عمارة  الجناح الوطني : الإضافة البرتغالية للحداثة

عمارة الجناح الوطني : الإضافة البرتغالية للحداثة

د. خالد السلطاني

معمار وأكاديمي

ما بين 22 أيار والى 30 ايلول من سنة 1998، نُظمّ في العاصمة البرتغالية لشبونة معرض دولي "اكسبو 98" Expo 98،

بمناسبة مرور 500 سنة على اكتشاف "فاسكو دا غاما" (1460 <أو1469> - 1524) Vasco da Gama الطريق البحري الذي يوصل أوروبا بالهند. وقد كان شعار اكسبو 98، هو "المحيطات تراث المستقبل"! وقد بلغت أعداد زوار المعرض، حينذاك، حوالي 11 مليون زائر. كما شارك حوالي 155 بلداً في الحدث التجاري والترفيهي العالمي المهم. وقد تم تخطيط وتشييد اجنحة المعرض وأمكنة الفعاليات في موقع كان في السابق مكاناً لرمي النفايات، في أرض قاحلة وخربة تطل على الساحل الاطلسي خارج حدود لشبونة. والآن، أمست تلك الأمكنة بمبانيها المميزة وسهولة الوصول اليها بواسطة وسائط النقل الحديثة والمتعددة، وكذلك عديد الفعاليات التى تجري فيها، فضلاً على المشاريع الكبرى التى نفذت في المكان، بضمنها جسر معلق ضخم، أٌعتبر الاطول في عموم أوروبا، من اجمل مناطق لشبونة والمكان الاثير للزيارة والاستمتاع من قبل كثر من سكنة العاصمة البرتغالية وزوارها. ومن ضمن الابنية الجديدة التي أنشئت على أرض المعرض، "جناح البرتغال الوطني" (1994 -98)، الذي أُعتبر الجناح الأهم الذي جرت فيه جميع الفعاليات الرسمية الخاصة بالمعرض وإدارته. أوكل تصميم عمارة "الجناح الوطني"، وقتها، الى "الفارو سيزا" (1933) Alvaro Siza - المعمار الاشهر في البرتغال الذي يتمتع بصيت عالمي وشهرة واسعة كرسها بحصوله سنة 1992 على جائزة "بريتزكر" المعمارية العالمية المرموقة. وقد جاءت عمارة الجناح البرتغالي بمثابة إضافة مميزة ومؤثرة في ذخيرة الحداثة المعمارية الأوروبية، التي ينسب "سيزا" نفسه إليها، وفقا لما يصرح به دائماً. وأود قبل الحديث عن أهمية تلك العمارة الفريدة التى اتسمت بها الحلول التصميمية لمبنى الجناح الوطني، أن اتحدث، ولو قليلاً، عن مقاربة "الفارو سيزا" المعمارية، هو الذي لا يرد اسمه كثيرا في سرديات الخطاب المهني العربي بشكل عام.

يمكن القول، بالاجمال، إن عمارة "الفارو سيزا" تتميز بكونها عمارة حصيفة، تسعى نحو رصانة مهنية عالية؛ وهي عمارة مشغولة بتروٍ وتفكر عميقين، وهي إضافة الى ذلك تُقرأ بكونها ملائمة جداً الى نوعية البيئة المحيطة بها والتى "تنبت" فيها. و"سيزا" معمار حداثي، من دون أدنى ريب. لكنه يصبو دوماً لقراءة (أو بالأحرى لإعادة قراءة) المنجز الحداثي الأوروبي، وفقاً لطريقته الخاصة، وتبعاً لذائقة جمالية معينة تربي عليها محلياً. إنه في هذا الجانب، ينزع لتكون عمارته اضافة واضحة ومميزة في المنتج الحداثي المعماري الأوروبي.

يولي "الفارو سيزا" أهمية مضافة الى دور "الرسم" وعمل التخطيطيات Sketches للمشاريع التى يصممها. وهو بهذه الطريقة وبموقفه هذا Attitude تجاه الرسم التخطيطي، يكاد يكون متفرداً عن الكثيرين من زملائه معماريي اليوم. وتبدو تخطيطاته التى يعملها بسرعة فائقة وباحترافية عالية معبرة جداً، ويقول عنها بأنها مصدر عون له في عملية إنضاج أفكاره التصميمية، والوصول بها الى مديات جد متقدمة من الكمال والكفاءة. وهو يشير الى أهمية الرسم ودوره في إعداد المشاريع، فيقول ".. أدرك الرسم بكونه لغة مستقلة بذاتها، وافهمه كنوع من التواصل وتبادل الأفكار، إنه بمثابة رسالة شفاهية مع الذات ومع الآخرين. وبالنسبة للمعمار ، هو مجرد "إداة من بين أدوات آخرى، يستخدمها للعمل، والتعلم والتخاطب وتغيير أشكال المشروع". ويعطي، في مكان آخر، تفسيره الخاص للعمارة ويعترف "من أن العمارة هي فن، وغالباً لا يتمكن كثر من الدنو منها ومن جوهر ماهيتها. إنها حافلة بقضايا عديدة. والحديث عنها بكونها فناً، أمسى نوعاً من "المحرمات": التابو Taboo، وأرى أن المنتج المعماري اليوم يثير ردة فعل سلبية. ولهذا فإني أشعر من الضروري عليّ أن أتوقف، وأمارس هوايتي في الرسم، كما إني مفتون بالنحت، واعرف بان المعمار "ريجارد مايير"، هو الآخر مشغول بالنحت مثله مثل بقية المعماريين الآخرين. فمن خلال النحت يمكن لهم ان يعبروا عن انفسهم بحرية اكثر بكثير من العمارة!". 

