توني موريسون.. فصولٌ من سيرة كاتبة شُجاعة

توني موريسون.. فصولٌ من سيرة كاتبة شُجاعة

تأليف : بربارا كريمر .. ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

القسم الثالث

عندما كانت موريسون في الثالثة عشرة عملت بعد إنقضاء يومها المدرسي منظّفة منزل تقطنه عائلة من البيض..

إمتلكت جدّة كلوي كتاباً لتفسير الأحلام ، واستخدمته لملاعبة الأرقام كما لو كان لعبة قمار . كانت الجدّة - على سبيل المثال - تسأل كلوي عن أحلامها ، ومن ثمّ تشير لكتابها ذاك الذي كانت تستخدمه لتحويل الأحلام إلى عدد من ثلاثة أرقام . كانت الجدّة تنجح في أحيان محدّدة في تفسير أحلام كلوي ؛ لكنها عندما كانت تخفق مرات عديدة في مسعاها كانت تتقصّد الإبتعاد عن كلوي لبضعة أيام ريثما تنسى كلوي الإخفاق المرير لجدّتها في تفسير أحلامها . 

تعلّمت كلوي وهي صبية بعض الشيء بشأن أسلافها ؛ لكنها لم تعرف شيئاً عن والدَي أبيها اللذين توفّيا قبل ولادتها . من جانب آخر كانت كلوي تعلم كلّ شيء عن والدَي أمها ، وهما اللذان سردا على مسامعها القصص التي تحكي عن ماهية نشأة المرء ونضوجه في الجنوب الأميركي : كان والدا أجداد كلوي عبيداً أرقّاء قبل الحرب الأهلية الأميركية ( 1861 - 1865 ) ، وحينها لم يكن جدّها قد بلغ الخامسة من عمره بعدُ عندما سمع والديه يتحدّثان للمرّة الأولى عن مفردة إسمها ( التحرير ) . لم تكن تلك المفردة لتعني شيئاً مؤثراً لجدّها ؛ لكن بدا أنّ والديه كان يتوهّجان حماسة في كلّ مرة يتناولانها بالحديث ، وهذا مادفعه للإعتقاد بأنها شيء ينطوي في جوهره على قيمة عظمى مرعبة ؛ لذا فعندما تناهى لأسماعه أنّ تلك المفردة باتت على الأبواب حقاً أسرع في الإختباء تحت سريره وهو غير مدركٍ بأنّ تلك المفردة إنما صاغها الرئيس ( لنكولن ) في إعلانه الأشهر الذي جاء ليضع نهاية للرقّ والعبودية في الولايات المتحدة الأمريكية .

أخبر الجدّان كلوي كذلك بشأن إنتقالهم شمالاً بعد مغادرتهم بلدة ( غرينفيل ) بولاية ألاباما . كان الجدّان في ألاباما يعملان مزارعيْن يستأجران قطعة أرض زراعية بضمانة رهنٍ يمثّل بعض عائداتهما من الغلّة الزراعية ؛ الأمر الذي عنى بالضرورة أنهما وافقا على العمل كرهائن لدى مالك أرض في مقابل عائد بالغ الضآلة بالكاد يقيم أودهما مع أطفالهما ، وكانت النتيجة الحتمية أنّ عائلتهما عاشت وسط فقر مزمن مقيت ؛ لذا توجّب على جدّ كلوي أن يعمل - مثل أبيها بالضبط إبان الكساد العظيم - في أعمال عدّة ليتكفّل بنفقات أسرته ، وكان أن قاده واحدٌ من تلك الأعمال إلى مدينة ( برمنغهام ) بولاية ألاباما حيث عمل فيها موسيقياً يعتاش لقاء العزف على الفيولين . تكتب موريسون عن هذا الأمر : 

إعتاد جدّي أن يرسل النقود التي يتحصّلها في ألاباما إلى جدّتي في بلدة غرينفيل ؛ لكنّ جدّتي راحت تغدو أكثر توتراً وهي تعيش وحيدة صحبة بناتها اللواتي دخلن طور البلوغ - ذلك الطور الذي كان نذير خطر بالنسبة للسود في ولايات الجنوب الأمريكي وبخاصة بعد أن صار الصبيان البيض يشكّلون جماعات تعضّد الواحدة الأخرى . في تلك اللحظة الخطيرة إتّخذت جدّتي قراراً لاعودة عنه يقضي بحتمية مغادرة العائلة لبلدة غرينفيل . 

