ملف المغيبين فـي العراق إلـى أين؟

آراء وأفكار 2019/09/17 07:01:32 م

ملف المغيبين فـي العراق إلـى أين؟

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

أشار المركز العالمي للمغيبين International Centre for Missing Persons الذي يعمل بصورة مشتركة مع الحكومة العراقية بهدف تسجيل أعداد المغيبين

والتعرف على هوياتهم إلى أن التقديرات الرقمية تبين أن أعدادهم قد وصلت إلى حدود 250000 مغيب منذ 2014. رقم ولاشك إن صح كبير جداً ما يجعل مثل هذا الملف الانساني مهم جداً وبحاجة للمزيد من الاهتمام. ضمن هذا السياق تتسارع وتيرة تقديم البلاغات الرسمية من أهالي المغيبين في العراق حيث وصلت إلى مايقارب 6500 بلاغ مضمونها الرئيس يتحدث عن الحاجة الملحة لمعرفة مصيرهم جلهم في محافظات عاشت إحتلال داعش المرير(نينوى ، الأنبار وصلاح الدين) منذ 2014 .

علماً بإن هذا الملف قد لايقتصر على المحافظات المشار إليها إذ قد يشمل محافظتي ديالى وبابل أو غيرها في مراحل سابقة . من جهته كشف المرصد العراقي لحقوق الإنسان في بداية شهر أيلول /سبتمبر 2019 عن "وجود مايقارب 25 ألف عراقي مفقود في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين"، مشيراً في فقرة لافتة إلى "أن المئات من مدينة الموصل الذين اعتقلهم تنظيم داعش خلال سيطرته على المدينة لم يعرف مصيرهم حتى الآن، وإن مئات البلاغات وصلته من عوائل وذوي المفقودين تتحدث عن عدم معرفة مصير أبنائهم الذين أعتقلهم تنظيم داعش في سجونه وأختفوا أثناء عمليات التحرير." في التفاصيل أشارت "لجان" حكومية وبرلمانية إلى أن العدد تجاوز في محافظة الانبار الستة الآف شخص ، وفي محافظة صلاح الدين تجاوز العدد أربعة الآف شخص. بينما العدد الأكبر من هؤلاء وفقاً لأرقام تقريبية هم من محافظة الموصل حيث تتراوح اعدادهم مابين 12 – 15 ألف مدني عراقي. إضافة لذلك يشير التقرير إلى معلومة إضافية مفادها أن عشرات الآلاف من عوائل المختطفين أو المفقودين لم يبلّغوا رسمياً عن مصير أبنائهم نتيجة لأسباب عدة أبرزها أمنية واقتصادية (بحاجة لأن تحدد على وجه الدقة) ، يضاف لما تقدم أيضا هناك من يعتقد بإن لافائدة من هذه البلاغات ولذا تجده متردداً في تقديمها. يعنيني كباحث موضوعي أن أؤكد أن الموضوع تحت أيدينا هو ملف إنساني بإمتياز وليس هناك أي وازع أو رغبة كي نجعله غير ذلك وبغض النظر عن أية توجهات من بعض الجهات السياسية هدفها ربما تسيس الموضوع . لكن في تقديري المتواضع يعد الملف جزءاً لايتجزأ من ملفات عدة أخرى مهمة هدفها في النهاية التحري عن حقوق الإنسان وحماية حرياته الأساسية في العراق . من هنا ، يفترض أن يحظى مثل هذا الملف بأولوية قصوى من قبل السلطات العراقية كافة إلى جانب كل الملفات الرئيسة الأخرى الخاصة بحقوق الإنسان وحرياته الاساسية .