للمعمار "الفارو سيزا" مدونته المهنية الخاصة به، التي من خلالها يتوق للتعبير عن مهام العمارة التى ينتجها، العمارة المميزة والمفعمة بالنكه المحلية وتقاليد البرتغال البنائية. شخصياً أراه متأثراً كثيراً بعمارة "الفار آالتو" (1898 – 1976). ثمة مميزات وعناصر اجدها حاضرة في منتج هذا المعمار المجد، تحيلني مباشرة الى طبيعة نوعية العمارة "الآلتوية". ولا يجد "سيزا" غضاضة في ذلك، بل ويقر بانه أحد متابعي ومحبي مقاربة المعمار الفنلندي المشهور. وهو وإنْ أجرى "تناصاً" Intertextuality ابداعياً معه، فإنه يطمح لبعث رسالة محددة، مفادها أن تراث "الحداثة" لا يزال بالنسبة إليه وبالنسبة الى بعض المعماريين الآخرين يعتبر منبعاً ومرجعية، بغض النظر عن تباعد الأمكنة وتباين ثقافاتها، واختلاف الأزمنة وتغيير ذائقتها الجمالية. 

عندما كلف "الفارو سيزا" بعمل تصميم "الجناح الوطني البرتغالي"، في "اكسبو 98" سنة 1994، لم يكن وقتها المخطط العام للمعرض قد اكتمل. كما إنه لم يكن على دراية تامة عن طبيعة ونوعية المنشاءات التي ستجاور مبناه مستقبلاً. لكنه مع هذا سعى الى أن يكون موقع الجناح بالقرب من سطح مائي ضمن الموقع العام للمعرض. 

يتضمن الحل التصميمي"للجناح" الوطني على مفردتين اثنتين، جعل منهما "سيزا" عنصرين أساسين في المعالجة التكوينية – الفضائية لمبناه؛ وهما كتلة مبنية، ذات شكل هندسي منتظم، وساحة مفتوحة بجوار هذه الكتلة من الجهة الجنوبية. أتت المفردة المبنية بطابقين (مع طابق آخر، ثالث سرداب تحت الأرض)، وبابعاد قدرت بحوالي 70× 90 متراً. وتضمنت أحياز ذات وظائف متعددة (قاعات عرض، وغرف مكتبية وخدمية الخ)، وقد وزعت تلك الأحياز حول فناء وسطي مفتوح. ثمة ظلة (طارمة) مستوية، بجانب الواجهة الشرقية للكتلة المبنية، مرفوعة بواسطة أعمدة خرسانية دائرية الشكل وبارتفاع مزدوج Double height. وهناك داخل هذة الظلة، شرفة قصيرة عند مستوي الطابق الاول تمتد على طول الواجهة الشرقية. تم عمل فتحات لنوافذ باشكال هندسية منتظمة، رسمت على واجهات المبنى بتكرار ايقاعي منتظم. في حين خلت الساحة المجاورة (المفردة الثانية التكوينية للجناح) من أي بناء، عدا وجود رواقين Portico لمساند خرسانية وبارتفاع مزدوج، تحمل "غطاء" الساحة الخرساني. 

