ديمقراطية بلا أنياب لن تخلصنا من الفوضى

آراء وأفكار 2019/09/17 07:00:57 م

ديمقراطية بلا أنياب لن تخلصنا من الفوضى

د.حيدر نزار السيد سلمان

ببساطة ؛ تفرض الطبيعة الاجتماعية والسياسية العراقية ومابلغته الأوضاع العامة من سوء وتردٍ وانهيارات للمنظومات السلطوية والقيمية

ومغالبة مراكز قوى وبعضها تعود الى ماقبل نشوء الدول للدولة ومؤسساتها ؛ تنافساً ومزاحمة في السلوك والتحرك، وخصوصاً في مسألة شرعية امتلاك قوة القسر وفرض القانون ، ببساطة تفرض هذه الانهيارات وغيرها تخلياً مرحلياً عن أحلام اليقظة والتوسل بآليات الديمقراطية، وماينشأ عنها من حكومات هزيلة ضعيفة كسولة تفرضها الطبيعة السياسية التشاركية او الائتلافية ،وسقوط هذه الحكومات في حضن مصالح الأحزاب والقوى التي تتألف منها .

ربما تبدو عملية التخلي عن الصيغة الديمقراطية كمطلب شعبي وحل لإخراج البلاد من معضلتها الراهنة ،بيد إنها للمتابع الذكي تبدو أيضاً كضرورة تستدعيها مآلات الاوضاع العامة والتراجع القبيح لدور الدولة ومؤسساتها وما تواجهه من تنافس صراعي من قوى أخرى تريد الحلول محلها وفرض نفسها كبديل أحياناً أو كفاعل مؤثر في سياساتها الداخلية والخارجية ،كما أن هذه القوى التي تستغل الظروف التي توفرها ديمقراطية كاذبة تبتغي مشاركة الدولة قدراتها القمعية والانضباطية ، ومن يراقب مايحدث سيعثر على دلائل واضحة وصريحة لهذا التغالب ، وهنا تبرز الضرورة لنبذ الحلول الديمقراطية فهي قد أثبتت إنها غير ملائمة بعد لمزاج الأحزاب والقوى الفاعلة ، كما أن نبتتها لم تنغرس بعد في البنية الاجتماعية ، الأمر الذي يستدعي التعامل مع واقع مختلف تماماً عن المخيال الرومانسي الطوباوي ، واقع يفرض شروط الحكم والسلطة ؛ إذ تقوم على مبادئ من القوة والحزم والقسوة أحياناً والتحلي بروح القيادة الصارمة الضاربة بقوتها الشرعية والمنفذة بصلابة لقوانينها وحدها ولسلطتها وحدها ولهيبتها وحدها ، فلا شرعية ولا قانون ولاهيبة ولا مؤسسة إلا ماتحوزه الدولة الممثلة لإرادة الأمة ، المتجاوزة للفروع الدينية والمذهبية والعرقية والمناطقية ، الفارضة لأيديولوجيتها القائمة على أساس ؛ الأمة / الدولة ، ولهوية موحدة دامجة ، وهو عكس مانراه اليوم من تشظي .

لم نرَ لحد الآن الدولة ككيان توحيدي حاضن ودامج ولم نرَ لحد الان جهوداً لتكوين أمة بل إن مانراه تشتتاً وتفككاً دون فواعل لاستعادة هذه الخاصية الحديثة كنمط للعيش بشروط العصر وليس بشروط ماقبل الحضارة كما يريد البعض بغية إبقاء هيمنته وسيطرته خالدة.

تفرض الأوضاع الراهنة والظروف التي نعيشها سلطة قوية ساحرة وعادلة تتخطى الأحزاب وإن تطلب الأمر تجاوز برلمانها لتصبح قائدة فعلية ، ولتحقق إرادة جماهيرية بالحياة المستقرة وتتجاوز أحلام اليقظة لحالمين طوباويين مازالوا يغطون بأحلامهم رغم كل هذه الاخفاقات وفشل التجربة وشدة تكاثر القوى المعرقلة المنافسة ، ورغم الانتقالات الدرامايتكية من حال سيئ الى حال أسوأ وما يرافقه من ضعف في الممارسة الدولتية وغيابها عن التفصيلات الاجتماعية وتخلي مؤسساتها عن الاداء البيروقراطي كما نلاحظ على سبيل المثال في تحدي العشائر للسلطة والقانون .

يبدو هذا الرأي غريباً عند الكثيرين من الحالمين بالتغيير عن طريق التمنيات والتفاهمات والإصلاحات وقفازات الحرير ومواجهة البندقية بحبات العنب لكنه ليس غريباً عن الواقع والاوضاع العامة التي تولد حلها من ذاتها ، فلم تعد المقامرة بالحلول الديمقراطية ناجعة لبلاد تعاني من أمراض لايمكن علاجها الا بمشرط جراح ماهر محترف ذو قلب قاسِ وطيب في الآن نفسه ، لعل هذا العلاج لا يستسيغه أصحاب القلوب الرقيقة ولن ترتاح له نفوس المستغرقين بتحقيق الآمال والطموحات بالخطابات والتمنيات لكنه يروق للباحثين عن دولة قوية بمؤسسات فاعلة تمتلك الحق الحصري بالقوة القسرية وتتعامل بقسوة مع من يحاول الحلول مكانها ومن يحركه الضعف والكسل الدولتي طامحاً بمنافسة الدولة .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top