من المفارقات الدولية التي تتوافق مع متابعة موضوعنا صدور قرار أممي تم تبنيه من قبل مجلس الأمن الدولي في 11 حزيران 2019 لأول مرة الدولي برقم 2474 (2019) يرتبط بشكل مباشر بالاشخاص الذين تم الإعلام والتعريف بهم "مغيبون-missing". هؤلاء استحقوا هذه التسمية كنتيجة مباشرة لحالات التغييب في ظل حومة الصراعات العسكرية وتداعياتها الخطيرة إنساتيا . القرار يدعو الاطراف المعنية بمثل هذه الصراعات لإتخاذ كافة الاجراءات المناسبة للسعي الفاعل للبحث عنهم أو في حالة فقدانهم كليا إرجاع رفاتهم إلى ذويهم مع استمرار السعي الجاد للبحث عنهم لمدة أطول وفقا لقول رائج : يجب عدم ترك أي حجر دون تحريكه وقلبه بغية معرفة تفصيلات أكثرعنه. كما نص القرار على ضرورة ضمان إتخاذ كافة الاجراءات المناسبة لمنع تكرار ((Preventive measures حصول حالات التغييب سواءً بشكل عام أو للاطفال بشكل خاص لإنهم أكثر فئة معرضة للمخاطر الانسانية الكبيرة. هذا ولعل من الاهمية بمكان أن يتم التحقق السليم من هوية الاشخاص الذين عانوا بدرجات مختلفة من تضييق الحريات او فقدانها من خلال استخدام أحدث الطرق التقنية . من أمثلة او نماذج هؤلاء فئة "أسرى الحروب". يضاف لما تقدم لابد من التوضيح المركزلعدد من النقاط الجديرة بالاهتمام الواردة في قرار مجس الامن: 

أولاً: يحث قرار مجلس الأمن أعضاء أو أطراف النزاعات المسلحة على جمع ، حماية وإدارة المعلومات والوثائق الخاصة بهؤلاء الاشخاص المغيبين ضماناً لإجراءات شاملة ، سريعة ، محايدة وفاعلة تحاول الكشف عن مصيرهم النهائي. 

ثانياً: تأسيس آليات حديثة فاعلة هدفها - بمجرد الإعلام عن حدوث نزاع معين – تبادل المعلومات حول المحتجزين والمدنيين مع إعادة تؤكيد أهتمام ودعم المجلس لجهود اللجنة الدولية للصليب الاحمر (ICRC) سعيا للتعرف عن مكان وجود الاشخاص المغيبين . إضافة لدعوات مستمرة لصياغة إتفاقات سلام Peace Agreements بين الدول تتم في ظل رعاية واشراف الامم المتحدة تتضمن نصوصها القانونية تسهيل السعي العالمي لإيجاد المغيبين. رصد بيتر مورر Peter Maurer رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر أعداد المغيبين ل 2018 لوحده قرابة 45000 شخص رقم ولاشك يمثل في نظر المراقبين قمة جبل الجليد (tip of the iceberg). هذا ومن المناسب الإشارة إلى أنه إضافة للعراق الذي لديه سجل واسع وطويل من حالات التغييب التي تمت عبر مراحل زمنية سابقة عكست مظاهر قمع حكومات متعاقبة أو استمرار أزمات سياسية – أمنية داخلية او حروب اقليمية كبرى خاضها العراق من نتائجها المباشرة التدمير الواسع للبنى البشرية والتحتية والمكانية وجدت دول عربية اخرى عانت بل ولازالت تعاني من ذات المشكلة وإن كانت ظروفها متباينة نسبيا من بينها سوريا )10000 حالة مسجلة أممياً)، لبنان ، جنوب السودان واليمن جميعها تعرف بإنها بؤر للتوتر وللحروب خلفت حتى الان مئات الآلاف من الأضرار بشرياً ومادياً . كلها أيضاً بحاجة لتغليب الإرادات السياسية الفاعلة (وطنياً – إقليمياً ودولياً) من أجل الكشف عن حقيقة ماجرى للعديد من حالات التغييب القسري التي قد يكون بعضها "غير قسري" ولكنه في النهاية يكلف البلاد الأصلية تكاليف كبرى مادياً ومعنوياً. المهم دائماً أن يمنع المجتمع الدولي حصول مثل هذه الحالات قبل حدوثها وهي مسألة ليست ميسورة . 

