهماً جديداً للفكر اليساري يتصف بالحيوية والنقاء ، وكان من أهمية هذا الكتاب إنه أثار هجوماً عنيفاً من قبل مجلة "الأزمنة الحديثة"، وأصبح سبباً في القطيعة الشهيرة مع سارتر .

كان الخلاف بين المعلم والتلميذ حديث باريس ، فقد ندّد كامو في المتمرد بالاستبداد الستاليني ، وهاجم سارتر على نحو خفي لتعاطفه مع الحملة الستالينية ، وكما رأى كامو فإن المتمرد لديه عقل مستقل في حين أن الثوري هو شخص تسلطي يعقلن القتل دائماً ، وقد حاول كامو أن يبرهن إن العنف دائماً غير مبرر حتى إذا كان وسيلة لغاية .

في اجتماعات هيئة تحرير "الأزمنة الحديثة" تجري مناقشات حامية حول المتمرد ، من منهم سيكتب نقداً عنه ؟ أخيراً وقع الاختيار على فرانسيس جانسون الذي كتب مقالة نقدية قاسية أكثر مما طلب منه سارتر أن تكون ، لكنه كرئيس تحرير للمجلة مررها دون أية إضافات أو تعديل .

شعر كامو بالخيانة وفي الرد الذي بعثه الى المجلة يعبر عن غضبه أزاء ما اعتبره تشويهاً فاضحاً ومنافياً للذوق لكل ماجاء في كتابه "الانسان المتمرد" ، ورغم أن سارتر لم يكتب شيئاً ضد الكتاب ، إلا أن كامو ظل يعتقد أن محرر المجلة كتب المقال بوحي من سارتر: "أخيراً لا أحد سوى صحيفتكم سيراوده التفكير في الطعن في الدعوى بأنه اذا كان ثمة تطور قد حدث من رواية الغريب الى الطاعون ، فإن هذا التطور مضى في طريق الإنسان المتمرد ، لكنكم تريدون أن تثبتوا للأسف إنني في هذا الكتاب منفصل عن الواقع والتاريخ " . والمقال الذي نشر في 17 صفحة يغمز فيه كامو من قناة سارتر ويحاول أن يصور للقارئ أن كاتب مقال الهجوم على "الإنسان المتمرد" هو سارتر لاغيره .

لم يسكت سارتر أمام هذا الهجوم الشديد ، فأراد أن يقدم درساً قاسياً لتلميذه فيكتب مقالاً مطولاً في الأزمنة الحديثة :"من المؤسف أن تضعني عن عمد أمام محكمة وبمثل هذه اللهجة القبيحة ، بحيث أصبحت عاجزاً عن التزام الصمت من دون أن أفقد ماء وجهي ، لذلك سوف أجيبك من دون غضب ، ولكن في إسهاب لأول مرة منذ عرفتك . إن جمعك بين تصورات كئيبة وموقف هش حال دائماً بينك وبين الناس ، وإطلاعك على الحقيقة من دون تجميل أو مواربة ، والنتيجة إنك أصبحت ضحية زهو أخرق ، يُخفي مشكلاتك التي تطوي عليها صدرك .. عاجلاً أم آجلاً سيخبرك أحدهم بهذا ، وربما من الأفضل أن أكون أنا ."

كانت رسالة كامو حادة ، فجاء رد سارتر موجعاً . تتذكر سيمون دي بوفوار أن انقطاع العلاقات بين سارتر وكامو كان أشبه بنهاية قصة حب ، وهي تعترف إنها انحازت الى سارتر وستكتب في قوة الاشياء : " كامو الذي كان عزيزاً عليّ لم يعد له وجود بالنسبة لي. "

منذ عام 1951 لم يتحدث سارتر ولا بوفوار مع كامو ، لكنهم كتبوا عنه يوم وفاته بحادث سيارة مقالين منفصلين كانا غاية في الرقة والوفاء لصديق سنوات الخوف والحرية والبهجة، كما وصفه سارتر في نعيه.

العبث لعبة الحياة

شرع كامو في كتابة مقال عن العبث منذ عام 1938 ، أما العمل النهائي الذي انتهى منه على شكل كتاب اسماه "أسطورة سيزيف" فقد أتمّه عام 1941 ونشره عام 1943 ، وفي الكتاب يركز كامو على مشكلة الحياة اليومية : "في هذا الكتاب سيتم وصف لعبة الحياة بدقة وتحديد أصولها وقواعدها " ، وهو يخبرنا بمقدمة الكتاب إن موضوعه يدور حول مرض معين أصيب به العصر ، معتبراً أن الحياة الإنسانية لايفهمها الإنسان : " الاعتراف بأن الحياة لامعقولة وإنها ، لكل واحد منا ، ذات قيمة لاتقدر ويزيد من قيمتها وعينا الحاد لرفضها أن تخضع للفهم الإنساني " . يستمر كامو بعد ذلك ليوضح معنى لفظة "العبث" من خلال تتبع سريع لأوضاع الناس اليومية فيقدم أمثلة من العبث شائعة الاستعمال :" يتفق أن يتهاوى حولنا ديكور حياتنا اليومية في حطام الرتابة :الاستيقاظ ، وسائط النقل ، أربع ساعات في المكتب أو المصنع ، وجبة أكل ، أربع ساعات أخرى من العمل ، الاثنين ، الثلاثاء ، الاربعاء ، الخميس ، الجمعة ، السبت، كلها في نفس الإيقاع ، والطريق يسهل لنا السير في معظم الوقت ، ولكن كلمة (لماذا) تظهر ذات يوم ، وإذا كل شيء يبدو متعباً ملوناً بالوحشة " . أوجه العبث هذه كلها تنتهي ليس بالموت بل باحتضارنا، وما من جهود يمكن تبريريها مسبقاً إزاء الرياضيات الدموية التي تنظم حالتنا " .. وسبل النجاة كلها مسدودة لأنها جميعاً وهمية ، فالأمل الذي تقدمه الأديان أو اللجوء الى تفسير ما عن طريق الفلسفة ، إن هو إلا إسقاط الانسان في عبثية الوجود ، ولعل خط الحياة السريع ، إننا نموت ونحن نعلم إننا نموت ، وهذا كل ما نعرف عن نصيبنا في الدنيا ، لكننا مرغمون على التفكير بلغة الحياة ، لأن الموت بالنسبة إلينا لامعنى له ، يقيننا الوحيد هو حياتنا ، فالمنطق يقتضي بأن نرفض رفضاً عنيفاً فكرة مهادنة الموت ، لأن حياتنا لامعنى لها فيما وراء ذاتها ، إن التمرد على الموت هو الموقف الوحيد الممكن للإنسان.

في نهاية أسطورة سيزيف يقول كامو :" إنني الآن أترك سيزيف عند الحضيض من جبله ، فالمرء دائماً يعود الى عبثه ، إلا أن سيزيف يعلمنا ذلك الضرب السامي من الولاء الذي لايعترف بالآلهة ويرفع الصخور ، الكفاح صعوداً الى القمة كفيل بان يملأ قلب الإنسان بالأمل ، فعلينا أن نتخيل أن سيزيف وهو يكافح صعوداً الى القمة مع علمه بأنه لن يبلغها ، قد يكون رمزاً للإنسانية جمعاء ، وعظمة سيزيف تتأتى من أنه لايستطيع أن يترك للصخرة البقاء في أسفل المنحدر.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top