أرسلت جدّتي رسالة شفوية لزوجها ( جدّي ) تبلغه فيها : " سنتوجّه شمالاً في قطار منتصف الليل . إذا أردت رؤيتنا ثانية فما عليك سوى أن تشاركنا ركوب ذلك القطار ! " . كان هذا القرار فعلاً جريئاً وبخاصة أنّ جدّتي لم تكن تعلم فيما لو أنّ تلك الرسالة بلغت جدّي أم لم تبلغه ، فضلاً عن أنها لم تكن تملك من المال سوى 18 دولاراً في محفظتها ؛ لكن برغم هذا جمعت اطفالها تحت جناحيها واستقلّت القطار. 

عندما غادر القطار المحطّة لم تكن ثمة إشارة توحي بقدوم زوجها ، وراح أطفالها ينتحبون ، وبينما كانت الجدّة والأطفال في الطريق إلى حيث ينبغي أن يجدوا مقاعدهم في القطار لمحوا الجدّ من بعيد وعرفوا حقيقة مافعل : كان الجدّ مختبئاً في القطار ، وظلّ مختبئاً ولم يمتلك الجرأة الكافية لكي يذهب إلى مسكن عائلته لأنه كان يخشى أن يراه أحدهم ويتعرّف عليه ومن ثمّ يمنعه من مغادرة بلدة غرينفيل بسبب كونه مديناً بمبلغ من المال له . 

كانت عائلة كلوي متكاتفة متعاضدة ، يشعر أفرادها بالقرب والحميمية فيما بينهم ويعتمد أحدهم على الآخر من غير تكليف أو منّة ، وكلّ فردٍ في العائلة كان يوكلُ له عملٌ يتوجّب تأديته على الوجه الأكمل وبمسؤولية لاتشوبها منقصة أو مثلبة ؛ فهذا هو في الأقلّ مايتوقّعه كلّ فرد فيها من الفرد المقابل . لو طُلِب من كلوي - مثلاً - أن تراقب الطعام وهو ينضج على المدفأة فهي تعلم أنها يجب أن تنهض بهذا العبء على أتمّ صورة وأكملها ، ولو أنها لم تفعل هذا الأمر فستكون النتيجة المحتّمة إحتراق الطعام ، وليس هذا بالأمر الهيّن الذي يمكن غضّ الطرف عنه ؛ إذ أنّ كلوي تعلم ( مثل كلّ أفراد العائلة ) أن ليست ثمة وفرة من الطعام يمكن أن تعوّض الطعام المحترق . 

عندما بلغ جدّ كلوي من الكبر عتياً كان ينتابه التيه أحياناً فيذهب في التجوال بعيداً عن المسكن ، وكان يُطلَبُ إلى كلوي أن تمضي في أثره كلّ مرّة لكي تعيده إلى المسكن . عندما كانت جدّة كلوي تحتضر جلست كلوي بجانب سريرها وراحت تقرأ لها مقاطع من الكتاب المقدّس ، وتقول موريسون بهذا الشأن أنّ الأطفال كانوا يُدرّبون منذ الصغر على كيفية العناية بالبالغين وكبار السن معاً ؛ فقد كان هذا التدريب بمثابة درس عملي يتعلّمه الصغار ويتيح لهم معرفة ( من هم ؟ ) و ( ماهي أصولهم الأولى في الحياة ؟ ) . 