عودة للملف العراقي مرة اخرى يمكننا الاشارة إلى ماتحدث عنه السيد نعيم الكعود رئيس اللجنة الامنية في البرلمان العراقي يؤكد أن "مصير الآلاف من المغيببين مازال مجهولاً حيث أنه وعقب التحري والتقصي عنهم لم يثبت أنهم موجودون في السجون العراقية". علماً بإن النائب المذكور سبق له أن أبدى تفاؤلا نسبياً مرتبطاً بإمكانية إطلاق سراح بعض هؤلاء المغيبيين من السجون . رئيس الوزراء العراقي السابق الدكتور حيدر العبادي سبق وأن شكل لجنة تحقيقية لمعرفة مصيرهم ضمت ممثلين عن مجلس القضاء الأعلى ، الجيش ، الاستخبارات والحشد الشعبي ولكن الأمر لم يصل لنتيجة واضحة أو جلية.. أما الدور الحكومي الراهن فقد تمثل في جانب رئيس منه العمل على متابعة جهود ما قامت به الحكومة السابقة مع ضرورة تعزيز دور لجنة متابعة المغيبيين والمختطفيين التي عقدت إجتماعها الأول برئاسة رئيس البرلمان السابق الدكتور سليم الجبوري. وصفت اللجنة ظروف التغييب ب"الغامضة" ما يستوجب العمل حثيثا للكشف عن مصير الآلاف من المتغيبين . 

لعل من المناسب الإشارة أيضاً إلى أن اللجنة أسست آلية للتعامل مع هذه الملفات وغيرها من خلال عمليات جمع البيانات المناسبة ودقيقها والاطلاع على إفادات سبق للعوائل وذوي المختطفين تقديمها مع الاستفادة الضرورية من تقارير سابقة أعدتها الحكومة والبرلمان والمنظمات الانسانية واللجان المختصة. هذا وقد أكد أعضاء اللجنة أن مهمتهم الإنسانية في المقام الأول تتطلب الحصول على "مساندات المؤسسات المحلية والاطراف السياسية والانسانية والفعاليات الشعبية". الشيء الأساسي الذي لابد للحكومة وللبرلمان العراقي أن يعيه يتعلق بضرورة عاجلة هدفها توفير إجابات وافية وحاسمة من أجل معرفة مصير أبناء هذه المحافظات كي تنتهي أو تخفف معاناتهم الإنسانية .. ضمن هذا السياق لابد من الارتقاء بمستوى التواصل الاجتماعي بين الحكومة وأبناء الشعب العراقي لأن ما فقد ليس مواد استهلاكية يمكن الاستغناء عنها بيسر بل مصادر أو رؤوس مال بشرية معول عليها في بناء العراق الجديد خاصة إذا كانت تعد في غالبيتها عناصر شابة تحمل تخصصات مهنية عالية القيمة. إنها أجيال المستقبل التي ينتظرها العراق بفروغ الصبر وصولاً للتنمية البشرية السليمة . ولعلي أتطرق في حلقات قادمة لمناقشة كيفية الاستفادة من تجارب وخبرات الدول المختلفة التي عانت من ذات الأزمات الإنسانية خاصة تلك التي قد تتماثل في ظروفها مع العراق نسبيا في إطار منهج مقارن – نقدي- مستقبلي. إن المعالجة السليمة للملفات الانسانية وهي كبيرة ومتعددة توصلنا إلى مناخ سياسي آمن ومستقر يمكن البناء عليه لتنمية العراق مستقبلاً.

دون ذلك تتعدد الأزمات الانسانية وقد تتفاقم الى درجة تعيق أي تقدم أو إصلاح حقيقي ما يجعلها أيضاً ربما مستغلة من قبل جماعات خارجة عن القانون من أمثال "داعش" أو غيره من تنظيمات إرهابية. إن إيجاد حل لملف المغيبين سيعزز من شوكة الدولة في مواجهة الارهاب بكل صوره وأشكاله.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top