أجاثا كريستي.. أعظم مؤلفة روايات جرائم في التاريخ

في اقتفاء آثار اجاثا كريستي في العراق

فاروق مصطفى
يقول المبدع (علي بدر)في كتابه الشيق (خرائط منتصف الليل) انه سأل حفيدة هذه الكاتبة التي اشتهرت بكتابة القصص البوليسية والتى وفدت الى بغداد لتصور الاماكن التى مرت منها جدتها في خمسينيات القرن المرتحل ’’ ما الذي جعل (اجاثاكريستي)كاتبة الروايات البوليسية ان تتزوج من عالم اثار مثل (مالوان)؟ قالت لكي تزداد عنده قيمتي كلما كبرت ونقع على المعنى عينه في كتاب (في تجربة الكتابة)

ل: س.ر مارتين  والصادر ضمن سلسلة كتاب الاتحاد حيث يقول مؤلفه على لسان اجاثا ان حظي لسعيد اني متزوجة من رجل مهنته تنقيب الاثار كلما كبرت زاد اهتمامه بي  فلهذا لايزعجها مضي السنين بعجله.
ولدت اجاثا  في عام 1891 وعندما كبرت تزوجت (ارشيبالد كريستي) ومن هذا جاءها هذا الاسم الذي ارتبط بها الى الاخير وارشيبالد هذا ارسل الى جبهات القتال في فرنسا ابان الحرب العالمية الأولى فلحقت به زوجته وغدت تعمل ممرضة في احدى المستشفيات ويقال ان والدتها كانت وراءها في اقحامها الى عالم القصص البوليسية عندما استفزتها بقولها فيما اذا كانت قادرة على تأليف رواية بوليسية وتحدت امها وكسبت التحدي عندما وافق احد الناشرين على طبع روايتها الاولى ويقول(مارتين) في كتابه الانف الذكر عن اجاثا كريستي هذه الملكة في مملكة الروايات البوليسية والتي نالت شهرتها عام 1926 بكتابها (مقتل روجر اكرويد)
وجاء زواجها الثاني من عالم الاثار المعروف (ماكس مالوان) وقد صحبته الى العراق ورافقته في زياراته العديدة الى المواقع الاثرية وامضت معه فترة وهو ينقب في اثار نينوى وبالاضافة الى انها استوحت من مكوثها قريبة من الاماكن الاثرية كتابة روايات بوليسية الا انها قدمت العديد من المساعدات والخدمات الى زوجها والعاملين معه في مضمار الاثار والتنقيب بطهوها الطعام وتمريضها للمرضى وفي اوقات فراغها كانت تترك نفسها داخل خيمتها وهي تنسج حبكات احداث قصصها المشوقة داخل العراء الممتد والهدوء المهيمن البعيد عن مديات الضجيج.
اقول انها استوحت مكوثها مع زوجهاوهو ينقب في اثار نينوى روايات اضافتها الى عالمها البوليسي المبتدع والمتخيل فمن هذه الروايات رواية  (الشبح الرهيب)
ان وقائع هذه الروايات تسردها علينا الممرضه (ايمي ليثران)وهي التي تاخذ القطار الصاعد من بغداد والمتجه صوب كركوك واحداث الرواية تجري في بعض المناطق الاثرية لمدينة الموصل فمن المحتمل ان اجاثا سلكت هذا الطريق وهي في سبيلها الى الانضمام  الى زوجها الشهير في مضمار الاثار فمرت من محطة كركوك واستقلت عبارة (الفتحة) لعبور نهر دجلة لتصل زوجها.
نقرأ في الرواية المذكورة والسرد مروي على لسان (ايمي)وهي ممرضة ممارسة والوقائع كلها تروى من قبلها وغادرت بغداد بعد ثلاثة ايام.....وصحبني الميجور كيلي الى المحطة حيث ركبت القطار الى كركوك على ان تصل اليها في اليوم التالي وقضيت ليلتي في غرفة النوم بالقطار مؤرقة حيناً ومضطربة النوم احيانا ولكن انتعشت قليلا في صباح اليوم التالي حين ابصرت من نافذة القطار المناظر التي يمر بها  وكان المتفق عليه ان ينتظرني شخص معين في محطة كركوك......وكنا نأمل ان تاتي اجاثا على ذكر هذه المناظر والبلدان والقصبات التي يقطعها القطار الصاعد الى كركوك ولكنها مرت عليها مرور الكرام وربما وجدت ان كل هذه المناظرلاتخدم حبكة روايتها ولا تصب في اثراء درجة تشويقها.
