التعليم العالي... وقرارات مجلس الوزراء (5)

آراء وأفكار 2019/09/15 08:59:03 م

التعليم العالي... وقرارات مجلس الوزراء (5)

د. عبد الرزاق عبد الجليل العيسى*

خامساً: قرار مجلس الوزراء رقم 199 لسنة 2018

إن الدور الأساس لنمو وصلاح ورقي المجتمع ومؤسساته يعتمد على رصانة وسلامة أنظمة وتطبيقات قطاعي التربية والتعليم الأولي والعالي

بمختلف مستوياتهم وتخصصاتهم والأهتمام بهما سيكون انعكاسه على السلوك التربوي والثقافي لمختلف شرائح المجتمع. 

يواجه التعليم العالي تحديات كثيرة وكبيرة جداً بعضها مرئي ومحسوس لجميع المثقفين والمتعلمين والبعض الآخر منها لا يبدو ملموساً وظاهراً لكثيرين منهم وحتى لبعض المهتمين بشؤونه. إن تأثيرهذه التحديات على جودة مخرجات التعليم العالي غير مباشر وغير واضح للعيان وسببه مجموعة من العوامل المرتبطة بالبيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فضلاً عن مؤشرات النزاهة والإخلاص في جميع إدارات مؤسسات الدولة. لذا فإن عملية إصلاح وتقويم منظومة التعليم العالي لا يمكن أن تتم بمعزل عن منظومة التربية والتعليم مجتمعة وقد تمّ العمل على وضع ستراتيجية وطنية موحدة للتربية والتعليم العالي للأعوام 2011-2020 باعتبارهما قطاعاً واحداً ومهماً في عملية التنمية البشرية وبأهدافها المتنوعة وبضمنها اقتصاديات المعرفة. 

إن أحد عناصر النجاح لمهمة التعليم العالي هي ضمان جودة مدخلاته من الطلبة والذين هم من نتائج مخرجات تشكيلات وزارة التربية في مراحلها المختلفة. أما أهم ما يؤثر على هذه الجودة فهو التدريسي (المعلم أوالمدرس) والمناهج الدراسية وتوفر المباني والمستلزمات الدراسية فضلاً عن توفر البيئة المجتمعية الصالحة. ولكن المؤثر الأول والأساس في قيادة العملية التعليمية والمسؤول عن نجاحها هو التدريسي، فالجيد منهم ذلك الشخص المتمكن والقادر على توفير بيئة تعليمية تفاعلية للطلبة يراعى فيها قدراتهم واستعداداتهم ويستثمر عقولهم على نحو سليم وبذلك فهوالأساس في بناء قدرات طلابه المتكاملة في جميع مجالات التربية والثقافة والعلوم المختلفة ويمثل العقل المبدع والمحرك الأساس لإنجاز المهمة بنجاح. ولذا تعتبرعملية اختيار الطلبة الراغبين للعمل كتدريسين وتأهيلهم من المهام الأساسية في الإعداد لإصلاح منظومة التربية والتعليم وقد سبق وأن كتبت بالتفصيل عن أهمية هذه العملية في المقالة الموسومة "اصلاح عملية التربية والتعليم .... والارادة الوطنية" وفي المقالة الثانية " أعضــاء هيئــة التدريس ... وتأثيــــرهم في التنميــة". 

لقد أصاب النظام التعليمي العراقي عدة إخفاقات أدت الى تراجعه ومنها الآتي:

أولاً: غلق كليات التربية في بداية السبعينيات من القرن الماضي وإعادة فتحها بعد سنتين وحصر القبول فيها للمنتمين الى حزب البعث فقط بغض النظر عن مؤهلاتهم التربوية والعلمية والثقافية وهو خلاف ما يُعمل به في بلدان العالم المتقدم. علماً أن جامعة الدول العربية اقّرت اعتماد العمل بإجازة مهنة التعليم بمفهومها الذي يفيد بعدم السماح لممارسة مهنة التعليم إلا لمن يجتاز مجموعة من الاختبارات ضمن المحاور العلمية والنفسية والتربوية، والذي تم العمل بها في الكثير من الدول العربية.

