النائب المترفع عن أداء اليمين الدستورية

آراء وأفكار 2019/09/18 06:31:45 م

النائب المترفع عن أداء اليمين الدستورية

 هادي عزيز علي

قبل الدخول في هذا الموضوع لا بد من القول : ( إن الفائز في انتخابات مجلس النواب لا يحوزصفة " النائب " إلا بعد اداء اليمين الدستورية .

المادة "50 " من الدستور ) . وهذا ما استقر عليه قضاء المحكمة الاتحادية العليا .

وبالعودة الى موضوعنا فأن المادة 20 من الدستور تنص على : ( للمواطنين رجالاً ونساء ، حق المشاركة في الشؤون العامة ، والتمتمع بالحقوق السياسية ، بما في ذلك حق التصويت والانتخاب ) . وفي نص هذه المادة يعني ان حق الانتخاب هو من الحقوق الدستورية العليا الممنوحة للمواطنين وتميزها عن الحقوق الأخرى لكونها تساهم في البناء المؤسسي للدولة . والجدير بالاعتبار هنا أن هذا الحق مستل من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المصادق عليه من قبل العراق , وهذا يعني أن المشرع العراقي ارتقى بهذا النص الدولي الى المكان الأفضل ضمن الأحكام الدستورية تماهياً مع الأحكام الواردة في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان .

تتيح العديد من الدول لهيئة الناخبين النظم المختلفة لممارسة الاقتراع السياسي في اختيار مرشحيهم لتمثيلهم في المؤسسات التشريعية ، كنظم التصويت فردياً كان أم بالقائمة ، أو نظم الانتخاب كنظام الأغلبية أوالتمثيل النسبي سواء جاء بالقائمة المفتوحة أم بالقائمة المغلقة . أونظم توزيع المقاعد سواء جاءت بالباقي الأقوى أو المعدل الاقوى أو المعامل الوطني ، أو طريقة هوندت أم سانت ليغو وسواها من النظم الأخرى . ومن خلال تشريعات تصدر لهذا الغرض . كل ذلك من أجل تمكين المواطنين من اختيار ممثليهم وتجليسهم في المقاعد التمثيلية ومن خلال اختياراتهم لهم بغية منحهم السلطة المطلوبة للممارسة صلاحياتهم في التشريع والمراقبة ، على اعتبار أنهم يستمدّون سلطتهم من الشعب مباشرة . 

تبدأ العلاقة بين الناخب ومرشحه منذ اللحظة التي يتم فيها إيداع البطاقة في صندوق الاقتراع معززة بأنصراف إرادته لتمكين المرشح من الفوز بالمقعد التمثيلي المطلوب ، والفوز في هذه الحالة تعود مرجعيته الى أصوات الناخبين ، فنحن والحالة هذه أمام علاقة نشأت بين الناخب ومرشحه . وهذه العلاقة بحاجة الى توصيف قانوني بغية الوقوف على ما لطرفيها من حقوق وواجبات ، وقد انشغل الفقه الدستوري في هذا الموضوع فأنتج نظرياته المختلفة ورؤاه المتباينة خاصة في حالة غياب النصوص التشريعية المنظمة لذلك ، وسنحاول المرور على ذلك بإيجاز شديد غير مخل وعلى الوجه الآتي 

الفريق الأول القائل إن العلاقة بين الطرفين تحكمها أحكام الوكالة ( نظرية الوكالة الإلزامية ) المستمدة موضوعها من نصوص عقد الوكالة في القانون المدني ، ومضمونها إلزام النائب بالعمل على وفق ما انصرفت إليه إرادة ناخبيه باعتباره وكيلاً عنهم ويُلزم بتحقيق حقوق موكليه الواردة في عقد الوكالة . وقد وجِّهت لهذه النظرية انتقادات شديدة ، على اعتبار أن الوكالة شأن خاص بين طرفين لا يخرج عن موضوع الشخصنة وحيث إنها كذلك فقد أدرجت في القانون المدني المدرج تحت عنوان القانون الخاص في حين أن الانتخابات شأن عام يجب أن يخضع لأحكام القانون العام لذا فقد أدرجت أحكامها في النصوص الدستورية .

وعلى أنقاض هذه النظرية ظهرت نظرية ( الوكالة التمثيلية ) ، ومضمونها أن النائب ممثل للأمة وبكافة أطيافها ، لذا فهو وكيل عن الأمّة ، فله حق المشاركة والمناقشة والتصويت في الشأن العام باعتباره ممثلاً للمصلحة العامة وليس لمنطقته الانتخابية حسب ، ويبدو أن المشرع الدستوري العراقي يقترب من هذه النظرية عندما نص في المادة 49 من الدستور بأن : ( مجلس النواب يتكون من عدد من النواب يمثلون الشعب العراقي بأكمله ) .

الفريق الثالث وهو الغالب لا ينزع نحو تأسيس نظريات قانونية لرسم العلاقة بين الناخبين ومرشحيهم ، بل يفضلون إضفاء الجانب السياسي على هذه العلاقة للأسباب المذكورة في تبني هذا الطرح وذلك لعدم انسجام النظريات القانونية وواقع الحال السياسي ، لذا فالعلاقة لديهم سياسية وليس قانونية خاصة وإن الاقتراع السياسي سواء نص عليه في الدستور أو نظمته قوانين الانتخابات فإنهما يعالجان موضوعاً سياسياً وليس قانونياً .

وأياً كانت نوع العلاقة بين الناخبين ومرشحهم قانونية كانت أم سياسية ، عهداً كان أم ميثاقاً ، فإن للناخبين استحقاقاً مترتباً على مرشحهم يتمثل في تجليسه في المقعد التمثيلي بغية تحقيق الأهداف والمطالب التي دفعتهم لانتخابه . وإن أداء اليمين الدستورية إحدى الآليات التي يجب تطبيقها للحصول على توصيف نائب ومن دون اليمين الدستورية تلك لا يصبح المرشح نائباً ولا يجوز استبداله بآخر لغياب النص الذي يعالج هذه الحالة ، وهذا ما أفصح عنه حكم المحكمة الاتحادية العليا المرقم 80 \ انتحا\ية \ 2019 المؤرخ 16 \ 9 \ 2019 . 

الممتنع عن أداء اليمين يكون خاذلاً لناخبيه ، ومنقوص المصداقية لبرنامجه ، ومثلوم الوفاء لمريديه ، وناكث عهد أصحابه ، وناكلاً عما التزم به ، عابثاً في ميثاقه . وكأثر من آثار فعل النكول هذا ، هو مخالفته لاحكام المادة 20 من الدستور وذلك بتعطيل مشاركة المواطنين في الشأن العام . والسعي القصدي لجعل المؤسسة التشريعية منقوصة العدد مما يؤثر سلباً في النصاب المطلوب للتصويت وبذلك يشكل مخالفة لحكم المادة 49 من الدستور ، وتعطيل دوره التشريعي والرقابي الذي هو حق من حقوق ناخبيه ومحل طموحاتهم وآمالهم ، ثم وحرمان من يليه من الوصول الى المقعد التمثيلي ما دام عازفاً عن القبول بموقع النائب ، وفي المحصلة النهائية لهكذا موضوع يستنتج أن المترفع عن أداء اليمين الدستورية يسعى لتفضيل وضعه الشخصي ومصالحه الخاصة على مهام تمثيل الأمّة ، وأي شخص يكون بهذا الوصف يُلزم باصدار تشريع يمنعه من الوصول الى قبة البرلمان كونه غير مؤهل لتمثيل الأمّة. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top