شرعت كلوي بالعمل في أعمال عديدة منذ أن بلغت الثانية عشرة لكي تساهم في مصاريف الأسرة : عندما كانت في الثالثة عشرة عملت بعد إنقضاء يومها المدرسي منظّفة منزل تقطنه عائلة من البيض . لم يكن الأمر يسيراً في أي شيء من تفاصيله ، ولم تزل كلوي تذكر ذلك اليوم الذي عادت فيه للمنزل وهي تشكو لوالدها سوء سلوك المرأة البيضاء في المنزل الذي كانت تعمل منظّفة فيه ، وأنّ عملها كان شاقاً وهي غير قادرة على النهوض بأعبائه التي تثقل كاهلها وهي تنوء متوجّعة من فرط تلك الأعباء ؛ فأجابها والدها : " إسمعي أيتها الفتاة ، أنت لاتعيشين هناك . أنت تعيشين هنا . لذا فكلّ ماعليك فعله هو أن تذهبي لعملك ، وتحصلي على نقودك ، ثم تعودين لعائلتك هنا ." . تركت كلمات والد كلوي إنطباعاً أبداً لايمحى أثره في عقلها ، وقبل كلّ هذا تعلّمت درساً ثميناً مفاده أنّ ماتشعر به حيال نفسها ليس بالأمر الذي يمكن أن يقرّره أناسٌ آخرون سواها . 

لم تكن عائلة موريسون وحدها هي التي وجّهت طفولتها وشكّلتها على النحو الذي آلت إليه لاحقاً ؛ بل كان المجتمع حينذاك يسهم في تشكيل الأطفال وتنشئتهم : كان الناس مثلاً سيشعرون براحة عميقة في دواخلهم لو رأوا كلوي تقترف خطأ ما في الشارع وسارعوا لتصحيح ذلك الخطأ - بحسب مايعتقدون - . " إذا مااخطأتُ في موضعٍ ما ( كأن أضع احمر الشفاه في وقت أبكر بكثير مما يظنه الناس ) فقد كان الناس لايكتفون بإبداء الإمتعاض فحسب بل كانوا يرون أنفسهم مدفوعين لأداء واجب أخلاقي يقتضي نصحي بعدم فعل هذه المثلبة " ، هذا ماتقوله موريسون ، ثمّ تضيف بأنها لم تكن تستطيب كلّ أشكال التوجيه المسداة لها وهي مراهقة غضّة ، وتزيد قائلة : " ذلك أمرٌ كان خليقاً بأن يجعلني أشعر بالضجر . ياإلهي ، كم تمنّيت حينذاك أن أغادر ذلك المكان لأنني تعبت من كلّ هؤلاء الناس الذين يستطيعون التطفّل على حياتي أنّى أرادوا ... ". 

داومت كلوي في مدرسة ( لورين ) الإعدادية حيث ضُمّت إلى جمعية الشرف الوطنية ، وحينذاك صار بمستطاعها قراءة كلّ الروايات العظيمة في الأدبين الروسي والفرنسي فضلاً عن روايات الكاتبة الإنكليزية ( جين أوستن ) والروائيين الأميركيين ( إرنست همنغواي ) ، ( ويلّا كاتر ) ، ( ويليام فوكنر ) . لم تكن تلك الروايات من النوع الذي يمكن أن تتماهى معه مراهقة أمريكية - إفريقية ؛ غير أنّ موريسون أحبّت تلك الروايات وتاهت بها عشقاً لسبب وحيد : أنها كانت روايات مكتوبة بطريقة فائقة الجودة . 

تخرّجت كلوي من مدرستها الإعدادية عام 1949 ، وحصلت على قبول في جامعة هاورد في العاصمة واشنطن ، وبذا صارت المرأة الأولى التي تذهب للجامعة بين أفراد عائلتها . عندما راحت كلوي تحضر دروسها الجامعية بانتظام كانت أمها تعمل في تنظيف حجرة سيّدات لكي توفّر نفقات الرسوم الجامعية التي يتطلبها تعليم إبنتها . 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top