ثانياً: إقرار تبعيث التعليم حيث تم إبعاد مجموعة من التدريسين، بادعاء الشك بولائهم للحزب وقياداته ضمن تقييم البعثيين والمسندة بتقاريرهم الى الجهات الأمنية، ومنعهم ممارسة التدريس وإحالتهم الى وظائف إدارية وهذا سبّب إبعاد الكثير من التربويين وذوي الخبرة العلمية العالية والسلوك التربوي الراقي والنزاهة الوطنية.

ثالثاً: تفشي الكثير من حالات واشكال الفساد المهني خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي الذي اقترن مع فترة الحروب والحصار الاقتصادي وضعف رواتب التدريسيين. وقد استمر هذا الحال لغاية التغيير في عام 2003 حيث اعتمدت الكثير من الخطط والممارسات الهادفة لتقويم وتأهيل قطاع التربية والتعليم ومن ضمنها إرسال بعض الملاكات التدريسية والإدارية في وزارة التربية الى خارج العراق لحضور دورات تدريبية وكذلك العمل على تغيير المناهج الدراسية وتجديد طباعة الكتب المدرسية وتأهيل أو بناء المدارس. 

ولكن الكثير من هذه الممارسات رافقتها مؤشرات سلبية وأدرجت معظمها ضمن ملفات الفساد المالي والإداري، يضاف لها ملف عشوائية تعيينات الملاكات التدريسية الجديدة وكذلك عدم اعتماد الضوابط لاختيار المؤهلين والمتميزين أو الاوائل من الخريجين على أسس لتحسين الاداء. كما أن إناطة إدارة وزارة التربية الى جهة حكومية تابعة الى حزب معين ووزارة التعليم العالي الى جهة تتبع حزباً آخر أدى الى عدم وجود التفاهم بين الوزارتين في إبداء الرأي الجاد وإتخاذ القرار الحاسم في الكثير من القضايا والأمور المشتركة فضلاً عن غياب التخطيط والعمل المثمر في الوزارتين وفي باقي مؤسسات الدولة.

ومن أجل إزالة تلك الأخفاقات التي ذكرناه أعلاه فقد باشرنا بطرح الكثير من الرؤى والمقترحات والتي كتبنا عنها في هذه المقالة وما سبقها من مقالاتنا وقد تم طرحها للمناقشة في هيئة الرأي واعتمدت بعضها ولكن بقي البعض الآخر منها يحتاج الى قرارات وإرادة سياسية ومن هذه المقترحات هو التالي: 

1 - إبعاد المؤسسات التربوية والتعليمية عن التجاذبات السياسية أو محاولة تسيسها ولا مانع من الانتماء الحزبي لأي من منتسبيها بشرط أن لا يُثقف أو يتحدث عن انتمائه في أروقة المؤسسة التعليمية التي يعمل فيها أو يستخدم مركز انتمائه لمصالح خاصة. 

2 - إبعاد ومنع الحديث عن كل ما يثير عناصر الاختلاف والفُرقة ونقد الآخرين في أروقة المؤسسات التربوية والتعليمية والاكاديمية واعتماد هذا الوقت للبرامج والنشاطات اللاصفية، الرياضية والثقافية وللمبادرات العلمية لتحفيز التميز والابتكار.

3 - اختيار القيادات في وزارتي التربية والتعليم العالي من النخب العلمية والتربوية المثقفة من منتسبي تشكيلاتها وممن تميزت انجازاتهم العلمية والعملية الإيجابية ولهم الخبرة الأكيدة والقدرة على التخطيط ورسم السياسات وتشخيص الأهداف واتخاذ القرارات والخطوات ضمن الستراتيجيات المرسومة والمقّرة والمصادق عليها من قبل جميع الأطراف المعنية والمستفيدة من تلك الستراتيجية.