قد توحي نوعية المعالجة التصميمية الواضحة والمحتشمة لمفردتي عمارة الجناح، الى شغف "سيزا" واهتمامه الكبير في تفضيل أشكال هندسية بسيطة، واختيارها لهيئات كتل عناصر مبانيه المصممة. لكن ذلك يبقى محض "إيحاء". فما نراه في هذا التصميم، هو محاولة من المعمار لتذكيرنا "بأطروحة" آخرى، كان هو يسعى دوماً وراء تكريسها في تصاميمه المتنوعة، جاعلاً منها، أحياناً، عنواناً لنشاطه التصميمي، والتي يختصرها في جملة واحدة هي: "استدعاء الأضداد". بمعنى أن يحفل التكوين المبتدع على حالات من تضادات وتناقضات شكلية وكتلوية، مهمتها الاساسية تكمن في زيادة وقع تأثير العمارة المجترحة. فالكتلة المفردة الاولى المبنية في عمارة الجناح، لا تدرك لوحدها فقط سواء تكوينياً أم بصرياً؛ وإنما ترى ضمن مشهد بانورامي "لتجميع الاضداد". وهذا المشهد استطاع المعمار تحديده من خلال تثبيت أحد رواقي المساند الحاملة في أقصى الجنوب (الرواق الآخر ملاصق للمبنى)، جاعلاً فضاء الساحة الفسيحة يُقرأ وكأنه جزءاً لا يتجزأ من المشهد التكويني لعمارة الجناح ككل. لكن الأمر الأكثر إثارة وفتنة في عموم المعالجة التكوينية للجناح كمن في الأسلوب الفريد لتسقيف الساحة/ الميدان، التي قدرت أبعادها في 58× 65 متراً. إذ تمت تغطيتها بقشرة بسمك 20 سم مشغولة بالخرسانة مسبقة الجهد "مسلحة" بـحزمة من أسلاك "كابيلات" Cables مشدودة في أعلى الرواقين الساندين. وقد جعل المصمم سطح هذه القشرة يتدلى بانحناءة، تذكرنا بأشكال منظومة تركيبات الجسور المعلقة، مضفية على عمارة الجناح تأثيراً بصرياً على نحو لافت. وعندما اتيحت الفرصة لي بزيارة الجناح في لشبونة مؤخراً، احسست بهذا التأثير مضافاً إليه نفوذ وفعالية منظر "المشهد المائي" المؤطر الذي "ابدعته" سقيفة الميدان المتدلية مع عديد ركائزه الحاملة. كما اشتغل المعمار بجدارة واضحة على "صياغة" شكل هذين الرواقين الساندين للسقيفة. فثمة تسعة مساند عميقة محصورة في "صندوق" خرساني، وبأشكال هندسية منتظمة وموزعة بايقاع غير منتظم على امتداد عرض ذلك الصندوق "الرواقي"، والتي ثبتت "حدود" وأبعاد ذلك الميدان المدهش! 

وفي النتيجة، فنحن إزاء صنيع معماري، وإنْ اتسمت أشكال عناصره التصميمية على بساطة واضحة، إلا أن مداخلة المعمار المثابر، استطاعت أن ترتقي بتلك "البساطة" الشكلية الى اجتهاد تكويني، كفل بنقل عمارة الجناح من المستوي العادي الى مراحل جد عالية من الاثارة والتشويق. وبهذه المداخلة اللافتة التي تجسدت بالاساس في اختيار قرار تسقيف الميدان الخالي تماماً من اعمدة وسطية، واختيار شكله المتدلي، بالاضافة الى الركون عند اصطفاء رواق "صندوق" المساند العميقة المميزة، وتلوينها بألوان سراميكية حمراء/ قرمزية، وزرقاء، فضلاً على حضور الاضداد من خلال مجاورة حجم الكتلة المبنية، مع فضاء الميدان الملاصق، والعمل على تكريس ذلك المفهوم في أسلوب معالجات عناصر التصميم الأخرى؛ كل ذلك يجعل من عمارة الجناح الوطني ايقونة معمارية وبصرية ضمن منشآءات معرض "اكسبو 98" المختلفة، وأن تكون إحدى الاضافات البرتغالية اللافتة والمهمة في ذخيرة منتج الحداثة الأوروبية. 

< والمعمار "الفارو سيزا فييرا" Alvaro Siza Vieira ، ولد في مدينة صغيرة من أعمال "بورتو" Porto وانهي تعليمه المعماري في مدرسة الفنون الجميلة بجامعة بورتو سنة 1955. وغالبية مبانيه التى صممها موجودة في مدينته تلك، بضمنها بيت " بوا نوفا" للشاي (1963)، ومدرسة العمارة (1987 -93) ومتحف الفن الحديث (1997) وغير ذلك من المشاريع المتعددة. وقد كلفته حكومة الثورة (ثورة 25 نيسان 1974) في سنة 1977 باعداد تصاميم لـ 1200 شقة لذوي الدخل المحدود في المناطق الريفية النائية بالبرتغال. قام بتصميم مشاريع عديدة في كل من اسبانيا، والمانيا وهولندا وايطاليا والبرازيل وغيرها من الدول. عمل استاذا للعمارة في مدرسة العمارة بجامعة بورتو، كما انه عمل ايضا كاستاذ زائر في جامعة هارفارد، وجامعة بنسيلفانيا ومدرسة البولوتيكنك في لوزان. نال جوائز مهنية عديدة، فهو حائز على جائزة "البريتزكر" (1992) كما اشرنا، وكذلك جائزة "ميس فان رو، سنة 1988، والجائزة الامبراطورية اليابانية 1998، كما نال جائزة الاسد الذهبي من بينالي فينيسيا عام 2012 وغيرها من الجوائز. 

يعيش ويعمل في بورتو/ البرتغال>. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top