نعود ثانية الى المبدع (علي بدر) وكتابه (خرائط في منتصف الليل) وفيه يروي لنا حكاية جبرا ابراهيم جبرا مع اجاثا كريستي عندما تعرف عليها وعلى زوجها في سينما روكسي ببغداد وهما يغادران صالتها ولم يعرف جبرا في باديء الامر ان هذه المرأة الانكليزية هي (اجاثا) الكاتبه ذائعة الصيت بالرغم انه دعي الى منزلهما في منطقة (الوزيرية)وتناول عندها الشاي الى ان اكد له (ديزموند ستيوارت) الكاتب الانكليزي الذي يقطن في بغداد هو الاخر تلك الايام هذه الحقيقة حقيقة المرأة التي جالسها واحتسى شايها اللذيذ وهي تحيك لزوجها بلوزة هي كاتبة الروايات البوليسية الشهيرة بلحمها ودمها.
بالاضافة الى روايتها السالفة الذكر (الشبح الرهيب)التي تدور احداثها في بلاد الرافدين كتبت رواية اخرى اشهر من تلك الا وهي (موعد في بغداد) وروايتها الاخرى الاشهر (جريمة في قطار الشرق السريع) لها علاقة ايضا بأجواء العراق لان قطار الشرق السريع كان يبدأ من بغداد ومرورا بحلب ثم استا نبول ووصولا الى برلين ومن المحتمل انها وزوجها قد سلكا هذا الطريق في تنقلاتهما بين العراق واربا.
التقيت شاباً في احدى مكتبات كركوك كان يسأل صاحبها عن روايات (اجاثا)فاخبرته بانه يجد دزينة من رواياتها في مكتبة اخرى وبينت له اسمها وعندما سألتة ما الذي يعمل؟ قال لي انه مهندس وخريج احدى الجامعات البريطانية ويتقن الانكليزية وهو مغرم بكتابات اجاثا ويقرؤها في لغتها الاصلية ويقرؤها  مترجمة الى العربية قلت له هل تعرف روائيينا المحدثين امثال علي بدر،،حيدر حيدر،،، يوسف زيدان،،، ابراهيم الكوني،،،واسيني الاعرج،،،، وطاهر بن جلون  قال لي اعرف نجيب محفوظ ولكني افضل اجاثا كريستي عليه وقد وجدته متحمسا لهذه الكاتبة وعندما اخبرته بانها سكنت بغداد ومرت من كركوك واستوطنت ضواحي الموصل اصغى الى كلامي  بشغف وروية واعلمني بانها كاتبته المفضلة بامتياز ولا يرتوي من معين قراءاتها.
الان لو اردنا ان نقتفي اثار كاتبتنا التي سكنت العراق اواخر الاربعينات من القرن المنفرط وذهبنا الى حي الوزيرية ونشدنا البيت الذي قطنته مع زوجها (مالوان) وفيه استقبلت (جبرا ابراهيم جبرا) وقدمت له الشاي الحار والكعك اللذيذ لما وقعنا على اي شيء يقودنا ولو بخيوط واهنه الى اثارها وحتى محطة القطار بكركوك التي هبطت فيها بطلتها  (ايمي ليثران) لم يبق لها اي اثر حيث ازيلت هذه البناية الجميلة عندما حولت المحطة الى مكان اخر كانت بناية المحطة القديمة ودار ضيافتها ومقهى تابع لها ايقونة كركوكية جميلة مزنرة بشريط اخضر من الاشجار والعرائش الكثيفة ولكن ازيلت كلها وكأنه حكم على كل شىء جميل ان يتلاشى ويتبخر ويتصحر مكانه ولم يبق لنا عندما نريد ان نقتفي اثار كاتبتنا سوى الدخول الى المكتبات والسؤال عن رواياتها لعناق مهاراتها في حبكاتها المشوقة التي لايتركها المتلقي الا بعد ان تحل له العقدة وتنار خباياها ويكتشف اللغز المحير العجيب.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top