4 - ضرورة إقرار دمج وزارتي التربية والتعليم العالي وتشكيل مجلس التربية والتعليم العالي ليكون المسؤول عن إعداد الخطط والستراتيجيات للتشكيل الجديد، واتخاذ القرارات المهمة ومتابعة تنفيذها وكما هو معمول به في الكثير من دول العالم. 

لقد فتحت آفاق الحوار والتعاون مع وزارة التربية في الأيام الأولى بعد استلامنا إدارة وزارة التعليم العالي لمناقشة الكثير من المحاور المشتركة التي نتجت عنها بعض القرارات الايجابية للوزارتين. ولكن حصل عدم التوافق بين الوزارتين بشأن مقترحنا لإلغاء نظام "تنويع التعليم" الذي تأكدنا من سلبيات اعتماده وتطبيقه في جميع مدارس العراق، وذلك من خلال إجراء دراسة معمقة لهذا النظام خلال فترة عملنا كمستشار للوزارة. 

لقد كان على وزارة التربية أن تعّد دراسة تكشف عن أسباب ضعف معظم كوادرها من التدريسيين ليتم الأخذ بها في مؤسسات وزارة التعليم العالي ومعالجتها من خلال تطوير برامج إعدادهم في تشكيلات الوزارة. إن أحد مؤشرات وزارة التعليم العالي عن سبب هذا التدني في الأداء هو ضعف الإمكانات العلمية والثقافية لدى تلك الكوادر والمقترنة مع ضعف معدلاتهم في الامتحانات الوزارية للمرحلة الإعدادية والذي أجبرهم للتقديم على الكليات التربوية والكليات الأخرى التي تستقبل تلك المعدلات الواطئة إضافةً الى أن خريجيها لا يتم شمولهم في آلية التعيين المركزي.

حصل نقاش في الأمانة العامة لمجلس الوزراء بشأن كيفية اختيار آلية معينة لاعداد كادر متميز في حقل العلوم الادارية والاقتصادية والمالية والقانونية للنهوض باداء دوائر الموارد البشرية في مختلف مؤسسات الدولة. واقترحنا بالبدء بدراسة آلية شمول تدريسي وزارة التربية من معلمين ومدرسين في برنامج القبول المركزي، والتي كانت ضمن اهدافنا وستراتيجياتنا ونعتبرها الخطوة الاولى والمهمة للنهوض بقطاع التربية والتعليم وقد حصلنا على الموافقة المبدئية.

تم إعداد الدراسة لاعتمادها ضمن برامج القبول المركزي اسميناه "قناة النخبة" وذلك بالسماح لخريجي الاعداديات من ذوي المعدل 90% وأعلى للتقديم الى الدراسة في مختلف الجامعات وضمن التخصصات المتفق عليها والمشار إليها أدناه وبواقع 1000 مقعد دراسي وذلك سيعتبر تجربة للعام الدراسي 2018/2019 وسوف يتم زيادتهم للسنوات اللاحقة في حال نجاحها، ووزعت المقاعد كما يلي:

50% للتخصصات التربوية

25% لتخصص القانون

25% للتخصصات الإدارية والاقتصادية والمالية

كذلك تمّ إقرار ما يلي:

1 - عدم الاعتماد على معدل الطالب المتقدم للدراسة ضمن نظام قناة النخبة كمعيار وحيد للقبول وإنما يجب أن يخضع لمقابلة شخصية لتقييم لياقته فضلاً عن الاختبارات في المعلومات العامة ومهارته في اللغتين العربية والانكليزية.

2- يمنح الطالب المقبول مكافأة مالية قدرها 150ألف دينار خلال فترة دراسته، وتقطع في حالة رسوبه في أي مرحلة من دراسته، ويُعين عند تخرجه في أحد دوائر الدولة ضمن تخصصه إذا كان تسلسله ضمن الربع الأول. 

3 - قُسمت أعداد المقاعد لقبول الطلبة على جميع الجامعات حسب النسبة السكانية لمحافظتها.

أقّر المقترح في مجلس الوزراء بتاريخ 15/5/2018 وصدر القرار برقم (199) لسنة 2018 ونصه الآتي:

بناء على ما عرضته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بموجب كتابها ذي العدد: م.و. 1/632 والمؤرخ في 24/4/2018.

قرر مجلس الوزراء بجلسته الاعتيادية التاسعة عشرة المنعقدة بتأريخ 15/5/2018 اعتماد خطة الموارد البشرية في حقل العلوم الإدارية والاقتصادية والمالية والقانونية الواردة في كتاب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المذكور آنفاّ بحسب الآتي:

1 - قبول الطلبة من ذوي المعدلات التي لا تقل عن (90%) من خريجي الدراسة الإعدادية/الفرع العلمي (تطبيقي/احيائي) في كليات الإدارة والاقتصاد ضمن إختصاصات إدارة الأعمال، الإحصاء، الإدارة العامة، الإدارة الصناعية، المحاسبة، الاقتصاد، العلوم المالية والمصرفية).

2 - قبول الطلبة من ذوي المعدلات التي لا تقل عن (90%) من خريجي الدراسة الإعدادية الفرعين العلمي (تطبيقي، احيائي) والأدبي في كليات:

أ- القانون

ب- التربية الأساسية باختصاصاتها كافة ضمن خطة (1000) مقعد وفق تنوع التعليم و الموضح بالجدول المرفق في ادناه...

3 - فتح الدراسات العليا في الاختصصات النادرة مثل (إدارة المستشفيات، إدارة التأمين، الصيرفة الالكترونية).

4 - تخصيص نسبة من المقاعد في الدراسات العليا لحملة شهادة البكلوريوس في الاختصصات الطبية والهندسية للحصول على شهادة الدبلوم العالي المهني.

5 - منح الطلبة المقبولين ضمن البرنامج مكافأة طوال مدة دراستهم لا تقل عن (150000) دينار، فقط مائة وخمسون ألف دينار شهرياّ، على أن يجري التعاقد معهم على وفق الخطة آنفاّ بعد اعتماد تعهد من قبلهم بهذا الشأن.

الأمين العام لمجلس الوزراء وكالة

24/5/2018 

( انتهى القرار)

اعّدت الوزارة تعليمات بشأن آلية القبول والتقديم بإستخدام نظام قناة النخبة وآلية احتساب درجة المقابلة للطلبة المتقدمين لكليتي التربية والتربية الأساسية وكماهي مدرجة أدناه:

30% للمعلومات العامة

30% للشخصية واللياقة والهندام

20% للقابلية على القراءة والكتابة للغة العربية 

20% للقابلية على القراءة والكتابة للغة الانكليزية.

تعتبر تقييمات المقابلة هي المؤشر الأساسي للسماح للطالب بالمنافسة والقبول ضمن قناة النخبة. 

ومن هنا فإنني أوكد على أن هذا القرار سيساهم في تشخيص نخبة مختارة من الطلبة ليتم إعدادهم وتأهيلهم تربوياً وعلمياً ومهنياً وبعد تخرجهم يتم اختيار المتميز منهم ليُعيّن تدريسياً،أو معلماً أو مدرساً حسب شهادته، ضمن ملاك وزارة التربية . إن الستراتيجية التي وضعت للقرار للأعوام 2018-2027 وبزيادة سنوية لعدد المقاعد بواقع100% ليصبح ملاك المؤسسات التربوية فضلاً عن باقي مؤسسات الدولة من النخبة المتميزة وعندها ممكن أن يحقق جزءاً من هدف اقتصاديات المعرفة.

* وزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top